بييرو دللا فرنشسكا

بييرو دللا فرنشسكا (1416- 1521)


استصفى فن سيينا ما عنده واستنفذ قواه في تقديم مُثل العصور الوسطى ومشاعرها في كم وكيف لا يباريان، وبقي على مدرسة أخرى من مدارس وسط إيطاليا هي مدرسة أومبريا أن تحمل على عاتقها مُثُل عصر النهضة بأساليب لا تختلف كثيراً عن أسلوب “مدرسة” سيينا وإن اختلفت النتيجة. فلم يحرص فن إقليم أومبريا كثيراً مثل فن سيينا على القيم اللمسية والحركية، كما أنه لم يكن أقل منه ولعاً بالتصوير الإيضاحي Illustration للتعبير عن متطلبات تلك الحقبة. وحين نتناول بالحديث فناني أومبريا لا غنى لنا عن أن نعرض لشخصيتين من عباقرة التصوير من سكان جنوبي توسكانيا هما بييرودللا فرنشسكا Piero della Francesca، ولوقا سنيوريللي. وبييرو هو تلميذ أوتشيللو في رسم المنظور وكان هو نفسه ضليعاً في اللغة اللاتينية والرياضيات، كما ألف رسالة علمية حول المنظور ودرس طبيعيات الضوء. ولم يكن بييرو يقل عن جوتو ومازاتشيو إحساساً بالقيم اللمسية وقدرة على التعبير عن قوى الجهود والضغوط والحركة التي نافس فيها دوناتللو.
ولعلّه أول من استغل الضوء المباشر المخفّف والملطّف على ما نرى في لوحة انتصارات دوق أوربينو ذات الطيّتين التي كلّف بإعدادها بمناسبة زواج الدوق فريدريكودا مونتيفلترو راعي الفن في مدينة أوربينو مثلما كان شأن لورنزو العظيم في مدينة فلورنسا. فظهر على أحد وجهي اللوحة صورة الدوق المشهور بالخدش الواضح فوق أنفه المتخلّف عن طعنة سيف وعروسه (لوحة 382-383)، بينما يظهر على الوجه الآخر مشهد العروسين فوق مركبات الزفاف (لوحة 384).
كذلك تتجلى قدرات بييرو الفريدة في لوحة “تعميد المسيح” (لوحة 385). التي تُنبي فيها تكويناته عن فكره الرياضي ويطبّق في تصميمها القواعد الهندسية تطبيقاً صارماً، فنرى ساق الشجرة يشطر مساحة اللوحة وفقاً لقانون النسبة الذهبية(118) Golden Section قانون النسبة الذهبية. قانون هندسي يوناني قديم بقي قروناً طويلة أساساً لتوافق النسب في الطبيعة والفن. ويقضي بأن تكون نسبة القسم الأكبر من خط أو مساحة ما إلى المجموع الكلي لهذا الخط أو تلك المساحة تعادل نسبة القسم الأصغر إلى القسم الأكبر. وهي عند الفنانين النسبة المثالية التي يتم بها اتفاق النسب دون إخلال، كنسبة 3: 5، 5، 8: 13، 13: 21 وهكذا (م.م.م.ث). اليوناني الأثير عنده والذي يقضي بأن تكون نسبة القسم الأكبر من مساحة ما إلى المجموع الكلي لتلك المساحة تعادل نسبة القسم الأصغر إلى القسم الأكبر. كما تتجلّى في هذه اللوحة البديعة أيضاً نزعة الفنان إلى الألوان الشفافة والوضعات الواضحة التعبير. وأول ما يشدّنا في هذه اللوحة هو الجو العام للصورة الذي يوحي بالسكون المطلق وكأن الهدوء التام يضفي سحراً على شخوص الصورة ويقفهم ساكنين لا حراك بهم، فلا نرى إلا خيطاً من الماء المتألق ينسكب فوق رأس المسيح دون انقطاع، بينما يسود الشحوب موجات المياه وراء كاحليه. ومن وراء هذا التكوين الأخّاذ يشخص علم الرياضة، فثمّة مثلّث متساوي الأضلاع تبدأ قمّته من فوق رأس المسيح حتى زاويتي الصورة السفليتين، كما تبدو الملائكة وكأنها تنبثق من الأرض مثلهم مثل الشجرة التي انتصبوا إلى جوارها، حتى نكاد نظن رؤوسها الثلاث كتلة واحدة من النحت نتطلع إليها من زوايا ثلاث مختلفة.
وإذا أمعنّا النظر في نساء لوحة استقبال الملك سليمان لبلقيس وحاشية ملكة سبأ (لوحة 386) لتبين لنا أنهن جميعاً على نمط واحد فريد: الجباه المرتفعة المكوّرة والأعناق الأسطوانية العاجية المصقولة ومحاجر العيون المقعّرة والجفون المنتفخة التي يكوّن مجموعها قوساً مستمرّاً محدّباً، والوجنات الملساء بلا تجاعيد على نحو لا انقطاع فيه، والتقوّس الرهيف لأسطح الوجنات الذي يتجلّى من خلال ظلال تقنية الفاتح والداكن”كياروسكورو” فتوحي بصلابة البشرة وكتلتها إيحاء أشدّ أثراً مما استطاع كارافاجيو ومقلّدوه أن يأتوا به من خلال استخدام تقنية الظلال والضياء بأسلوبهم الفذّ الحاذق.
وللأسف الشديد إن أعمال بييرودللا فرنشسكا المتبقية قليلة، ولكنه والحق يقال لم يبد لنا مثل أوتشيللو بمظهر المسّاح أو الطوبوغرافي بل بقي على الدوام مصوراً. أما أولئك الذين يسعون دائماً وراء نمط جمالي محدد فقد يصدمهم بعض شخوص بييرو من الذكور والإنات كما قد يجده البعض موضوعياً جامد الشعور ولكنه مع ذلك يبهر أبصارنا، تلك الخاصية التي لا يشاركه فيها غير اثنين فقط من الفنانين أحدهما مجهول الاسم وهو الذي حفر منحوتات الجبين المثلث بمعبد البارثينون، والثاني هو المصور الإسباني فيلاسكيز الذي صور ما صور دون أن يعرب عن انفعالة أو عاطفة.
فبييرو لم يكن في أسلوبه موضوعياً فحسب مثل سائر عظام المصورين، بل كان جامد الشعور يطرح الانفعالية ويلتزم بالموضوعية غير الذاتية أعني غيبة الانفعال، واختار لشخوصه لأسباب جمالية بحتة أشكالاً مترعة بعنفوان الرجولة، ولنفس السبب اختار لمناظر الطبيعية أشدّها هيبة وبساطة وبعداً عن الزخرفة. وخلط بين أشكاله ومناظره ومزجها حسبما يقتضي الموقف متيحاً لشخوصه الجليلة وأحداثه الجسام أو مناظره البسيطة أن تمارس علينا أقصى قواها، وهو ما يتحقق بعد استبعاده لكل الانفعالات التي يستشعرها أبطاله ونماذجه. وتتجلى لنا هذه السمات والخصائص بوضوح في مشهد “آدم مشرفاً على الموت” (لوحة 387).
أما سرّ جاذبية هذا الأسلوب لنا فهو أنه مزيج من أمور عدة، أولها أنه عندما لا يكون ثمة تعبير عن المشاعر – الذي تتأثر به عادة عواطفنا – نصبح أكثر تقبّلاً للانطباعات الفنية البحتة للقيم اللمسية والحركية وتقنية الإشراق والعتمة. فالفنان الذي يرسم مزدرياً تصاريف الحياة وما تخلّفه من إرهاق وعنت ومعاناة لا يقل قدرة على إسعاد الإنسان وإراحة خاطره عن الشاعر الذي يضفي على الحياة الطابع الإنساني معتزّاً بتفوق الإنسان على الطبيعة الغشوم.
وكم يأسرنا وصف ألدوس هكسلي لعظمة بييرودللا فرنشيسكا حين قال: “هي عظمة طبيعية غير مصطنعة”. تلك هي الصفة الأولى لمنجزات بييرو، فهو جليل دون أن يكون متكلّفاً أو مسرحي التأثير أو في كلمة واحدة غير منضبط الشعور، وهو في جلاله على غرار جلال هيندل لا جلال فاجنر. وهو يكشف عن هذه العظمة بيسر في كل حركة أو إيماءة، يسجّلها دون أن نلحظ أن ثمة جهداً مفرطاً وراءها. ولقد كان بييرو مولعاً برسم شخوصه بأشكال مشحونة بالقوة تعلوها رؤوس مكورة رمزاً لصلابة الكتلة، فثمة شيء في أعماله يذكّرنا دائماً بالنحت المصري القديم فإذا نحن نرى الوجوه وكأنها نحت في صخر صلب مما تتعذر معه الإبانة عن تفاصيل الأخاديد والتجاعيد، فهي وجوه “مثالية” على غرار وجوه الآلهة والفراعنة المصريين. وتبدو صوره وكأنها مكوّنة من طبقات متراكمة بعضها فوق بعض، شخوصاً كانت أو أشجاراً أو جبالاً أو سماوات، وقد تطابقت تطابقاً يعرب عن وحدتها الهندسية. وإن ما يجذبنا إلى شخصية بييرودللا فرنشسكا هو قوته العقلانية وقدرته غير المتكلفة على تمثيل الحركة الدالة على كل ما هو جليل ومهيب، واعتزازه بكل ما هو رائع ونبيل في الطبيعة الإنسانية. وإن ما يشدنا إليه فناناً هو كونه عاشقاً لصلابة الأجسام، وكونه مصوراً فذاً للمساحات المحدبة الملساء، وكونه مصمماً يحيل الكتل إلى عناصر بنائية”.

بييرو دللافرنشسكا. فريديريكودا مونتفلترو. متحف أوفتزي.

بييرو دللافرنشسكا. عروس فريديريكودا مونتفلترو. متحف أوفتزي.

بييرو دللافرنشسكا. مشهد رمزي لزفاف الدوق فريديريكودا مونتفلترو. متحف أوفتزي.

بييرو دللافرنشسكا. مشهد رمزي لزفاف الدوق فريديريكودا مونتفلترو. متحف أوفتزي.

بييرو دللافرنشسكا. آدم مشرفاً على الموت . تصوير جدارى. كنيسة سان جوفاني. أرتزو. نشهد آدم قاعدا وقد أنهكه الوهن قبل أن يحل به الردى وبعد أن عاش تسع مائة وثلاثين سنة، ومن ورائه تقف حواء التي قضت نحبها بعده بأسبوع تحنو عليه جزعة، بينما يقف أمامه ابنه شيث وحفيده أنوش والذي يستند على عصا، وزوجة أنوش. وقد جاء في (أسفار آدم) [غير القانونية] أن آدم قد عانى من المرض والألم لأول مرة في نهاية حياته، وحاول ابنه شيث وحواء الحصول على زيت من شجرة الحياة لعلاج آدم، غير أن ميكائيل رئيس الملائكة نزل إلى شيث ليبلغه أن آدم لن يشفى مما ألم به من مرض [انظر (دائرة المعارف الكتابية). د.القس صمويل حبيب وغيره. دار الثقافة].

يان فان إيك

يان فان إيك
(1390- 1441)

ومن أبرز طلائع هذا الفريق الفلمنكي المصوّر يان فان إيك Jan Van Eyck، ذلك أن مجتمع التجّار الذي اندفع بشدّة وراء الكشف والاستطلاع والمغامرة لم يقنع بشدّ الفنانين نحو العالم الدنيوي فحسب بل حفزهم أيضاً على الابتكار والتجديد. فلوحتا “آدم وحواء” من تصوير يان فان إيك واللتان تقاربان الحجم الطبيعي كانتا من الجرأة بمكان كبير لأنهما من أوليات الصور الضخمة العارية في تصاوير شمال أوربا، بل إن عريهما ما يزال حتى يومنا هذا يثير الإعجاب في عيون النظارة إلى حدّ الانبهار (لوحة 395 أ، ب) إذ كان فان إيك يجد في المظهر الطبيعي نبعاً ثرّاً يغترف منه أكثر مما تشدّه الابتكارات المثالية ففاق في ذلك أستاذ فليمال. وهكذا تكشفت صورتا آدم وحواء في هذه اللوحة عن تقييم جديد للشكل الآدمي، عبّر عنه الفنان بإدراك أكثر تقدّماً لقواعد المنظور وقوانين استخدام الضوء. فعلى حين كان آدم رمز الخطيئة الأصلية يبدو على الدوام منحنياً من فرط خزيه وندمه نراه الآن يقف منتصباً داخل كوّته باعتباره الإبداع الأوّل للخالق. وتتّخذ حواء وضعة طبيعية يلعب الضوء والظل دوراً بارزاً في تجسيمها لتبدو في واقعها الطبيعي الحي على الرغم من شكلها التقليدي الذي عهدناه في الطراز القوطي الدولي بثدييها الناهدين وبطنها المنتفخة.
وفي مبدأ الأمر شارك يان فان إيك شقيقه هوبرت العمل إلى أن استقل بنفسه بعد وفاة الأخير، ثم عكف على تجاربه في تطوير فن المنظور والتصوير الزيتي الذي بدأه “أستاذ فليمال”، وكانت هذه التجارب جميعاً تقنيات مبتكرة تستجيب لذوق الفن الواقعي الجديد وتتوافق معه، فقد أتاحت الألوان الزيتية سلّماً للتدرّجات اللونية أشد غزارة ورقّة من مواد التلوين السابقة، فضلاً عن إمكانيات التدرّجات اللونية التي لا يعوق اضطرادها شيء لتحديد اتجاه الضوء وكثافته تحديداً واقعياً. فحتى القرن الخامس عشر كان التصوير مقصوراً على استخدام التمبرا Tempera، وهي مزيج من المساحيق اللونية وصفار البيض كان مناسباً لإظهار التفاصيل الدقيقة والألوان الساطعة لكنه لا يتجاوز مرتبة وسطى بين القتامة والإشراق، فالألوان الدكناء ما تلبث أن تخفت إذا رسمت بمزيج التمبرا، والألوان الفاتحة تكاد تتحول إلى البياض فاقدة ذاتيتها. ولا ندري على وجه اليقين حتى الآن ماهية المواد الفعلية التي استخدمها أستاذ فليمال وتعهدها الشقيقان هوبرت ويان فان إيك بالتحسين والتجويد. على أنه من المعروف أنهم بدأوا باستخدام طبقة من التمبرا غشوها تارة بمسحة زيتية لامعة شفافة تكسب الألوان بريقاً، وتارة أخرى غشّوها بلمسات متجاورة بالغة الدقة من طبقات اللون الشفاف أو الكامد وفقاً لاحتياجات التكوين. وبهذا أصبح في الإمكان رفع درجة أي لون رونقاً وتألّقاً، كما احتفظت الألوان القاتمة بحيويتها، فعلى حين أخذت الألوان الداكنة تتدرّج دكنة حتى تغدو فاحمة السواد، أخذت الألوان الفاتحة في التدرج بمنأى عن البياض الجيري، وهكذا تتهادى التدرجات من درجة إلى أخرى من اللون ذاته بسلاسة توحي بسيولة وتدفّق الضوء الحقيقي عبر أي مسطح.
على أننا قد نُجانب الصواب إذا افترضنا أن التصوير الزيتي هو من ابتكار فان إيك، فلقد ظهرت هذه التقنية أول ما ظهرت في الأراضي الواطئة وألمانيا خلال القرن الرابع عشر، لكنها اكتسبت كمالها على يد فان إيك، حتى غالى بعض النقاد في الانبهار به وكأنه صاحب سر خفي في تقنية الألوان الزيتية لم يفضه أحد غيره. ومع هذا فمن المؤكّد أنه كان يتمتع بمهارة فائقة في استخدام العجائن اللونية بحذق ومنهجية خاصة به، وكان يستخدم وسيطاً نقياً مضافاً إليه بعض البرنيق لمساعدته على جفاف اللون بسرعة حتى يستطيع مواصلة العمل دون حاجة إلى التوقّف يوماً أو بعض يوم في انتظار أن يجف اللون.
ومن بين سائر الفنانين الفلمنكيين أتبت يان فان إيك أن التعبير عن العالم الدنيوي في التصوير لا يعني بأي حال الهبوط إلى السوقية، ومن بين كل تصاويره كان البورتريه الذي يضم جوفاني أرنولفيني وعروسه جان تشينامي (لوحات 396، 397، 398، 399، 400) خير دليل على ذلك، إذ تحتشد اللوحة بأدوات الحياة الدنيوية بأشكالها وألوانها وملمسها في تفصيل مذهل لا ينضب. والأدوات المتنوعة في هذه اللوحة على غرار مثيلتها في لوحة البشارة لأستاذ فليمال هي أيضاً رموز تربط غرفة العرس “بسر الزيجة”، إذ يشير زوج القباقيب في الركن الأدنى الأيسر من اللوحة إلى ما جاء بالكتاب المقدس “اخلع حذاءك من رجليك لأن الموضع الذي أنت واقف عليه أرض مقدسة”، أما الشمعة المضيئة الوحيدة بالنجفة فهي عين الإله الساهرة التي لا يغيب عنها شيء، والجرو اللطيف المستأنس كان رمز الإخلاص والوفاء في العصور الوسطى، أي أهم فضائل الرابطة الزوجية. أما شكل الرأس المحفور على عمود المقعد المجاور للفراش فهو للقديسة مرجريت شفيعة الولادة، والمرآة المحدبة التي يعكس عليها المصور المشهد المقابل فهي رمز الصدق والأمانة (لوحة 401). ومع ذلك فليس بين هذه الرموز كلها ما يعكس الانطباع الرائع الذي يخلفه لنا هذا التكوين الفني من إحساس بالسكينة المطلقة المفعمة بالحيوية في آن معاً.
والحق إن شيئاً مثل هذه الروعة لم تقع عليه عين من قبل أو حتى من بعد، إذ تحوّلت الواقعية البارعة بهذا المستوى الفذ إلى لون من العبقرية لا يتكرر ولا يبارى، فيحس المشاهد أن ليس ثمة وجود مستقل على حدة لأي عنصر من عناصرها، فالألوان والعتاد والأدوات المصورة قد انصهرت جميعاً في نسيج متفرّد جديد لا ينفصل فيه الواقع عن الإيحاء، كما التزم الفنان بقواعد المنظور على نحو ما يبين لنا من مضاهاة فراغ هذه اللوحة المتعدّد المسطحات بفراغ لوحة البشارة ل”أستاذ فليمال”، حيث يتجلّى لنا أن الصورة الأخيرة هي مجرّد سجل لأدوات صورها الفنان تصويراً مستقلاً بعضها عن بعض بدلاً من أن تكون مجموعة متناسقة من الأدوات تترابط عضوياً إحداها مع الأخرى في وحدة منطقية متسقة.
وتعدّ هذه الإنجازات الرائعة للفنان يان فان إيك بواقعيته الرزينة الوقور التعبير الصادق عن العبقرية الفلمنكية. ولعل أصالته فضلاً عن كمال تقنيته الفنية التي لا تبارى تفسّر لماذا كان عصيّاً على غيره من الفنانين تمثّله ومحاكاته باستثناء فنان واحد فقط هو روجييه فان در ويدن.

يان فان إيك: آدم وحواء. كاتدرائية سان بافون. جنت.

يان فان إيك:جوفاني أرنولفيني وعروسه. الناشونال جاليري بلندن.

يان فان إيك: جوفاني أرنولفيني وعروسه. تفصيل. يد أرنولفيني.

يان فان إيك:جوفاني أرنولفيني وعروسه. تفصيل. وجه أرنولفيني.

يان فان إيك:جوفاني أرنولفيني وعروسه. تفصيل. وجه أرنولفيني.

روجييه فان در ويدن

روجييه فان در ويدن
(1399- 1464)

وروجييه فان در ويدن Rogier Van Der Weyden  هو ذلك الفنان الذي غيّر مسيرة التصوير في شمال أوربا وفرض تأثيره على مجرى فن التصوير في إسبانيا بل وفي إيطاليا من خلال صورة له رسمها قبل بورتريه “أرنو لفيني وعروسه” بوقت قصير. وينبغي ألا يغيب عن بالنا أن صورة “البشارة” لأستاذ فليمال وبورتريه “أرنو لفيني وعروسه” والصورة التي سنعرض لها الآن وهي “إنزال المسيح من فوق الصليب” قد رسمت كلها خلال عقد واحد، وأنها جميعاً بمثابة مؤشّرات إلى ما اتسم به الفن الفلمنكي من تنوّع ومحاولة لاستكشاف الأعماق. والراجح أن أستاذ فليمال قد فرغ من لوحة “البشارة” حوالي عام 1428، كما يكشف توقيع يان فان إيك باعتباره الفنان شاهد عرس أرنو لفيني عن أن تاريخ اللوحة هو عام 1434، وكان قد انتهى من لوحة الهيكل التي صور فيها “آدم وحواء” قبل ذلك بسنتين. وفي الوقت نفسه تقريباً حوالي عام 1432 عكف روجييه فان در ويدن على تصوير لوحة “إنزال المسيح من فوق الصليب”. ونظرة واحدة إلى هذه اللوحة كافية لتقييم تأثيرها على الفنانين في كل زمان ومكان حتى لقد ظلّت أجيالاً بأسرها ذات تأثير بالغ في فن التصوير وفن النحت، يحتذيها الفنانون من كل حدب وصوب ويشكّلون من وضعات شخوصها الأنيقة المحركة للوجدان تنويعات لا حصر لها. غير أنه لا ينبغي أن يغيب عن البال أيضاً أن المغالاة في الأناقة قد تحول دون إثارة الوجدان وإن حرّكت فينا الرضا والمتعة، وأنه كلّما أسرفنا في حشد عناصر إثارة الوجدان نال ذلك مما ينطوي عليه الشكل من رشاقة ينشدها الفنان تحقيقاً لصدقه الفنّي، غير أنه غالباً ما تفوز الأناقة بقصب السبق في مضمار الفن، ذلك أن إضفاءها مسألة يمكن اكتسابها، على حين أن القدرة على التعبير الوجداني هبة من عند الله خصّ بها القلّة النادرة من خلقه.
ونحن إذا ما تناولنا تحليل عنصري الأناقة وإثارة الوجدان في لوحة “إنزال المسيح من فوق الصليب” (لوحة 402) فلن نصادف أية تناقضات أو مفارقات أو حلولاً وسطى، وإن كنا لا نستطيع الزعم بأنها تنطوي على العنصرين بنسب متساوية، إلا أنهما على وجه اليقين يتعايشان معاً ويتبادلان التأثير أحدهما في الآخر. ويوصي مؤرّخ الفن رينيه ويج المشاهد وهو يتذوّق مثل هذا العمل الفني: “بالحرص على أن يلم بالانطباع العام عنه دون أن يحصر اهتمامه كله في عنصر واحد دون غيره من سائر عناصر التكوين الفني. وإن كان هذا الإجراء في الحقيقة أمر صعب بل شديد الصعوبة، إذ يقتضي أن يكون المرء كفيفاً حتى لا يستجيب إلى ما تحتشد به اللوحة من تفاصيل أنيقة، وأن يكون خامد الروح حتى لا يتأثّر بما تترع به من عناصر وجدانية طاغية، وأن يكون مصاباً بنوع من الفصام حتى يشطر العمل الفني إلى عناصر شتى”.
وفي الحق إن الفن مجال يسمح بتعدّد أشكال الكمال، ولقد يشق علينا أن نجد صورتين مختلفتين تمام الاختلاف كل منهما عن الأخرى مثل لوحتي “أرنو لفيني وعروسه” و”إنزال المسيح من فوق الصليب” رغم أنهما صوّرتا في التاريخ نفسه على مبعدة فراسخ قليلة إحداهما من الأخرى بوساطة مصورين من بيئة اجتماعية واحدة ذات نهج فني واحد، حتى لقد ذهب بعض المؤرخين إلى اعتبار روجييه فان در ويدن النقيض لفان إيك نظراً لاطّراحه المحسّنات التجديدية التي صاحبت العودة إلى قوطية أستاذ فليمال.
فإن لوحة “إنزال المسيح من فوق الصليب” كما يقول كينيث كلارك: “هي عمل فني تعرّض للتنقية والتقطير مرتين، فأشكاله تكاد تغدو فنّاً من قبل أن تصور، وهي تستحضر إلى الذاكرة على الفور منحوتات براكستيليس التي لوّنها المصوّر زوكسيس اليوناني، فلم يصف روجييه أشكال شخوصه كما لو كانت نحتاً شديد البروز أمام خلفية مذهّبة فحسب بل جعلها تتفجر بالكمال التشكيلي على غرار الأفاريز الكلاسيكية، وتحتل مواقعها في هذا النمط من التصميم بحيث لا يشعر الإنسان بأن للشخوص ثقلاً يشدّها إلى أسفل أو أنها تكابد العناء. ومع ذلك فقد تعتري براعة التصوير الرصين واقعية تغلّف بعض أجزائه، وإن عجب المرء ليثور أمام حدّة تجسيد التفاصيل وتصويرها بدقّة تكاد لا ترى إلا بالمجهر”. كما يذهب Alberti في مقاله عن التصوير إلى أن “المتعلّم والجاهل على السواء لن يتوانى عن إطراء تلك الرؤوس الشاخصة من الصورة وكأنها رؤوس منحوتة”. وهذا هو ما حققه روجييه على أعلى مستوى، فرأس السيدة العذراء هو بلا أدنى شك أحد أعظم نماذج “القيم اللمسية” في فن التصوير، كما أنه تعبير بليغ عمّا عناه المؤرّخ فنكلمان في اصطلاحه الكلاسيكي عن أن الفن هو الوحدة مع التنوع: “فهو وجه سمح البساطة لم يضح المصور بأي ذرّة من الصدق أثناء التعبير عنه، ولكل تفصيل أهمية مزدوجة، فحركة الدموع المنهمرة فوق وجه العذراء تعزز إحساسنا بواقعيتها، كما أن الإرادة الصلبة وراء كل لمسة فرشاة هي في حقيقتها إرادة نحّات لا مصوّر، إرادة معنوية أكثر منها عضلية أو آلية”.
والقليل الذي نعرفه عن روجييه فان در ويدن يقطع بأنه كان رجلاً بغير نزوات، ولد عام 1399 في بلدة تورناي الفلمنكية التي كانت تابعة لفرنسا، وتتلمذ في عام 1427 على يد الفنان الذائع الصيت روبرت كامبين Robert Campin المعروف باسم “أستاذ فليمال”، وما إن أطل عام 1435 حتى انهال عليه الثراء نظير لوحة “إنزال المسيح من فوق الصليب” فراح ينفق نصيباً منه في شراء السندات المالية. وفي عام 1436 ظفر بلقب “مصور مدينة بروكسل” وغدا فناناً عالمياً شهيراً يشار إليه بالبنان، وتدفّق عليه الراغبون في اقتناء فنه من شتى أنحاء أوربا طامحين في تلبية مطالبهم وسط كثرة الوافدين.
وكانت “نقابة رماة السهام” قد عهدت إلى روجييه برسم لوحة “إنزال المسيح من فوق الصليب” لتزيين إحدى كنائس مدينة لوفان Louvin. ومع أن روجييه فان در ويدن يعدّ أحد روّاد ابتكار الموضوعات التصويرية فإن أستاذ فليمال هو في حقيقة الأمر من أرشده إلى الطريق الذي يتعيّن عليه أن يسلكه.

وفي تلك الأثناء كان يان فان إيك عاكفاً على إجراء تجاربه على تصوير العمق مزوّداً بإدراك نافذ لتأثير الضوء والمناخ المحيط. وكان أستاذ فليمال من ناحية أخرى مولعاً بتصوير الأثاث وما إليه كالأرائك والموائد من خشب البلوط وحوامل المصابيح الجدارية والأواني القصديرية، كما كان متأثّراً منذ نشأته الأولى بمنحوتات إقليم برجنديا الواقعية وبألوانها الساطعة، فإذا به ينقل هذا الولع بالحقائق الملموسة إلى تلميذه. غير أن روجييه كان يتميز على أستاذه بما وهب من قدرة فائقة على إسباغ المثالية على أعماله، فهو بحق فنان كلاسيكي بمعنى الكلمة يحصر اهتمامه في الإنسان لا بوصفه جزءاً من الطبيعة بل بوصفه كائناً مستقلّاً فريداً بين المخلوقات، فمضى ينقّب عن نوعيات البشر ليختار من بينها الخصائص المميزة التي يمكن أن يخلق منها نماذج سلوكية متميزة يتناولها بالتصوير.
وهكذا يكون روجييه فان در ويدن قد استوعب مفهوم الدراما اليونانية فقدّمه إلينا تصويراً فوق المنصة المحدودة لمسرحية إنزال المسيح من فوق الصليب، حيث تشدذنا بساطة الخطوط الرئيسة لتكوينه الفني: مستطيل من الأشكال المنتصبة محصورة بين قوسين، وشخوص تتحرك داخل هذا الإطار المستطيل حركة تفيض شجناً وتوتّراً بدلاً من أن تنساب في إيقاع رتيب، وآية ذلك الاتجاهات المذهلة التي تتخذها الأذرع للتعبير عن عميق أساها بدءاً بالمرفق الحاد الزاوية لمريم العذراء ثم مرفق ذراع المسيح اليسرى، وانتهاء بمرفق مريم المجدلية التي تشكل وضعتها المتحوية أقصى درجات التوتر في التصميم كله. وفي وسط هذا المشهد المثير يبدو جسد المسيح وكأنه يطفو سابحاً منفلتاً من قانون الجاذبية.
وعلى حين كان جوهر أسلوب فان إيك هو المحاكاة الدقيقة للمظاهر المرئية حيث لا وجود للحواف المحددة، كان جوهر أسلوب روجييه هو الحافّة المحوّطة باعتبارها وسيلة بنائية تعبيرية، تعدّ في فن التصوير بمثابة فاصل بين مساحة ملونة وأخرى تليها. وبينما لا يستخدم فان إيك الحواف المحوطة إذ تذوب أشكاله في الفراغ دون حواجز حادّة، نرى حواف فان در ويدن حادّة في فصل كل مساحة لونية عن غيرها بحسم واضح. ونحن إذا ما ضاهينا بين المنصّة الفراغية العميقة لبورتريه أسرة أرنو لفيني والمنصة الضحلة المقصودة لذاتها في لوحة “إنزال جسد المسيح” حيث تتوزّع الشخوص على مستويين بامتداد إفريز ضيق أمام خلفية مسطّحة مذهّبة خالية من أي منظر طبيعي كان يقتضيه التصوير الواقعي للمشهد، يكشف التحليل الواقعي عن أن المشاركين في المشهد قد تشابكوا متلاصقين حتى كادوا يعجزون عن الحركة داخل هذا الصندوق الوهمي أو عن أن يتّخذوا أية وضعة أخرى بأذرعتهم أو سيقانهم. ورغم ذلك فالانطباع الذي تعكسه اللوحة هو انطباع بالحركة يتباين مع الانطباع بالسكون في فن فان إيك، إذ يربط بين شخوص روجييه ويوحّد بينها تدفّق الخط الثابت المدوّم المتحوّي عبر الصورة والمتساوق مع التيار الوجداني الذي يسري من شخصية إلى أخرى فيثير مشاعر الشجن والأسى أمام مأساة المسيح. ومن العسير علينا العثور بين شخوص روجييه على شخصية لا تعانى وتكابد في أيّة وضعة تتخذها سواء كانت واقفة أو جالسة أو راكعة.
وفضلاً عن كلاسيكية روجييه فقد كان يتمتع كذلك بموهبة المصمم الزخرفي البارع، إذ تشكّل مريم المجدلية في طرف الصورة الأيمن نموذجاً من أروع النماذج “الكاسية” التي تُحتذى في تاريخ فن التصوير كله (لوحة 403). كما قد يبدو للوهلة الأولى أن الشكل غير المألوف الذي اتخذه ذراعاها ضمن وضعتها اللافتة للنظر إنما هو حيلة بارعة لإضافة بدعة مثيرة إلى تصميم زخرفي جذّاب. غير أنّنا إذا أمعنّا النظر قليلاً لاكتشفنا أن المجدلية ليست مجرّد عنصر زخرفي، فتشكيل ذراعيها على هذا النحو يواكب خطة تنسيق المستويات في الصورة، كما أنها تخدم هدفاً آخر هو خلق منحنى يمتد من الخصر حتى المرفق، منحنى يشكّل طرفاً من حركات التقويس السارية في التكوين الفني، ولعلّ الأثر الأكبر الذي يخلفه هذا التحوير المقصود هو إثارة الوجدان. فهذا الإيحاء بالتوتر الذي يكاد يصل إلى درجة التقلّص يبث في الذراعين تعبيراً مبتكراً عن الأسى العميق الذي كان يمكن أن يثير الاضطراب في التكوين الفني لو لم يسيطر روجييه على خطوطه سيطرة محكمة.
ولم يكن روجييه رجعي الأسلوب بل كان فنّاناً عصرياً بمعنى الكلمة، فبرغم معاودته أسلوب الرسم الخطي مجاراة لأسلوب “أستاذ فليمال” القوطي النزعة، وبرغم خلفيته الذهبية المسطّحة وتوزيعه للفراغ في مستويات ضحلة أمام هذه الخلفية المرتدة نحو الماضي وإلى التقاليد البيزنطية بصفة خاصة، وبرغم أن مشابهة الصورة للوحات الهيكل المحفورة المذهّبة والمنحوتات الملوّنة لم تجئ محض صدفة بل نبعت من ولع روجييه بهذا النوع من المنحوتات، على الرغم من ذلك كله فإن استعارته من تلك الأساليب المهجورة هي استعارة ظاهرية سطحية فحسب، لأن ما حقّقه روجييه بالفعل هو نقل بؤرة الفن من الاعتماد على عدسة العين التي لا ترى غير المظهر الخارجي، إلى الإيحاء السيكولوجي بما يدور في طوايا النفس الإنسانية.
وإذا ما تطرّقنا إلى أسلوب الرمز نكتشف أن روجييه لم يلجأ إليه إلا لماماً، وذلك حين صوّر الجمجمة والعظمة اللتين لا غنى عنهما في إيقونوغرافية مشهد “صلب المسيح” فأقحمهما على مشهد إنزال جسد المسيح إقحاماً وكأنه يوحي للمشاهد أنه قد أضافهما رغماً عنه. لقد استبدل فان در ويدن بالرموز هذه باعتبارها إسناداً أدبياً وسائل تجريدية غير معهودة في فن التصوير شحنها بالانفعال. ولعل ظهور كلمة التجريدية من وقت لآخر عند مناقشة فن روجييه – كما يقول جاك لازيني في كتابه عن التصوير “الفلمنكي(72) Lassaigne, Jacque: Flemish Painting. The Century of Van Eyck, Skira, Geneva 1957 ” هو في حد ذاته برهان ساطع على عصريته، كما أن استعاراته من حصيلة الأساليب المهجورة هي عنصر من عناصر ثورته الفنية، فإن ضغطه للفراغ هو في واقع الأمر لون جديد من التعبير التجريدي(73) Abstract expressionism التعبير التجريدي هو تعبير مرتجل غير ذي وحدة أو موضوع عما يعتلج في النفس أو يعتمل في الفؤاد، يجمع ما يتوفر للفنان من عناصر تشكيلية تجريدية دون التزام بشيء ما، ومراعى فيه ما يكون له من أثر في المشاهد. [م. م. م. ث]. الذي بدأ يزاوله الفنانون في النصف الثاني من القرن العشرين، فانحصار الشخوص العشرة ضمن مساحة شديدة الضيق هو عامل آخر فعّال في التأثير على المشاهد، حتى غدا تصوّر حدوث أي شيء خارج هذا الإطار مستحيلاً بعد أن حصرنا هذا الفنان في عالم نفسي مكتف بذاته لا يتطرق إلا إلى ما يثير العواطف في لحظة معينة.
ونحن إذا ما تتبّعنا تركيب الأشكال ونسيج العلاقات المتبادلة بين الخطوط التي تعد المعمار البنائي للصورة (وليس المقصود بالخطوط هنا الخط الهندسي المجرد باعتباره نقطة متحركة وإنما مسار الخط أو اتجاهه أو حركته)، والتفتنا إلى تكثيف الانفعال الوجداني للشخصيات الدرامية التي هي بمثابة الجهاز العصبي، لاكتشفنا مدى البراعة التي وظّفها روجييه فان در ويدن في إعداد هذه اللوحة التي تستحوذ على الإعجاب كلّه. أما المعجزة الأخيرة التي حقّقتها لوحة “إنزال المسيح من فوق الصليب” فهي التنسيق الرائع بين كل مفرداتها ومقوّماتها، وهو تنسيق بالغ التعقيد حتى ليبدو من قبيل الإعجاز، كما يعدّ أشدّ أهمية من العناصر الآدمية ذاتها. فلوحة “إنزال المسيح من فوق الصليب” تتميّز بجمال لا تباريه مئات الأعمال الفنية الأخرى نظراً لتجسيدها الوجد الصوفي المنبثق عن شعور الإنسان.
على أن روجييه لم يكن أحد العباقرة الذين تنبع أفكارهم من مصادر غير مسبوقة، فليس بين تصاويره الغارقة في التأمّل البديعة التنسيق المنفّذة بعناية فائقة ما يدل على أنه كان فناناً ملهماً متفرّداً، لكنه كان رائد الرعيل الجديد للعبقرية البورجوازية بشكل قد يكون أكثر وضوحاً في مثاليته من يان فان إيك. وما من شكّ في أن ألوان روجييه الحمر والزرق البسيطة العريقة هي امتداد لتقاليد الألوان الرامزة التي مارسها فنانو الزجاج المعشّق خلال العصور الوسطى، وهي فضلاً عن مهارة روجييه التقنية قد أدّت دوراً رئيساً في تألّق صوره، فعندما حاول المصورون الفلورنسيون المعاصرون له مثل جيرلاندايو محاكاة هذا التألّق دون دراية بالتقاليد السابقة تحولت ألوانهم المتألّقة إلى ألوان صارخة.
مرة أخرى واصل روجييه تقاليد الفن القوطي العظيم فيما يتصل برسم الرؤوس والأيدي والأقدام، محققاً بذلك هدفاً عصيّاً ألا وهو إضفاء المثالية دون طمس الملامح الخاصة أو الهوية، على غرار التزاوج والاندماج بين الشخصية الذاتية والنمطية الذي بلغ أوج قمته في منحوتات الملوك والقديسين بالكاتدرائيات القوطية في شارتر وأميين ورانس.
وكان المصوّرون الإيطاليون بعد مازاتشيو ودوناتللو قد انصرفوا عن تحقيق هذا الهدف الفني خاصة بعد أن حذّرهم الناقد الفنان ألبرتي من أن البورتريه الواقعي لابد له من أن يصرف العين عن تصويرات الرؤوس المثالية حتى ولو كانت أشدّ كمالاً وأكثر إمتاعاً، ولهذا السبب تجنّب المصورون الإيطاليون في عصر النهضة الشمّاء هذه المثالية قدر استطاعتهم. ونحن إذا تطلّعنا إلى رأس العذراء وتبيّن للعين إلى أي حد تحاكي طرحتها الحركة الدائرية لذراعي مريم المجدلية تبين لنا أن خطوطها تتكسّر ثم ما تلبث أن تستأنف حركتها دون أن تفقد قوة اندفاعها. وإذا تأمّلنا يديها لم يلفتنا جمالهما بقدر ما يسترعينا التآلف بينهما وبين أطراف الشخصيات المجاورة، فيدها اليسرى رغم أنها هامدة إلا أنها تصطخب بالحيوية إلى جوار يد المسيح الخامدة، ويدها اليمنى المسترخية بين الجمجمة وقدم القدّيس يوحنّا تبدو وكأنها تستردّ الحياة ثانية من أديم الأرض.
ولقد كان الوجه الآدمي دائماً هدفاً من الأهداف التي تستهوي الفنانين على الرغم مما في ذلك من صعاب، ففي بعض العصور لم يأبه المصوّرون كثيراً بتسجيل الملامح المميّزة للشخص المصوّر مؤثرين تقديم صورة مثالية للوجه المرسوم، وهو المفهوم الذي أخذ به الفنانون الإغريق في العصر الكلاسيكي، ثم جاء الرومان بمفهوم مخالف تماماً إذ حرصوا على محاكاة كل التفاصيل جميلة كانت أم قبيحة. وعندما غدا الفن خلال العصور الوسطى شديد الارتباط بالمفاهيم الدينية انتقل الفنانون من تصوير الشخوص الآدمية إلى تصوير الشخوص القدسية وتوارى شيئاً عهد تصوير الشخوص الإنسانية، ومع بداية عصر النهضة أصبح الإنسان من جديد هو الموضوع الرئيس في مجال الفن. ومن بين اللوحات الرائعة المعبرة لفان در ويدن في هذا المجال لوحة “القديس لوقا يصوّر العذراء والطفل يسوع” (لوحة 404) طبقاً للقصة الواردة في أحد الأسفار المنتحلة التي تزعم أن هذا القديس الفنان الرقيق المشاعر قد صوّر مريم البتول. وقد أنجزها تلبية لرغبة نقابة المصورين، والراجح أن القديس لوقا في هذه الصورة هو فان در ويدن نفسه بصفته نقيباً للمصورين.
وثمّة عمل آخر أجاد فيه روجييه التعبير عن نفسه ببلاغة في لوحة ثلاثية الطيات (لوحة 405) يحتفظ بها متحف اللوفر، سجّل فوقها شخوصاً خمسة في تماثل صارم، يتوسّطها شخص المسيح بين يوحنا الإنجيلي ومريم العذراء فوق اللوحة الوسطى، ومريم المجدلية فوق الضلفة اليمنى، ويوحنا المعمدان فوق الضلفة اليسرى، وقد بدا عليهم جميعاً الانعتاق من شواغل الدنيا التافهة. ولا نزاع في أن خيال روجييه قد انشغل طويلاً بهذه الشخصيات الدينية السامية، وتصوّرها كما يتصوّر المثّال منحوتاته معزولة عن بيئتها حتى بزّ كل معاصريه في ابتكار أنماطها. وأجتزئ هنا بصورة مريم المجدلية التي كساها بزي العصر غير متقيد بأية قواعد سوى ما يمليه عليه خياله، وبدت جالسة أمام المنظر الطبيعي الزاخر بالتفاصيل. وبرغم العناية التي بذلها الفنان في تنسيقه إلا أنه في حقيقة الأمر مجرد حشو للخلفية (لوحة 406).
وقد جرت العادة أن يعمل الفنانون تحت مظلة رعاة الفن الذين كانوا عادة من الطبقة الموسرة في المجتمع الجديد التي تتوق دوماً إلى تخليد ذكراها. وما أكثر ما استخدمت البورتريهات وسيلة ناجعة من وسائل التعريف والتعارف بين الشخصيات البعيدة عن بعضها ولا يتاح لها اللقاء، كأن يقدّم ملك تبوّأ العرش حديثاً نفسه إلى البابا من خلال صورة له، أو أن يرسل أمير صورته إلى إحدى الأميرات كي ترضى بالزواج منه أو تتخلص من المأزق بأسلوب لا تعوزه اللباقة. وكانت البورتريهات الفلمنكية تسجل النظرة الدقيقة المحكمة للشخص أثناء التصوير دون أن تعبأ كثيراً بتسجيل الشخصية الفردية التي قد ينكشف عنها النقاب فيما بعد.
لقد عاش روجييه فان در ويدن حياة هادئة عكف خلالها على أداء رسالته بمنتهى الأمانة، وتزوّج في الخامسة والعشرين من عمره زواجاً موفّقاً دام أربعين عاماً مؤسّساً أسرة سعيدة، كما شارك في أعمال البر في مجتمعه، ولم يغادر موطنه إلا مرة واحدة للحج إلى روما في عام 1450 ومات في عام 1464. وإذا كانت حياته قد اتسمت بالدعة والهدوء فإنها قد حفلت أيضاً بالتكريم، فقد ذاع صيته منذ كان في سن الخامسة والثلاثين وظفر من صوره بثروة طائلة.

روجيه فان در ويدن: إنزال المسيح من على الصليب.  متحف برادو بمدريد.

روجيه فان در ويدن: إنزال المسيح من على الصليب. تفصيل.

روجيه فان در ويدن: لوقا الرسول يصوّر مريم العذراء والطفل يسوع. متحف الفنون الجميلة. بوسطن.

روجيه فان در ويدن: لوحة ثلاثية الطيّات. متحف اللوفر

روجيه فان در ويدن: مريم المجدلية. تفصيل من لوحة ثلاثية الطيّات. متحف اللوفر.

هانزمملنك

هانزمملنك

(1430- 1494)

وثمّة مصوّر فلمنكي آخر ذو شهرة ونباهة هو هانز مِملنك Hanz Memlinc، يُقال إنه من أصل ألماني، والراجح أنه كان تلميذاً لفان در ويدن، استقر به الحال في مدينة بروج حيث حظي بمستقبل باهر مترف أتاحه له إنتاجه الخصيب للصور الدينية الفائقة الجمال وبورتريهات الشخصيات الجليلة المرهصة ببورتريهات هولباين الألماني ذات الروعة المتميزة والقيمة العالية. وكان مملنك مصوّر البورتريهات الأثير لدى رجال الأعمال الثراة، إذ كان يمتلك المزايا نفسها التي كان يتمتّع بها فان دايك وجينز بورو ومصورو البورتريهات في شتّى العصور. ولا أعني بذلك أنه كان يجامل عملاءه على حساب فنّه بل أقصد القول إنه كان يتمتّع بقدرة وكياسة يخفّف بهما من حدّة العيوب الخلقية. وعلى الرغم من استقائه بعض عناصر أسلوب فان إيك وفان در ويدن – ولا سيما أشكال الأشخاص الأنيقة الوادعة والإيماءات المحسوبة – فقد كان له فوق ذلك كله حسّ رهيف بالجمال هو الذي طبع كل شخوصه برقّة سابغة جعلت منه أستاذاً بلا ضريب، على أنه مع ذلك تمثل كل التجديدات التقنية لمعاصريه وأحسن استغلالها في إبداعاته حتّى ليمكن القول دون انتقاص من قدره بأنّه كان فناناً انتقائي الأسلوب(43) الانتخابية أو التلفيقية أو التجميعية أو الانتقائية أو الاصطفائية Eclecticism نزعة مؤداها انتقاء الأفضل من بين المذاهب والأساليب والآراء الفلسفية أو الدينية أو الأدبية والفنية، وكذا أعمال الأساتذة، وضمها بعضها إلى بعض بعد تشكيلها تشكيلاً جديداً في إطار موحد والخروج منها بمذهب جديد، وهي نظرية شاعت في أواخر القرن 16 على يد المصور لودوفيكو كاراتشي Lodovico Carracci مؤسس أكاديمية الفن بمدينة بولونيا بإيطاليا (1585). ومثال التلفيقية مذهب مدرسة الإسكندرية خلال العصر المتأغرق، وما عرف عن المصور البندقي تنتوريتو Tintoretto من أنه اتخذ شعاراً له: “ألوان المصور تتسيانو وتصميمات ميكلانجلو”. ويؤمن أصحاب هذه النزعة أن التاريخ قد استوعب الحقائق جميعاً ولم يترك السابق للاحق شيئاً يأتي به، ومن ثم فحسب الفنان أو الفيلسوف أو الأديب التوفيق بين العناصر السابقة عليه ليخرج منها بمذهب أو اتجاه موحد. ويحمل هذا الاصطلاح في لفظه أحياناً معنى الاستهجان. [م. م. م. ث]. .

وما أكثر ما يخلط البعض بين أعمال هانز مملنك وأعمال تلاميذ مدرسته، وهو موقف بعيد عن الإنصاف، فما أكبر الفارق بين عمله المتميّز عن أعمال أتباعه. وقد بقي كمّ كبير من إنتاجه الغزير في الإطار نفسه الذي كانت تزخرف به بيئة العصور الوسطى، وهو ما أتاح لنا أن نتعرّف على فنّه وننفذ إلى أعماقه أكثر من غيره. وإذا كان النسيان قد غيّم على اسمه فترة طويلة فقد كان أحد القلائل الذين أنصفهم القرن التاسع عشر فرفعهم إلى القمة بين مصوري المرحلة الفلمنكية المبكرة، غير أن النقاد المحدثين انتقصوا من قدره وجعلوا فنّه في مرتبة تالية للمرتبة التي يشغلها ديريك بوتس وهوجو فان در خوس وجوستوس يان جنت، متهمين إياه بالإملال والرتابة والتكلّف. والحق إن مملنك كان قصير النفس لكنه كان مدركاً لحدود قدراته حقّ قدرها ويعرف عن يقين أنه لا يمتلك روح الجمع بين أطراف الموضوع في وحدة متجانسة، كما كان يتجنب تصوير العنف وينفر من كل أشكاله التعبيرية، ومع ذلك فقد تمكن من الإفصاح عن مراده وإن لم يحقق ذلك طفرة واحدة. وإذا ما تناول موضوعاً أثيراً لديه عكف على تصويره في تنوّعات شتّى لا تشكّل تقدّماً ولا نكوصاً، فمنذ بلغ تقنيته المتميّزة ظلّ أسيرها دون أن يضيف إليها تطوّراً جديداً، حتى إنه يستعصي على المرء أن يعرف أي لوحتين أقدم من الأخرى إذا كانا يمثّلان نفس الموضوع.

ومن بين أعماله الشهيرة “الزواج الصوفي للقديسة كاترين السكندرية” المحفوظة بمتحف اللوفر (لوحة 412) حيث تبدو العذراء حاملة الطفل الذي يدسّ الخاتم في أصبع القديسة كاترين التي كانت قد حلمت بأن المسيح عقد قرانه عليها لوفق الأسطورة المعروفة(63) Danse macabre: ترجع فكرة قيام ممثل أو عازف بأداء يستنهض فيه الناس على الرقص الرامز إلى الموت إلى عهد زمني ممعن في القدم. وكان الموسيقي الذي يرمز إلى الموت وهو يعزف بينما الناس من كل فئة ونوع يرقصون على أنغامه أمراً مألوفاً في الكثير من بقاع أوروبا خلال العصور الوسطى. وقد عكف المصور هولباين الأصغر على نشر مجموعة تصاوير عن رقصة الموت مطبوعة بطريقة الحفر على الخشب Woodcut في عام 1538 بمدينة بازل السويسرية لقيت نجاحاً منقطع النظير. وثمة باليهات وقصائد سيمفونية تنبني على هذا الموضوع الرهيب. وقد قامت فكرة تحريك رمز الموت في صورة حية أمام مشاهدي العروض الفنية على هدف أخلاقي سام هو حتمية لقاء الموت الذي لا مفر منه والذي يتساوى أمامه الجميع دون تفرقة بين فئة اجتماعية وأخرى. وهو ما يمكن أن يشكل نوعاً من الوازع الروحي لحث الناس على السعي نحو الخير والتحلل من شرور النفس وآثامها. على أن الكتاب والفنانين قد أفادوا من هذا الإطار ليشيعوا في أعمالهم الأدبية والفنية نوعاً من السخرية بنماذج من الشعب لا تحظى برضائهم وخاصة من القادة والحكام، وهو ما أضفى على هذه الأعمال بعداً اجتماعياً إضافياً منحها قدراً كبيراً من الثراء. [م. م. م. ث]. . وقد بدا خلف العذراء بستان من الورود والزهور تحيط به خضرة كثيفة بهيجة، والتفت حولها القديسة أنييس Agnes برفقة حملها، والقديسة شيشيليا عازفة على الأورغن، والقديسة لوسي ممسكة بالطبق الذي يحوي عيني زوجها الشهيد، والقديسة مرجريت الأنطاكية مصطحبة تنّينها. وفي أمامية الصورة وبالمجانبة تجلس القديسة برباره أمام برجها ذي النوافذ الثلاث. ويلفتنا في هذه اللوحة ثراء الألوان وبساطة التكوين المتمحور حول الشكل الرأسي للعذراء وسط الصورة ليجعل من هذه اللوحة “النموذج الأصلي” للصورة الكلاسيكية الفلمنكية خلال القرن الخامس عشر.

ولقد كان مملنك فنّاناً موهوباً غزير الإنتاج كثيراً ما يضعف أمام إغراء الكسب المادي، كما كان حريصاً على تصوير جوانب الترف الدنيوي حتى في مشاهده الدينية الشديدة الورع. ونستطيع القول إن مملنك الذي اختار منذ أولى خطواته في عالم الفن وضع شخوصه أمام خلفيات من الأشكال الزخرفية المتألقة تتيح لها نوعاً من الوضوح الجذّاب قد اتجه إلى حلول تضفي على مناظره الطبيعية استقلالها وتفرّدها، حتى باتت شتّى مشاهده نابضة باللطف والخضرة والتنسيق، فقد صاغ أشجاره في صفوف منتظمة وعمائره في نسق هندسي بديع، كما انسابت المياه في جداوله كسولة تناجي خفقات أجنحة البجع السابح فوقها. وتثير لوحات “مطاردة القديسة أورسولا(74) St. Ursula من قديسات القرن الخامس ولدت بإقليم بريتاني في شمال غربي فرنسا ابنة لملك مسيحي. وقد وهبها الله جمالاً فائقاً وذكاء بلا حدود فأخذ يتقدم إليها الخاطبون من كل حدب وصوب فكانت تردهم حتى إذا أرسل ملك إنجلترا يخطبها لابنه وولى عهده كونون Conon أبلغت سفراءه قبولها الزواج منه على أن يحقق لها شروطاً ثلاثة: أولها أن يخصها بعشر وصيفات عذراوات من النبيلات على أن يكون لكل واحدة منهن ألف جارية، كما طلبت لنفسها ألف جارية. وثانيها أن يمهلها ثلاثة أعوام تزور خلالها مزارات القديسين المسيحيين. وثالثها أن يعتنق الأمير كونون وحاشيته المسيحية لأنها لا تستطيع الزواج من وثني. وقد قدمت هذه الشروط الغريبة مؤمنة بعدم استجابة أحد لها. غير أن جمالها وذكاءها تركا أثرهما في السفراء إلى الحد الذي جعل كونون وأباه يقبلان شروطها، فاجتمع لها أحد عشر ألف عذراء تكوّن حاشيتها، وعزم كونون أن يلقاها أثناء حجها لروما. وعند وصولها إلى كولونيا كانت قبائل الهون تحاصرها فإذا أورسولا وحاشيتها تسقط في أيدي الهون الذين أعملوا في الحاشية الذبح والتقتيل حتى أتوا عليها جميعاً. وبعدها عرض قائد الهون على أورسولا أن ينقذ حياتها مقابل قبولها الزواج منه، وإذ رفضت عرضه سدد إليها ثلاثة سهام أودت بحياتها. وتمثل أورسولا في الفن أميرة متوجة رمزها السهم وقد أمسكت بعصا الحجاج التي يرفرف عليها بيرق أبيض ذو صليب أحمر، وعادة ما تبدو محاطة بحاشيتها. [م. م. م. ث]. ” في الأذهان صورة دقيقة وبارعة لمعمار البلدان التي وقعت أحداث قصتها فيها، كما تتراءى فيها جاذبية وصيفات القديسة اللاتي يفضن أنوثة وسحراً ورقّة إيماءات وحركات بشعورهن الشقراء المتنوّعة التصفيفات وثيابهن الرائعة الألوان، فنرى على سبيل المثال في لوحتي “وصول القديسة أورسولا إلى ميناء بازل وميناء كولونيا” (لوحات 413، 414) أشهر عمائر المدينتين من خلف الصواري وأشرعة السفن المصفوفة بامتداد رصيف المرسى النهري.

هانز مملنك: الزواج الصوفي للقديسة كاترين السكندرية . متحف اللوفر.

هانز مملنك: وصول القديسة أورسولا إلى ميناء بازل. متحف مملنك بمستشفى سان جان. بروج.

هانز مملنك: وصول القديسة أورسولا إلى ميناء كولونيا. متحف مملنك. بروج

جوستوس فان جنت

جوستوس فان جنت

(1435- 1475)

وقُدّر لجوستوس Justus Van Gent أن يلعب دوراً هاماً في تاريخ الفن الفلمنكي، فهو البشير الذي أرهص بفان در خوس وأسهم في تكوينه وتدريبه وكان يكبره بعدّة سنوات. تلقّى تعليمه ودراسته بمدينة أنفرس التي كانت وقتذاك في فجر رخائها ولم تكن قد نضجت بعد للاحتفاء بالموهوبين من الفنانين. فطاف بعض الوقت بالفلاندر والأراضي الواطئة واستقرّ فترة في جنت حيث التحق بنقابة المصورين عام 1464. وأيّاً يكن المكان الذي التقى فيه بديريك بوتس فلقد بقي يستوحي أعماله ويأخذ عنها، ومن الثابت أن صداقة قد ربطت بينهما إلى أن ارتحل إلى إيطاليا. وإذا لم نكن نعرف على وجه اليقين إن كان قد مرّ بروما فإنّنا نعرف بالتأكيد أنه قد اتجه إلى أوربينو عام 1473 حيث تسلّم أول قسط من ثمن لوحته الضخمة “العشاء الربّاني” التي ما تزال محفوظة بهذه المدينة. ولا شك أيضاً أنه قد مرّ بفلورنسا حيث أن أحد أعماله الجديدة ذات الأسلوب غير المعتاد في الفلاندر مستلهمة من تكوين فنّي استخدمه فرا أنجيليكو مراراً في تصاويره بدير القديس مرقص. ومن الثابت أن عمله في بلاط فردريك ده مونتفلتر قد استغرق بعض الوقت، إذ استدعاه الدوق لزخرفة قصره وعهد إليه بتصويره صورة شخصية وتزيين قاعة مكتبته ببورتريهات متخيّلة لكبار الشعراء والفلاسفة وآباء الكنيسة، وما تزال كثرة هذه البورتريهات باقية، وإن كان من العسير التمييز بين لوحات جوستوس واللوحات التي أنجزها غيره في تلك المجموعة من الصور التي توافرت عليها أيدي العديد من المصورين. ولقد قام متحف اللوفر مؤخّراً بعرض صور قاعة مكتبة دوق أوربينو، إذ يحتفظ المتحف بثمانية وعشرين من بورتريهات تلك الشخصيات اللامعة التي صوّرها، أما النصف الآخر الذي استعير من قصر باربريني بروما فقد أعيد ثانية ليظلّ معروضاً بمدينة أوربينو نفسها. وقد انتقيت من بين أعمال جوستوس لوحة “موسى يحيل مياه ينبوع مارّه المُرّ عذباً بعد أن أراه الرب شجرة طرحها في الماء(75) مارّه اسم عبري معناه مرارة وهو موضع في برية شور وإيثام على بعد ثلاثة أيام من موضع عبور بني إسرائيل البحر (سفر العدد. إصحاح 33 : 8 و 9)، وكان فيها ينبوع مرّ جعله موسى عذباً بطرحه فيه شجرة أراه الربّ إياها (سفر الخروج. إصحاح 15 : 23-25). ويظن بعضهم أن مارّة عند عين حواره في وادي الإمارة، وماء هذه العين شديد المرارة، ويظن آخرون أنها عيون موسى حيثما توجد عيون مرة وعيون حلوة. [قاموس الكتاب المقدس. بيروت مجمع الكنائس في الشرق الأدنى 1971]. ” المحفوظة بكاتدرائية سان بافون بمدينة جنت (لوحة 415).

جوستوس فان جنت: موسى يحيل مياه ينبوع مارّه المرّ عذباً. كاتدرائية سان بافون. جنت.

كونتين ماسيس

كونتين ماسيس (1465- 1530)

وُلد كونتين ماسيس (أو ميتسيس) Quentin Massys (Metsys) بمدينة لوفان لكنه استقر بمدينة أنفرس. وإذا كانت بروج وبروكسل هما العاصمتان الفنيتان في مستهل القرن الخامس عشر فإن أنفرس التي كانت مدينة ثريّة تعجّ بالنشاط مع دول الجنوب قد تحوّلت بدورها إلى مركز فنّي جاذباً المصوّرين الشبّان. وقد أمضى ماسيس حياته عازفاً عن تولّي المناصب المرموقة غير معني إلا بإرضاء عملائه من الخاصّة ومن المؤسّسات الموسرة. وكان أسلوبه عفويّاً متحرّراً ولم يكن على غرار فناني الجيل السابق يميل إلى إظهار شخوصه في وضعات الورع والخشوع الجامدة بل كان ينزع نحو تصوير الحركة والحيوية. وبهذا كان ماسيس وصلة الانتقال بين القرن الخامس عشر المستمسك بالشعائر الدينية وبين القرن السادس عشر المشغول بأمور الحياة الدنيا ملتصقاً أكثر ما يكون بشواغل الإنسان وحياته. وقد اكتشف في جمال “الطبيعة الساكنة” ما يتيح له إبراز الفروق بين الأشياء حين ينسكب عليها الضوء – وفق نهج فان إيك -، وتتجلّى براعته في تصوير الإيماءات الموشكة على الحدوث أو الانتهاء، وكذا في رسم الأشياء متراكمة إلى جوار بعضها البعض، فكان ذلك إرهاصاً بمكتشفات القرنين السادس عشر والسابع عشر من حيث بثّ الحركة والحياة النابضة في الصورة. وكان موضوع الصرّاف أو المرابي وزوجته في حانوته الذي تناوله بيتروس كريستوس من قبل هو أحد الموضوعات الفلمنكية الشائعة خلال القرن الخامس عشر، وكان في الوقت نفسه ذريعة لتصوير الطبيعة الساكنة والأدوات الجميلة التي تلتقط الضوء فيكسبها تألّقاً وسطوعاً. ولوحة “الصراف وزوجته” (لوحة 430) صورة واقعية من الحياة اليومية نرى فيها الزوجة وقد انصرفت عن مطالعة كتاب “الساعات” إلى التطلّع نحو الميزان الذي حملت إحدى كفّتيه نقوداً ذهبية يزنها الصرّاف بحرص وعناية وبين يديه اللآلئ والجواهر والحلي الذهبية. وتبلغ الصورة ذروتها في المرآة المحدّبة التي تذكّرنا بمرآة كريستوس في لوحة القديس إيليجيوس St. Eligius . (لوحة 411) ومرآة فان إيك في بورتريه أرنولفيني وعروسه (لوحة 396)، ويستدل منها على وجود شخص ثالث بالحانوت لعله المشتري، كما تعكس المنظر الخارجي من خلال النافذة. وقد نالت هذه اللوحة نجاحاً وذيوعاً في عصرها وما أكثر ما استنسخت، كما ظلّت فترة ما ضمن مقتنيات الفنان روبنز الأثيرة.

كونتين ماسيس: الصراف وزوجته. متحف اللوفر

بيتر بول روبنز

بيتر بول روبنز
(1577-1640)

في جوّ مشحون بالتوتّر صاحب بعث الكاثوليكية من جديد في أعقاب حركة الإصلاح الديني نشأ بيتر بول روبنز Peter Paul Rubens الذي ظلّ طوال حياته كاثوليكياً لا يشوب إيمانه العميق تعصّب أو ضيق أفق. وعلى نهج الطبقة الأرستقراطية المثقّفة بمدينة أنفرس اعتنق روبنز تقاليد التسامح الإنساني التي نادى بها إرازموس في الأراضي الواطئة، مؤمناً أن في الإمكان التوفيق بين مبادئ المسيحية وبين حكمة العصر الكلاسيكي القديم والإفادة من معارف اليونان وروما في خدمة الكنيسة، فبعد أن زالت عن الآلهة اليونانية هالات التقديس الأسطورية لم تعد بالنسبة للمؤمنين أكثر من رموز طريفة تؤنس الأفراد في رحلة الحياة. وعندما بلغ روبنز الثالثة عشرة من عمره عمل بضعة شهور وصيفاً بأحد قصور النبلاء حيث لقن أصول التعامل وقواعد السلوك بين هذه الأوساط وهو ما جعله في مستقبله موضع الترحيب في بلاط الملوك، غير أن رغبته العارمة في أن يكون فناناً كانت أصيلة، فما لبث الوصيف أن أصبح تلميذاً منتظماً في مرسم فنان لا يباريه أحد من زملائه في يقظة ضميره ودقّة نهجه. ومع أن مواهبه الفذة قد أفصحت عن نفسها مبكراً إلا أنه كبح جماحها بعزيمة جبّارة معاهداً نفسه على أن يلقن سرّ المهنة ويستوعب تقنيتها قبل أي شيء آخر. وكان بوسع روبنز أن يقنع بما تلقّاه عن مهنة التصوير في بلاده، لكنه كغيره من فناني شمال أوربا كان ينظر إلى إيطاليا باعتبارها الينبوع الثر للفن، وآثر أن يواصل مهمة التحصيل في موطن الحضارات الكلاسيكية القديمة التي كان يعرفها حق المعرفة فيما طالعه من مؤلفات، فغادر أنفرس في ربيع عام 1600 قاصداً إيطاليا حيث قضى سنوات ثمان من حياته يدرس النماذج الكلاسيكية وأعمال كبار مصوري عصر النهضة وينسخها كاشفاً عن براعة فائقة أكسبته شهرة واسعة في كافة أنحاء أوربا. وكانت تلك الأعوام التي قضاها في إيطاليا حاسمة بالنسبة لتطور أسلوبه الفني فقد انغمر في أعماق الحضارة الكلاسيكية التي قدر لها أن تبثه الإلهام خلال حياته، كما تمثّل أساليب الحركة الإيطالية المناهضة للإصلاح التي بلغت ذروتها بروما في عهد البابا سكستوس الخامس وخلفائه، حيث شاهد روائعها في الكنائس والأديرة وقصور الكرادلة على أيدي معاصريه من المصورين أمثال كاراتشي وجيدو ريني وكارافاجيو. وكانوا جميعاً يسعون إلى إيجاد حل للمشكلة التي كانت تشغل بال روبنز حينذاك وهي التخلّص من سمات الأسلوب المتكلّف، ومحاولة تقديم الموضوعات التقليدية وقصص الكتاب المقدس المتداولة بأسلوب يتميّز بالبساطة والتلقائية. ووقع روبنز بعد سنوات من الجهد الشاق والتجارب المتّصلة على الحلّ الذي كشف عمّا يتمتّع به من مواهب خارقة، فأثار بتصاويره الدينية عواطف الناس واستمال نفوسهم بمنحنياته المندفقة وألوانه الرفافة الموزعة خير توزيع، وأشكاله المتميزة ووضعاتها غير المألوفة في هذا النوع من التصوير، حيث تنبض صوره بغزارة وتنوع بغير حدود يملكان التعبير عن كل شيء سواء كان درامياً محزناً مثل لوحة “طعنة الحربة في جنب المسيح” (أو المسيح مصلوباً بين لصّين) (لوحة 453)، تلك اللوحة الضخمة الرائعة المحفوظة بمتحف أنفرس والمثيرة للشجن بشخوصها ذات الحجم الطبيعي التي كانت وما تزال تهزّ مشاعر من يتطلّع إليها، أو متوهّجاً مرحاً متدفّق الحيوية مثل لوحة “تقديم الملوك المجوس الهدايا للمسيح” (لوحة 454) التي فرغ منها روبنز في عام 1652 قبل وفاة زوجته الأولى إيزابيلا براندت بوقت قصير والتي يشيع كل تفصيل فيها المتعة. وأي تأمّل جاد لأحد تكوينات روبنز الفنية الضخمة يفتح أمام المرء آفاقاً فسيحة تحتشد بالعديد من البورتريهات والشخوص والانفعالات تجاذباً وتنافراً.
ولو أنعمنا النظر فيها نجدها تتميّز بسمة من سمات الطراز الباروكي الذي اعتلى روبنز قمته، وتلك السمة هي الواقعية التي تتجلى أكثر ما تتجلى إذا وضعت إلى جانب المثالية فإذا ما بينهما من تباين يجلوهما. وهو ما نشهد معه اجتماع الوجه الواقعي للشيخ المجوسي القريب من العذراء إلى جوار الوجه المثالي للغلام إلى يمينه، فضلاً عمّا تحتشد به رؤوس شيوخ المجوس من طاقة ودينامية وهم يقدمون الهدايا إلى الطفل يسوع، كما نشهد في وجه العذراء جمالاً يفيض حناناً وقدسية وعذوبة لم نعتده من قبل. وكذا يلفتنا أن الطفل يسوع بعيد كل البعد عن الطفل التقليدي الذي اعتاد أسلاف روبنز من الفنانين تصويره منذ ما ينوف عن قرن ونصف، وهو نفس الانطباع الذي نحسّ به حين نتأمّل لوحة “العائلة المقدسة” (لوحة 455) حيث يتواشج الوجه المثالي للعذراء ويسوع الطفل مع الوجه الواقعي ليوسف النجار وإليصابات والطفل يوحنا.

وتكمن قوة روبنز الخارقة في قدرته على التعبير المباشر من خلال لغة اللون ومن خلال الواقعية المطلقة المعبّرة عن شتى العواطف الإنسانية، على نحو ما نرى في لوحة “الطفل والعصفور” (لوحة 456) ولوحة “الكهولة والشباب والطفولة حول الموقد” (لوحة 457) اللتين يتجلّى فيهما المغزى المراد فلا يحتاجان معه إلى تفسير. غير أن روبنز كان فناناً متعدّد البراعات طليق الحركة لم يشأ أن يحصر فنّه في الموضوعات الدينية والتعبير عن العواطف الإنسانية فحسب، فإذا كان تتسيانو فنانه الأثير قد تفوّق إلى جانب ذلك في رسم البورتريهات والموضوعات الكلاسيكية الأسطورية، فهو ليس أقل منه موهبة أو طموحاً فنياً.
وعلى غرار لوحة تقديم المجوس الهدايا إلى المسيح كانت لوحة “شمشون ودليلة” (لوحة 458) حُبلى بثمار الرحلة إلى إيطاليا؛ إذ تكشف عضلات ظهر شمشون وذراعه المفتولة عن دراسة روبنز لأشكال ميكلانجلو التي رسمها أثناء إقامته في روما فوق سقف مصلي سيستينا، فهي نسق فريد من العضلات ابتدعه ميكلانجلو لشخوصه شغف به روبنز وأطال التأمّل فيه. كذلك يدين روبنز بوضعة “دليلة” إلى ميكلانجلو إذ تحمل تقويسة جسدها صدى تقويسة جسد ليدا في لوحته “ليدا وطائر البجع”، كما أنها شديدة القرب من جسد تمثال “الليل” في ضريح جوليانو ده مديتشي الذي حرص روبنز أيضاً على دراسته ورسمه وتسجيله. ولقد اقتبس روبنز هذه الأفكار وصاغ منها النموذج الأصيل بالغ السحر الذي أضفاه على “دليلة”. ومما يضاعف من حسية موضوع الصورة ما أسبغه عليها روبنز من ألوان سخية ولمسات فرشاة رحبة عريضة. وما من شك في أن بؤرة الصورة هي “دليلة” التي يُشعل صدرها العاري الوجدان بقدر ما يشدّ وجهها الجميل العين. وبرغم أنه قناع جمالي تقليدي إلا أن روبنز وفّق في التعبير عن المشاعر المتضاربة لامرأة لا تزهو بالانتصار الذي حققته على بطل لا يقهر بقدر ما تحنو عليه مشفقة على مصيره المفجع. ولا يكتفي روبنز بذلك بل لقد أكّد إحساسها بالشفقة بوضع يدها في رفق على ظهر شمشون، كما أضاف بياض كفّها على سمرة ظهره لمسة حسية رقيقة. وقد يتساءل المرء عن سر اختيار روبنز لهذا الموضوع الذي أودت فيه شهوانية بطل عملاق إلى الهاوية، ولعل مردّ ذلك إلى أنه يتيح أن يمارس كل ما تفرّد به من مهارة بارعة وتقنية حاذقة منذ عودته من إيطاليا، فاستعرض ذلك كله من خلال امرأة بضة فاتنة وبطل أسطوري وقاعة فسيحة تتوهّج بالأضواء.
ولم يكن فنانو القرن السابع عشر مع ذلك يملكون زمام أمورهم، فعلى الرغم من أن إنجازات عظماء أسلافهم ساهمت في رفع مستواهم الاجتماعي إلا أنهم ظلوا مجرد حرفيين يعتمدون على ما يعهد به إليهم رعاة الفن مستنيرين كانوا أم غير مستنيرين، وكان روبنز سعيد الحظ براعيه الأول فنشنزو دوق مانتوا الذي واصل تقاليد أسرة جونزاجا في رعاية الفنون بحماسة وبذخ ملحوظين. وكان الدوق قد اكتشف أثناء زيارة له لمدينة البندقية في عام 1600 تصاوير روبنز فطلب إليه العمل في قصره حيث عهد إليه بمهام تصويرية باعثة على الضجر وإن أجزل له العطاء، وأتاح له عقد صداقات اجتماعية رفيعة، وفوق كل شيء هيأ له فرصة لا مثيل لها للدراسة. وكانت مدينة مانتوا في مستهل القرن السابع عشر كنزاً فنياً يثير الغيرة والحسد، حفلت بأعمال جوليو رومانو ومانتنيا ورافائيل وتتسيانو وتنتوريتو وكوريجيو وفيرونيزي التي ما فتئ  روبنز يتأملها ويدرسها ويقضي بينها كل أوقات فراغه. على أن روبنز لم يصرف كل وقته بإيطاليا في مانتوا وحدها، فقد أذن له الدوق – الذي لم يكن يكف هو الآخر عن الترحال – لا بزيارة بقية مدن إيطاليا فحسب بل أوفده كذلك إلى إسبانيا محمّلاً بالهدايا إلى الملك فيليب الثالث وإلى دوق ليرما صفي الملك المولع بالفنون. وأتاحت رحلة إسبانيا لروبنز أن يتأمّل على مهل مجموعة صور تتسيانو التي يحتفظ بها الملك في الإسكوريال، كما فتحت له الباب على مصراعيه ليؤدّي دوراً سياسياً ودبلوماسياً بارزاً. وقد استرعى روبنز نظر دوق ليرما الذي عهد إليه برسم بورتريه له فصوره الفنان فوق صهوة جواد بالمواجهة (لوحة 459) على العكس من التقليد المتبع في رسم هذا المشهد بالمجانبة. وقد أثبتت هذه العلاقات الحميمة التي أنشأها روبنز في إسبانيا فائدتها في المستقبل حين أنيط به تمثيل حكومته في مباحثات دبلوماسية بالغة الأهمية. وكان فيليب الثاني قبل وفاته قد عهد إلى ابنته إيزابيلا وزوجها الأرشيدوق ألبرت من أسرة هابسبورج حكم أقاليم الأراضي الواطئة التابعة لإسبانيا والتي ظلت تعتمد على المساعدة الإسبانية في كفاحها ضد الأقاليم البروتستانتية المتمردة في الشمال، فلقد كانت الروابط وثيقة بين البيت الملكي الإسباني والبيت الملكي في بروكسل عاصمة الأقاليم الجنوبية من الأراضي الواطئة.
وعلى الرغم مما كان يلقاه روبنز من ترحيب وإقبال من مجتمعات الأقاليم الموالية لملك إسبانيا، إلا أنه كان يشعر أن وطنه الحق وأسرته الكبرى هي مملكة الفنون والآداب، وكانت اللغة اللاتينية ما تزال وقتذاك هي اللغة المشتركة في أوربا على الرغم من أن اللغة الإيطالية كانت بدأت تحل محلها، وكان روبنز يكتب رسائله بالإيطالية لا باللاتينية أو الإسبانية وإن لجأ أحياناً إلى الفرنسية أو لغته الفلمنكية القومية التي كان يعتز بها كل الاعتزاز. وما من شك في أن زيارته لمدينة جنوا في عام 1607 قد ذكّرته بمدينة أنفرس الأثيرة لديه، فلقد كانت جنوا بالنسبة لعالم البحر المتوسط مثل أنفرس بالنسبة لدول شمال أوربا قبل الحرب مركزاً للتجارة الدولية والاقتصاد وميناء واسع الثراء تحكمه أرستقراطية موسرة. وقام روبنز بتصوير أفراد الطبقة العليا بجنوا في الوقت نفسه الذي عكف فيه على دراسة تصميمات العمارة السكنية الفسيحة التي كانوا يخلون إليها في حياتهم المترفة، فأوحت له هذه البيوت توّاً بنماذج تصلح للمحاكاة في مدينته أنفرس. وما كاد يعود إلى بلاده في عام 1608 حتى اشترى بيتاً أجرى عليه من التعديلات ما جعله مشابهاً للبيوت الإيطالية التي أعجب بها في جنوا، ونشر في عام 1622 مجلّداً يضم تصميمات وصوراً مطبوعة بطريقة الحفر لبيوت جنوا. على أن مدينة أنفرس كانت تعاني في مطلع القرن السابع عشر من المشكلات ما هو أجدر بالالتفات من التفكير في تحويلها إلى جنوا الشمال بعد أن استقطبت مدينة أمستردام المنافسة في شمال الأراضي الواطئة معظم التجارة، كما نما اقتصاد الأقاليم الشمالية البروتستانتية المتحدة على حساب الأقاليم الجنوبية الكاثوليكية الموالية لإسبانيا والتي أخذت في التحسّن الجزئي تحت الحكم الرقيق السمح لإيزابيلا وألبرت، وطالما ظلت إسبانيا تمارس حربها الضروس ضد المقاطعات الشمالية الثائرة فقد مضى التحسن بطيئاً. وفي عام 1609 أسفر الإنهاك والاستنزاف المتبادلان عن هدنة استغرقت اثنتي عشرة سنة، ومع أن شروط الهدنة لم تساعد أنفرس كثيراً على تحسين موقفها الاقتصادي إلا أن السلام منح الأقاليم الجنوبية المتهالكة فترة التقطت فيها أنفاسها فاندمجت في قومية شديدة الاختلاف عن قومية الجمهورية الهولندية الوليدة التي غدت دولة بروتستانتية نشطة ذات حكومة أوليجاركية من التجار كما أسلفت، تعتبر الحرية والتسامح الديني من العناصر الأساسية للازدهار الاقتصادي، على حين تمسكت الولايات التابعة للتاج الإسباني في جنوب الأراضي الواطئة بالقيم التقليدية، فكانت ملكية أكثر منها جمهورية، كما كانت أرستقراطية أكثر منها بورجوازية، وقبل كل شيء كانت كاثوليكية متعصبة. وإذا سلمنا بالازدهار الاقتصادي معياراً للنجاح الاجتماعي لقلنا إن الجمهورية الهولندية قد حازت قصب السبق، أما إذا وضعنا الفنون الحضارية مقياساً كان علينا أن نعترف بتوازي الكفّتين. على أن الازدهار الثقافي في الجمهورية الهولندية، ذلك المجتمع الذي أنجب هالس ورمبرانت وفيرمير، قد حجب إلى حد ما إنجازات الجنوب الرائعة، وإذا كان ثمة فنانون يُعزى إليهم علوّ كعب أقاليم الأراضي الواطئة الإسبانية من الناحية الحضارية والفنية لأتى على رأسهم بيتر بول روبنز من غير جدال.
وما كاد روبنز يعلم في عام 1607 بنبأ تدهور صحة أمه حتى بادر بالرحيل عن إيطاليا إلى وطنه، عاقداً النية على العودة من جديد إلى إيطاليا. وكان صيته الذائع قد سبقه إلى الأراضي الواطئة، فسارع ألبرت وإيزابيلا إلى عرض منصب مصوّر البلاط عليه، وهو المنصب الذي شجّعه على الاستقرار في أنفرس. وما لبث أن تزوج من إيزابيلا براندت (لوحة 460) ابنة أحد المحامين، وبعد أن رزقا بطفلهما الأول استقرّوا في منزل زوده روبنز بمرسم فسيح، وتلت ذلك سنوات خصبة بالإنتاج الغزير، فتقاطرت عليه عقود التكليف من بلاطات الملوك ومن الكنائس والأنظمة الدينية كاليسوعيين على سبيل المثال لزخرفة كنيستهم في أنفرس، هذا إلى التكليفات المتزايدة من المعجبين به في شتى الدول حتى غدت أنفرس المركز الفني الجديد لأوربا بفضل شهرته وعبقريته الخلاقة. وتوافد على مرسمه العديد من الفنانين الواعدين، يتقدمهم المصور أنطوني فان دايك وجماعات لا حصر لها من المعجبين بفنه وجامعي التحف الذين أخذوا يترددون على منزله في تقدير وخشوع لمشاهدة الفنان العظيم مستغرقاً في نشاطه. وكان روبنز يفي بكل وعد يقطعه على نفسه، ولم يكف الأمراء وأثرياء أوربا عن التنافس والإقبال على اقتناء منجزاته التي لم يكن مغالياً في أثمانها. وإذ كان بطبعه يميل إلى المشروعات الضخمة الجريئة، لذا لم يتردّد كثيراً حين استدعته ماريا ده مديتشي(81) ماريا ده مديتشي (1573 – 1642) ابنة فرنشسكو الأول ده مديتشي دوق توسكانيا. وقد وقع عليها اختيار هنري الرابع ملك فرنسا للزواج بها كي تنجب له بعد أن طلق زوجته العاقر، لعل مهرها الباهظ الصادر عن آل مديتشي أثرياء فلورنسا ينعش الاقتصاد الفرنسي. وقد تم عقد القران في فلورنسا بالتفويض عام 1600، فأنجبت له ستة أطفال. غير أن خيانات هنري الغرامية ما لبثت أن أفسدت العلاقة الزوجية. ومع ذلك جرى تتويجها بوصفها ملكة فرنسا في 13 مايو 1610 قبل يوم واحد من اغتيال زوجها. وكان من الطبيعي أن تعين وصية على ابنها الصغير لويس 13 على الرغم من أن فريقاً من أفراد البلاط اشتم رائحة التآمر من جانبها في مصرع الملك. وكوصية على العرش سلكت سبيلاً مضاداً لسياسة زوجها، فإذا هي تصادق إسبانيا بعد أن كان هنري يعاديها، كما بددت إيرادات الدولة، وعاملت الأمراء المتمردين بقسوة متناهية. وبالرغم من أن ابنها لويس 13 كان قد بلغ السن القانونية التي تخول له مباشرة سلطاته استمرت أمه تمارس الحكم نيابة عنه، وكان مستشارها الأول ريشيليو الذي آزرته للحصول على لقب كاردينال ثم ما لبثت أن انقلبت عليه في عام 1628 حتى غدت أشد خصومه بعد أن فسرت خدماته المخلصة للويس 13 بمثابة خيانة لها ونكران لجميلها. ولم تكف عن دسائسها ومؤامراتها إلى أن نفيت إلى كومبيين، ففرت عام 1631 لاجئة إلى بروكسل في الأراضي الواطئة التابعة لإسبانيا وقتذاك، ولم تعد بعدها قط إلى فرنسا وماتت معدمة معوزة في مدينة كولونيا عام 1642. الملكة الوالدة وأرملة هنري الرابع والوصية على عرش الصبي لويس الثالث عشر إلى فرنسا لتعرض عليه أن يعد لها سلسلة من اللوحات تزين بها قصر لوكسمبور (ج) الذي أعدّ لإقامتها وكان قد أوشك على الانتهاء على نهج يواكب طراز عمارته الإيطالية الباروكية، وذلك تخليداً لذكراها ولذكرى زوجها الراحل الملك هنري الرابع. وإذ كانت ماريا ده مديتشي تفتقر إلى الموهبة الفنية فقد تطلب المشروع من روبنز قدراً كبير من اللباقة والخيال حقّق بهما مجداً فنياً ارتقى به هو دون الملكة إلى الذروة. وكانت ماريا ده مديتشي تنحدر من سلالة لورنزو مديتشي العظيم، لذا كانت تعلم حق العلم أن شهرة الملوك والأمراء بعد موتهم تتوقف على حسن اختيارهم لشعرائهم ومصوّريهم أكثر مما تتوقّف على حسن إدارتهم لشؤون الدولة. وجاءت لوحات روبنز الواحدة والعشرون الكبيرة الحجم لتخليد حياة ماريا ده مديتشي الخاملة والحافلة بالتقلبات في أسلوب رمزي خيالي أكثر من اتفاقها مع الوقائع التاريخية، غير أن المشروع الآخر الخاص بتخليد ذكرى زوجها هنري الرابع أصابه الإخفاق. وكانت ماريا ده مديتشي قد ترامت إليها شهرة روبنز على لسان شقيقتها دوقة مانتوا التي قضى الفنان في بلاطها سنوات ثمان في شبابه. والأمر الجدير بالتقدير والإعجاب هو قدرة روبنز على إطلاق العنان لحريته في الرسم دون أن يخرج على القيود التي كانت تفرضها مراسم البلاط، وهو ما أتاح له الظفر بإعجاب الملكة بأعماله التي كانت تشبع رغبته في الإبداع الفني المتميز، وذلك في أسلوب تشكيلي ضخم يتميز بانفساح رقعة تكويناته وشدة الوضوح، يغشي الجدران في تناغم بارع وإيقاع محسوب بتكوينات تتعاقب فيها الديناميكية والستاتيكية، تروي السيرة الرمزية لماريا ده مديتشي، تقريظاً وتمجيداً على لسانها، وتأكيداً لما كانت تتمتع به من سلطان مكين. ولم يحدث قط أن اختلط فن التصوير بالسياسة بمثل هذه الألفة والسلاسة، كما تذهلنا هذه السلسلة المصورة بكثرة التكوينات الرمزية الشائعة في المشاهد التاريخية، وبالمزج بين الآلهة الإغريقية والشخوص الحية المعاصرة.
وكانت الفكرة الرئيسة المسيطرة على مشروعه هي أن آلهة الوثنية القديمة قد آثرت أن تهجر موطنها الروحاني بجبل الأولمبوس كي تأوي إلى مدينة باريس الساحرة الأضواء وتستقر بها، كما تخيل أن جوبيتر كبير الآلهة وزوجته جونو قد طلبا إلى ربات القدر الثلاث قبل مولد ماريا ده مديتشي أن ينسجن لها مستقبلاً مشرقاً، فأبين إلا أن تتولى الربة منيرفا تعليمها أصول القراءة والكتابة، وأن ينفرد الإله أبوللو بتلقينها أصول الموسيقى، وأن تستقي بلاغتها وأسلوبها من الإله ميركوريوس، على ألا تبخل عليها “ربات الحسن” الثلاث بإضفاء كل ما هي جديرة به من مفاتن أنثوية، وهو ما نراه في لوحة “تثقيف ماريا ده مديتشي” (لوحة 461)، حتى إذا ارتقت ماريا قمة السمو الفكري والخلقي والجمالي أشرف الثالوث الإلهي المكون من جوبيتر وجونو ومنيرفا على مشهد الملك هنري الرابع وهو يتلقى صورة ماريا ده مديتشي (لوحة 462) حيث نرى منيرفا ربة الحرب والسلام تهمس بحكمتها في أذن الملك، بينما أضاف الفنان لمسة خيال شارد خفيفة حين رسم اثنين من ولدان الحب يلهوان بحمل درع الملك وخوذته. ولكي يؤكد الفنان أن عقد القران قد جرى في السماء صوّر في الجزء الأعلى من الصورة جوبيتر برفقة نسره وجونو برفقة طاووسها وهما يمنحان الزيجة بركتهما الإلهية.
وقد صاحب إعلان نبأ القران رسميّاً بفلورنسا إقامة احتفالات شتى متنوّعة بينها تقديم أوبرا “يوريد يكي” للموسيقي بيري وهي أولى الأوبرات في الوجود، غير أن روبنز لم ير ما يربط هذا الحدث العظيم بالقران الملكي فلم يشر إليه، مؤثراً تصوير مشهد وصول ماريا ده مديتشي إلى ميناء مرسيليا (لوحة 463، 464). فما تكاد قدماها تطآن الشاطئ حتى تنحني أمامها الشخصية المجسّدة لفرنسا مرحّبة بها، بينما تنفخ شخوص تمثل “المجد” في أبواق النصر معلنة نبأ مقدمها. ولم تقتصر البهجة على البشر وحدهم بل شاركهم آلهة البحار، فنرى الإله نبتون يصدر بنفسه أوامر إرساء السفينة التي تقل الملكة بينما يرقص أرباب البحر وحورياته وعرائسه على القاع أنغام الأمواج في مرح وفرح. وتتأود أجساد عرائس البحر وتتحوى بطاقة لا عهد للبشر بها، بل يثبن من جوف المياه تحية لملكة فرنسا المقبلة. ويتضح لنا من الإضاءة الشديدة والحركة المتموجة أن الفنان قد أولى هذا الشطر من الصورة أعظم اهتمامه، كما يؤكد المتخصصون أن عرائس البحر وحورياته من رسم روبنز شخصياً، إذ تشي أجسادهن بعشقه المفرط لشكل المرأة البضة الملداء. وإذ كان على روبنز أن يغشي مساحات رحبة من هذه اللوحات الضخمة نجده في هذه اللوحة التي يقارب حجمها أربعة أمتار في ثلاثة أمتار يلجأ بنهم وإصرار إلى الأشكال الأنثوية الكفيلة بملء اللوحة والعين معاً. وإلى جوار هذه اللوحات الثلاث أعرض أيضا لوحة “تتويج ماريا ده مديتشي” (لوحة 465) ولوحة “تهنئة ماريا ده مديتشي بمناسبة توليها الوصاية على عرش ابنها الصبي لويس الثالث عشر” (لوحة 466). وقد اضطر روبنز أمام ضخامة هذا المشروع الجريء إلى استخدام مائتي مساعد للعمل معه في مرسمه بأنفرس ابتداء من عام 1622. وكعادته في مثل هذه المشروعات كان روبنز يرسم الهيكل العام للتكوين الفني الخاص بكل لوحة، ويعهد بالأعمال التحضيرية إلى أحد المساعدين، وبالخلفية المعمارية إلى آخر، وبالمنظر الطبيعي ورسوم الحيوان إلى أخصائيين في هذه المجالات محتفظاً لفرشاته بمواقع معينة ينتقيها بنفسه. وعندما تم تعليق اللوحات بقصر لوكسمبورج نهائياً في عام 1625 وضع روبنز بنفسه اللمسات الأخيرة عليها في حضور الملكة ماريا التي فتنت بما أدّاه وسعدت بحوارها معه.
وإزاء الضغط المتزايد على روبنز زاد اعتماده على معاونيه، ومع ذلك بقي مسيطراً على التكوينات الفنية بعبقريته الملهمة وعقله المدبّر. وكان روبنز شغوفاً بكل ما يتصل بالحضارة بصلة، فنجده في رسائله إلى أصدقائه من أصحاب المذهب الإنساني ينتقل في يسر وسهولة من مناقشة الأحداث الجارية إلى تفاصيل آخر الإنجازات التي يضطلع بها، ثم إلى وصف مسهب لرصيعة رومانية تم العثور عليها مؤخّراً، معلّقاً على كل موضوع بذكاء ودراية وروح تفيض إنسانية وتسامحاً. وإلى جوار هذا كان يستمتع بحياة أسرية حانية إلا أن وفاة زوجته إيزابيلا في عام 1626 قطعت عليه سكينته التي ما لبث أن استعادها خلال العقد الأخير من حياته عندما اقترن بهيلينا فورمان الفاتنة (لوحة 467) التي كانت تصغره بسبعة وثلاثين عاماً والتي أنجبت له خمسة أطفال في عشر سنين، ومع اعتزازه بذاته وبفنه فقد عاش جم التواضع حتى آخر أيامه. ولقد أضرمت الأعوام الثمانية التي قضاها روبنز في إيطاليا شهيته نحو تطوير عنصر الضوء حتى غدا أصدق تعبير عن هوسه الباروكي، ثم إذا هو يحقن لوحاته بأعاصير الشبق الحسي الذي جاوز به الحدود التي بلغها تتسيانو أحد أساطين المصورين الذين اتخذهم روبنز قدوة له. وما من شك في أن زواجه وهو في سن الثالثة والخمسين من الصبية الملداء هيلينا فورمان قد أشعل هذا الشبق الحسي إلى أقصى مداه. وكانت لوحة “معطف الفراء القصير” Het Pelsken (لوحة 468) هي الوحيدة من بين صور هيلينا فورمان العارية التي أبقت عليها ولم تعدمها بعد وفاة زوجها. واللوحة لامرأة عارية بالحجم الطبيعي، تكرس بوضوح غريزة العطش الجنسي والارتواء الجسدي، واقفة بخيلاء فوق سجادة حمراء أمام خلفية داكنة. ويلفتنا التفاف ذراعيها حول جسدها البض محاولة الحؤول بين الفراء الأسود الذي يكاد لا يستر شيئاً من مرمرية الجسد وبين أن ينداح وكأنها خارجة من الحمام توّاً، الأمر الذي يؤكد مجازية تسمية هذه اللوحة أحياناً باسم “أفروديتي”. ولقد تحرّرت هذه اللوحة تماماً من كافة ضوابط الجمال الكلاسيكي، فضلاً عن أن طغيان لون البشرة المرمري الذي يؤجّجه السواد والحمرة المحيطان به يجرّد التكوين الفني من أيّة صبغة كلاسيكية، كما يوحي باطراح الحياء.
وكانت الهدنة بين إسبانيا والأقاليم الهولندية المتحدة قد انتهت في عام 1621 وعادت الحرب إلى الأراضي الواطئة الإسبانية، وبمرور الوقت صارت جزءاً من صراع أوسع وأشدّ عنفاً بين البروتستانت والكاثوليك هو حرب الثلاثين سنة. وكان البؤس والخراب الناجمان عن الحرب مصدر قلق شديد لروبنز وهو رجل سلام بطبعه يود لو يعيش العالم كله في سلام “العصر الذهبي” لا نزاع “عصر الحديد”، ولكنه عاش عصر الحديد كارهاً وعلى مضض، فلم يكن بوسعه تجنّب الأهوال التي جرّتها الحرب الضروس. وفي عام 1620 حاولت الأرشيدوقة إيزابيلا وأمبروزيو دي سبينولا القائد الجنوي لجيوش إسبانيا في الأراضي المنخفضة كل ما بوسعهما لتخليص المقاطعات الجنوبية من حرب عوان كانت تهددها بالفناء. وإذ كانت الحكومة في بروكسل موصولة بمدريد المتورطة إلى أذنيها في هذا الصراع الدولي فلم تكن أمامها فرصة كبيرة للمناورة المستقلة، ولم تجد أمامها غير جس النبض من خلال الجهود الدبلوماسية مؤملة في توطيد دعائم السلام إذا ما حققت بعض التقارب بين إسبانيا وإنجلترا. وكانت الأرشيدوقة في مسيس الحاجة إلى وسيط يظفر بثقتها التامة ولا تثير تحركاته الشك لإجراء تلك المساعي الدبلوماسية البالغة الدقة.
ولم يكن أمامها من تفتح له القصور في أنحاء أوروبا أبوابها مرحبة غير روبنز الذي يمكنه ممارسة حنكته الدبلوماسية الهادئة تحت ستار نشاطه الفني المشروع، فيبذل مساعيه الحميدة لإطفاء حرائق الحروب وإخماد ألسنة النيران، منشئاً بدلاً منها حدائق السلام غارساً أشجار الزيتون ليتناجى في ظلالها هديل الحمام الوادع. وما أحرانا ونحن نتناول هذه المرحلة من حياته أن نشير إلى أنه لم يكن فناناً مبدعاً يحلق في آفاق الخيال فحسب بل كان فضلاً عن ذلك شخصية واقعية متعددة المواهب والقدرات، فكما كان رجل القلب الكبير كان أيضاًرجل العقل الكبير. ومن ثم شرع روبنز بالترحال من جديد، فالتقى في باريس في عام 1625 براعي الفنون الدوق باكنجهام الأثير لدى ملك إنجلترا تشارلس الأول، وفي عام 1626 تفاوض مع مبعوث الدوق الذي كان يتوق إلى شراء مجموعته من التحف الرومانية. وفي عام 1627 أثناء زيارة له لهولندا جمع بين الفن والدبلوماسية والتقى بالسفير الإنجليزي في لاهاي. وما لبث أن استُدعي إلى إسبانيا كي يعرض ما توصل إليه من نتائج، وكان قد انقضى ربع قرن منذ زيارته الأخيرة لإسبانيا فوجد الكثير مما يعرفه قد لحقه التغيير، فاحتل دوق أوليفاريس العنيف عند الملك الجديد فيليب الرابع المكانة نفسها التي كان يحتلها دوق ليرما الرقيق عند الملك فيليب الثالث. وامتدت المباحثات بين روبنز ودوق أوليفاريس مما أتاح له أن يصور الملك والأسرة المالكة، وأن ينشئ صداقة وثيقة العرى مع دييجو فيلاسكيز مصور البلاط الجديد، وتطوع بأن يبسط أمامه في مرحلة حاسمة من حياته الفنية أحدث التطورات التي بلغها التصوير الأوربي، كما قام باستنساخ كل لوحات تتسيانو التي كان يحتفظ بها فيليب الرابع، وكانت النتيجة مزيداً من التحرر بأكثر مما شهدته لوحاته المبكرة. وبعد أن قضى روبنز ثمانية شهور في إسبانيا عاد إلى بروكسل عن طريق فرنسا ليشهد من جديد لوحاته التي رسمها لماريا ده مديتشي وقد استقرت نهائياً بقصر لوكسمبورج. وفي عام 1629 ارتحل في مهمة دبلوماسية إلى بلاط الملك تشارلس الأول الذي اكتشف فيه روبنز حسّاً جمالياً رفيعاً مرهفاً. وبلباقته وسلوكه ودرايته الواسعة بالفنون استحوذ روبنز على تقدير الجميع، فعاد بشهادة دكتوراه فخرية من جامعة كمبردج كما نال أعلى الأوسمة، وظفر بتكليف فني ينطوي على تحد شديد لقدراته، وهو زخرفة سقف قصر الحفلات العظيم الذي شاده المعماري إنيجو جونز في هوايت هول بسلسلة من اللوحات تتناول موضوعاً لا يقل صعوبة وإثارة للحيرة عن موضوع تخليد حياة ماريا ده مديتشي، وهو تخليد عهد الملك جيمس الأول الراحل. ولا نزاع في أن الإلمام بجهود روبنز كدبلوماسي وكرجل بلاط هو ضرورة لإدراك الروح التي أملت عليه رسم لوحته الرمزية “السلم والحرب” (لوحة 469)، حيث نرى رمز “السلام” في الوسط تعصر ثديها طلباً لغذاء الطفل الرضيع بلوتوس Pluto إله الثروة، بينما تحميها منيرفا (أثينه) إلهة الحكمة من بطش مارس إله الحرب الذي يرتدي شكة قتال مدرعة سوداء وتقوم على خدمته إحدى ربات الانتقام. ونشهد كيوبيد إله الحب وهايمن Hymen إله الزواج يحمل شعلة مضيئة وهما يقودان صبيتين نحو قرن الوفرة والرخاء. وثمة فهد مروض وساتير وراقصة تقرع الدف وامرأة تحمل كنزاً يمثّل مباهج السلام، كما نشهد ملاك حب يحمل إكليلا من غصن الزيتون وصولجاناً رمزين للسلام يحوم فوق المرأة رمز السلام. وقد أهدى روبنز هذه اللوحة إلى تشارلس الأول ملك إنجلترا في عام 1630 ربما احتفاء بنجاح مهمته الدبلوماسية في إنجلترا.
والثابت الأكيد أن السلام الذي استتب عام 1630 بين إنجلترا وإسبانيا مردّه إلى الكفاءة الدبلوماسية التي مارسها روبنز في مفاوضاته التي كانت خاتمة مساعيه السياسية. وفي عام 1633 ماتت الأرشيدوقة إيزابيلا، ولم يعد خليفتها الطفل في حاجة إلى خدمات روبنز الذي كان قد ضاق ذرعاً بمكائد البلاط وآثر دفء الحياة الأسرية في حضن الريف الأخضر، ومن ثم اشترى أحد القصور Chateau de steen هروباً من صخب مدينة أنفرس، وفي عزلته الوادعة قضى الساعات الطوال في اكتشاف جمال المناظر الطبيعية الفلمنكية وتصويرها. وعلى الرغم من إصابة يده اليمنى بالتهاب المفاصل بقيت قدراته الخلاقة وإبداعاته المتعددة الجوانب سليمة إلى آخر أيام حياته حتى قضى نحبه في 30 مايو عام 1640 بعد أن هيمن بزخمه الفني على مدى جيل كامل على الحياة الفنية في أوربا بأسرها. وكان في عمله مثلما كان في مسلكه يدرك الحدود الفاصلة بين المتناقضات أو الأضداد، فكان مسيحياً استجاب بكل كيانه لحضارة العالم الوثني القديم، وكان كاثوليكياً فتح له البروتستانتيون قلوبهم، وكان بورجوازياً صادق الملوك والأمراء، وكان أوربياً شمالياً استوعب حضارة البحر المتوسط وتمثلها، وكانت حيويته الفيّاضة المتدفّقة لا يباريها غير صفاء ذهنه. ولقد أبدع روبنز في حياته لوحات يزخر بها عصر الباروك لما انطوت عليه من طاقات تموج بالطموح الفائق الذي لا يعصمه غير موهبة فنان مقتدر. واستطاعت عناصر لوحاته المترابطة الأجزاء والتي تتغنّى جميعاً بنشيد تمجيد الحياة أن تنقل إلينا بنبضها الدافق تلك القوى المصطخبة المتفجّرة التي يخضع لها كل شيء، تتدفّق بلا انقطاع في اندفاع جارف عام للفرشاة على سطح اللوحة وكأنها تركض وتقفز في كافة أنحائها في وقت واحد. فلقد كان اللون قبل خادماً للواقعية يحدد هوية الأشكال المصورة، شأنه شأن الضوء الدال في الصورة، ثم ما لبث اللون أن غدا عنصر التصوير الأكثر استقلالاً عن الواقعية، فعلى حين أن الشكل والكتلة قابلان للقياس ويمكن التعبير عنهما بأبعاد ونسب محددة، فإن اللون عصي على التقييم بوصفه لوناً إلا من خلال الحس، اللهم إلا إذا كان محدوداً ضمن حدود خطّية جليّة.
وتكشف لنا تصاوير روبنز عن عالمه المرئي في وضوح وقوة، ذلك أنها تحتشد بادئ ذي بدء باللون الأحمر القاني المسيطر الموحي على الفور بالدماء الدفاقة مثلما رأينا في لوحة شمشون ودليلة (لوحة 472) وبالأجساد المتناكبة والحيوية النابضة فضلاً عن تلك التموّجات المدوّمة الشبيهة بالسيل العاتي، والتكوينات الفنية القائمة على الخطوط المفعمة بالطاقة تبث إيقاعها الصاخب في الفراغ المصور. ثم هناك الموضوع المصور ذاته من إنسان ونبات وحيوان، تنبض جميعاً بقوى طاغية من أجساد نسائية شبقة ينبثق عنها كل ما يحرّك الرغبة، وأجساد ذكور مفتولة العضلات. فكل شيء في صوره تغمره الحيوية، وكل شيء يستجيب لشهوات الحياة العارمة ويزدري كل ما هو غير واقعي في الحياة، على نحو ما نرى في لوحة “سوسنة وشيخا السوء33) قصة سوسنة أو شوشنة جاءت في أحد الأسفار المنحولة في العهد القديم. ويقال إنها بينما كانت عارية في حمامها وقع عليها نظر شيخين حاولا استدراجها للمضاجعة فأبت، ومن ثم ادعيا زوراً أنهما قد رأياها ترتكب الزنا مع أحد الشبان في البستان فصدر الحكم بإعدامها. غير أن النبي دانيال كشف عن براءتها حين استجوب الشيخين كل واحد على حدة عن نوع الشجر الذي جرت جريمة الزنا في ظلاله، وإذ اختلفت رواية كل منهما اتضحت براءة سوسنة [م. م. م. ث]. ” (لوحة 470) ولوحة “أنجيليكيا والناسك” (لوحة 471) المحفوظة بمتحف تاريخ الفنون بفيينا، والتي اقتبس اسمها عن رواية “رولان غاضباً” Roland Furieux لأريوستي. فقد كان ثمة ناسك معروف بأنه زير نساء رغب في أن يقع على أنجيليكا فأصابها الذعر حتى أغمي عليها، ولم ينل منها مراده، وجرت العادة على تصوير الناسك وهو يحاول أن ينزع عن الفتاة رداءها. وكان روبنز قد كتب مقالاً عن “محاكاة التماثيل الكلاسيكية” أشار فيه على المصورين أن ينهجوا نهج المثّالين، فيشكلون اللحم الحي بديلاً عن الحجر. وفي الحق إنه ليس مثل روبنز باستثناء تتسيانو ثم رينوار فيما بعد من مجّد جسد المرأة بمثل هذه الحسية المتفرّدة.
وإذا كان برويجل قد أوحى بفكرة “السرعة” كما رأينا في لوحته “السفينة الغارقة” (لوحة 436) مستوحياً ميكلانجلو وتنتوريتو رائدي تصوير الباروك الإيطالي، فقد مضى روبنز إلى أبعد مما ذهب إليه برويجل فأدخل “الحركة” على عناصر التكوين الفني ذاتها. وحتى عصر روبنز لم تكن الخطوط سوى تعبير عن حد دائري يحاول إضفاء الجمال على النموذج المصور، وإذا روبنز لا يحتفظ إلا بالإيقاعات المتموّجة للخطوط التي تسجّل حركات النماذج المصورة وإيماءاتها، وكانت الألوان وسيطاً أكثر ملاءمة لتسجيل مثل هذه الحركة من الخط وحده. وفي هذا المجال أيضاً لعب برويجل دور الريادة بينما جعل روبنز من حركة الفرشاة سجلّاً للعمل الفني الخلّاق وشهادة تصويرية لقوة هذا الخلق وما يتضمنه من عناصر وجدانية. كذلك أصبح تكوين الصورة هو الآخر حركياً، فبعد أن كان في الماضي بناء مكوّناً من خطوط ولا يعتمد إلا على الخطوط فحسب، ما لبثت الخطوط أن اكتسحت التكوين بحركتها فغدت خطوطاً مشحونة بالطاقة، ناجمة عن قوى متعددة تندفع عبر اللوحة كتيارات المحيط حتى نكاد نتخيل إمكان قياس قوة اندفاعها وتتبع سرعتها. وفي الحق إن الصورة لا يتحرك فيها شيء، ولكنها العين هي التي تتطلع إليها محملقة في سلسلة من الحركات يتراقص البصر معها تنقّلاً وتجوالاً، وما يلبث الخيال الذي يستثار في أعقاب الرؤية أن يلهث مبهوراً وهو أسير قوى كامنة في الصورة، جيّاشة نابضة بالحياة.
وفي لوحة “عواقب الحروب أو رمز الحرب” (لوحة 472، 473) التي اعترف روبنز بأنه استوحى موضوعها من مطالعاته لفرجيل ولوكريشيوس، نرى مارس إله الحرب مغادراً معبد يانوس(82) Janus أحد آلهة إيطاليا القدماء وحارس الأبواب والنوافذ ورب البدء، مثل الشهر الذي تبدأ به السنة وهو يناير المشتق من اسمه Januarius، وكذا بدء الشهر وبدء الساعة وبدء الخلق. ويروي فرجيل أنه كان ملك لاتيوم الذي شيد قلعة جانيكولي فوق التل المعروف باسمه في روما. ويمثل دائماً ذا وجهين، كان أحدهما أولاً ملتحياً والآخر حليقاً رمزاً للشمس والقمر، ثم أصبح فيما بعد هذان الوجهان ملتحيين، وفي يمينه مفتاح وحين سكّت النقود صوّرته بوجهين مستديرين. [م. م. م. ث]. مهدّداً بالويل والثبور، تستحثّه ألكتو Alecto البشعة الوجه ربّة النقمة والغضب على شن الحرب وخوض القتال، في حين تحاول فينوس العارية بمعاونة أحد ولدان الحب ثني عزيمته دون جدوى. ومن وراء فينوس امرأة تجسد أوربا الشقية بحروبها. وإلى يمين ألكتو وحشان يجسد أحدهما الطاعون والآخر المجاعة. ومن ورائها على الأرض ثلاثة شخوص أحدها امرأة تحمل عوداً محطّماً تمثّل الوفاق، وثانيها امرأة مذعورة تحمل طفلاً باكياً تجسّد الأمومة والخصوبة، وثالثها معماري يحمل فرجاراً يرمز إلى التعمير بعد الدمار. وهي من غير شك صورة رمزية أتاحت لروبنز الفرصة كي يستعرض ملكاته لإبداع أحد روائعه في المرحلة الأخيرة من حياته.
ونحن نستطيع إدراك كنه الحركة من خلال رقّة لمسات الفرشاة أو عنفها. فهناك بعض التصاوير تفتقر إلى الحركة كأنها سطح بركة ساكنة ينعكس عليها الضوء ولا يعكر صفوها شيء، وهناك صور أخرى تضفي لمسات الفرشاة عليها رقة تنهدة يئن بها الصدر، وثمة نوع ثالث من الصور تبدو اللوحات فيه كأنّها تتفجّر بما تضمّه مثلما ترتج الأرض بالزلازل، وثمّة نوع رابع من التصاوير تغلي وتفور بما يصطخب في أعماقها من دوامات وتيارات مصطرعة. والمعروف أنه لا يمكن الفصل بين سرعة انطباع الصورة وبين الإيقاع الكامن فيها، فلقد كان هالس وروبنز من أسرع المصورين في تسجيل انطباعهم، إلا أن هالس تميز بالاندفاع والحركة المباغتة على حين كان روبنز كالموجة تغمر كل ما يصادفها، فلكل مصوّر حركاته التي يتميّز بها عن غيره فتتنقل إلى عيون النظارة متعة من الكمال الفني تبدو وكأنها خلت من أي جهد مفتعل شاق. فالفن الرفيع يوحي ويشي ويهمس ويسر ويسري ويوشوش منسرباً إلى أعماق الوجدان في عفوية ويسر، وهو حال من الوجد الصوفي تتناغم فيها العذوبة والعذاب. وقد يكون البناء العام للتكوين الفني متحرّكاً “ديناميكياً” أو ثابتاً “استاتيكيا”، وليس من المحتم أن تكون خطوط البناء العام هي نفس الخطوط التي تحدد الشكل، بل قد تكون الخطوط التي تحدد اتجاه القوى التي يوحي بها الحدث المصور هي التي تحدد الشكل. وهذه اللوحة مثال للتكوين الحركي المجتاح الذي يبدأ من يسار اللوحة بحركة فينوس وهي تحاول إيقاف مارس دون أن يلتفت إلى توسّلاتها، فتجد نفسها مندفعة في إثره.
ولا يكتفي روبنز بهذا فيروح يؤكّد هذه الحركة الجانبية بحركة أخرى رأسية لتنتقل محاور الشخوص في اللوحة من الرأسية إلى الأفقية، فإذا الحركة – التي تشكل قاعدة العمود في الركن الأسفل الأيسر مركزها – تأخذ شكل المروحة بينا تنبسط، ويبدأ الانتقال من الاتجاه العمودي بالمرأة التي تجسّد أوربا وهي ترفع ذراعيها يأساً. ويزداد هذا الاتجاه وضوحاً في فينوس وفي مارس الذي يتخلّص منها مبتعداً، وتشكّل ذراعه التي يرفع بها درعه الخط المائل، على حين تشطر ألكتو زاوية اللوحة. وتكاد سحب الدخان ومجموعة الأمهات المذعورات التي تنتهي بالمعماري المنبطح في الركن الأيمن الأدنى تتخذ اتجاهاً أفقياً. وعلى حين تختتم الحركة الأولى باندفاعة إلى أعلى تختتم الحركة الثانية بالسقوط إلى أسفل موحية بالموت.
وإذ كان الخط المنحني هو أقرب الخطوط إلى تجسيد الحياة فقد استعذب روبنز الخطوط المنحنية فجعلها محور تكويناته، غير أنه حرص على ألا تكون منحنياته جامدة مغلقة الاستدارة حتى لا يتسرب إلى المشاهد ملل الدوائر المغلقة الموحية بالثبات وبالحركة المقنّعة، فإذا هو يرسم منحنياته فسيحة حلزونية غير منتظمة لتوحي على الدوام بأنها أشكال آخذة في الاتساع والدينامية، مثال ذلك لوحة “العذراء وطفلها بين صغار الملائكة” بمتحف اللوفر (لوحة 474) حيث نكتشف أن يدي العذراء هما نقطة انطلاق لمنحنى لا يكفّ عن الاتساع، ينطلق خلال جسد يسوع الطفل، ثم يستمر عبر الملائكة الصغيرة اللاتي يرفعن التاج فوق رأس العذراء، ليستعيد انطلاقته من جديد عندما يدور حول مجموعات الأطفال المتحلقة إلى أن يفلت من حدود اللوحة عبر فراغ الركن الأعلى الأيسر. ويقال إن روبنز قد استوحى موضوع هذه اللوحة من الأسطورة اليونانية القائلة إن طريق المجرة قد تشكل في الفضاء من قطرة اللبن الإلهي المنبثقة من ثدي الربة هيرا زوجة زيوس كبير الآلهة.
كذلك تكشف لوحة معركة الأمازونات (لوحة 475) عن منحنيات وأقواس متحلّقة تدور في حركات سريعة متعاقبة حول محاورها متماوجة فوق سطح اللوحة. ويبدو أن الفنان قد قصد أن يذكّرنا بالشكل الهندسي الثابت حين تعمّد رسم قوس الجسر، ليجعل في مقابله حركة الخيل المنقضّة. وتكمن المفارقة في أن اندفاعها للأمام يتجلى من خلال وضع الثبات المتكرر الذي اتخذته الجياد أثناء انتصابها على قوائمها الخلفية تمهيداً لكبوة الجواد الذي سقط راكبه في أقصى اليمين بعد أن استنفذت موجة الحركة جميع قواها. ويكاد الموضوع المصوّر برمّته يزحف في أعقاب هذه الحركات المنحنية المقوّسة التي تتأبى على استكمال شكل الدائرة. كذلك كان روبنز يلجأ إلى التوزيعات الفنية المائلة حين يقصد الإيحاء بعدم الاستقرار، حتى أننا نراها في لوحة “رفع الصليب” (لوحة 476) تؤازر الجهد العضلي الشاق الذي تبذله الشخوص في رفع الصليب وفوقه المسيح.
ويعرف الفنان حق المعرفة أن العناصر التي يختزنها في ذاكرته وتلك التي يستعيرها من الطبيعة وأدوات إنجاز عمله الفني تتيح له حين تجتمع كلها في لوحة مصورة أن ينقل إلى غيره الأحاسيس التي يبغي تحريكها في نفوسهم. غير أننا على حين نجد فناناً مثل “بوسان” يضع مسبقاً تنظيماً دقيقاً محدّداً يهزّ به أعماق المشاهد، يكتمل مثل هذا التنسيق تلقائياً دون وعي عند روبنز.
وهنا وهناك ترتسم معالم شخصية الفنان، فعلى حين يحرص بوسان على التعبير عن عواطف بذاتها تجيش بين جوانحه ويصبو إلى نقلها إلى لوحاته، يبسط روبنز كيانه كله على لوحاته. وهكذا تلتقي التلقائية والوعي في الإبداع الفني، غير أن كلاً منهما يسهم بنصيب يختلف باختلاف الفنان، على نحو ما نرى في لوحتيهما “اختطاف السابينات” (لوحة229) و(لوحة 477) على سبيل المثال. فيكشف لنا الفحص الدقيق للوحات روبنز عن وحدة خفية وتناسق سحري آسر لكأن عالمه يخضع لقوانين مكنونة صارمة يصعب تحديدها ويتعذر علينا اكتشافها. فثمة نهج خاص به ينسق الأشكال والكائنات ويحدد الزمان والأعمار والفصول والمواسم لا نملك إلا أن ندعوه نهج روبنز، يغدق علينا فيضاً لا ينضب من كنوز الطبيعة الوفيرة وعطاياها الثرة. وعلى حين تلفتنا غزارة الثمار في لوحات روبنز فإننا نلحظ ندرة ما تضمّه من زهور، إذ يبدو أن أريج الزهور لم يكن يشدّ هذا الفنان الذي كان يفضّل رسم الثمار الناضجة يشكّلها في عناقيد وأكاليل تزخر بها لوحاته، كما أنه عادة ما يكون ضوء روبنز هو ضوء الظهيرة في رائعة النهار، وموسمه هو الصيف حين تبلغ ثماره النضج توطئة لجنيها في الخريف.

وكان روبنز يستعير عناصر تكوينه الفني من الحياة سواء تناول موضوعاً دينياً أو دنيوياً، مجنّباً تصاويره كل ما يباعد بين الصلات، مؤثراً أن تتوحّد الأشكال كلها في قوّة محرّكة واحدة شبيهة بتلك القوة التي تدفع أمواج السيل إلى التعانق والتعاقب كل منها إثر الأخرى، حتى لتملك لوحاته المترابطة الأجزاء أن تنقل إلينا تيار الحياة الدافق، على نحو ما نرى في لوحة “ربات الحسن يحطن بربة الطبيعة” (لوحة 478)، وفي لوحة “عيد فينوس” (لوحة 479) التي كانت زوجته هيلينا فورمان فيها مصدر وحيه، وكانت هي نفسها النموذج الذي احتذاه الفنان حين رسم الحورية في أقصى اليسار، فنرى ولدان الحب يتسلقون الأشجار ويتدلون منها ويتواثبون في كل مكان خلال هذا الاحتفال الماجن، كما تتبدى أيدي الحوريات والساتير وهم يرقصون في أقصى يسار الحديقة اثنين اثنين رقصة عارمة محمومة، ينصهرون ويذوبون معها دفئاً ونعومة ومجوناً نكاد ندركها لمساً.
ويصافحنا الثراء الباروكي الطليق مرّة أخرى حين نتأمّل إلى لوحاته في أخريات أيامه وهي “حديقة الحق” (لوحة 480) التي تقع أحداثها في حديقة قصره بأنفرس، الذي ما يزال مدخله المزين بالزخارف المعمارية قائماً حتى اليوم. ويتجلّى موضوع الحفل الماجن في خط مائل يبدأ من ملاك الحب الريان في أدنى يسار اللوحة، كما نرى روبنز نفسه يدعو زوجته هيلينا فورمان – التي ظهرت في العديد من لوحاته اللاحقة – للانضمام إلى الضيوف في حديقة الحب. وتكشف بقية اللوحة عن سلسلة من الحلزونيات الصاعدة والهابطة صوب فينوس التي تشرف على الحفل من فوق النافورة. ولكي يضفي الفنان الحيوية على المشهد ويجسّد البناء التصويري غمر مساحات واسعة من اللوحة بألوان أصلية ساخنة منها الأحمر والأزرق والأصفر. وإذا كان روبنز قد جمع في هذه اللوحة بين ألوان تتسيانو الفياضة والتوتر الدرامي لتنتوريتو، فقد أضاف إليهما طاقة بلا حدود ونبضاً تفرّد روبنز وحده بإبرازه هو نبض الحياة الحقيقية الذي يفيض في شرايين كل فن جيّاش رفيع.
ومن بين مشاهد المجون والعربدة التي ولع روبنز برسمها مشهد سيلينوس العجوز راعي الإله باكخوس نشوان ثملاً خلال حفل الباكخانال، وقد احدودب ظهره حتى كاد يسقط فاتكأ على اثنين من الساتير والحوريات يشاغبنه فيطاردهن، ويهربن منه ثم يعدن يعاكسنه، وحين يسقط فوق الأرض تهلّل جوقة الساتير والحوريات من حوله: قم: انهض يا أبانا سيلينوس(83) انظر أوفيد. فن الهوى. ترجمة كاتب هذه السطور. الهيئة المصرية العامة للكتاب. الطبعة الثالثة 1992. . ولا تخلو اللوحة من بعض لفتات روبنز المميزة وسماته من أجساد عارية ومختلف أنواع الثمار والفاكهة، كما نلمح في أقصى يمين الصورة وجه زوجته الأولى إيزابيلا براندت (لوحة 481).
وفي لوحة أرتميس (ديانا) نشهد ربّة الصيد العذراء وربّة الخصوبة والحياة والإنجاب تتجول في الغابات والسهول والتلال تحمي الحيوان وترعى الصيادين وتحنو على النبات والحيوان، وتحتشد اللوحة كعادة روبنز بالطير والحيوان والثمار دون الزهور (لوحة 482). وفي لوحة “التحكيم” نشهد باريس يقضي بالتفاحة الذهبية جائزة الجمال لفينوس اعترافاً بتفوّق جمالها على جمال جونو ومنيرفا (لوحة 483). وفي لوحة “اختطاف بنات لوكيبوس” نشهد انقضاض اثنين من أنصاف الآلهة هما كاستور وبوللوكس على امرأتين في تكوين باروكي مدوّم واستعراض سخي للبضاضة الأنثوية. ويلفتنا أن الأجساد العارية التي تغطي أكبر مساحة من الصورة والتي تتبدى فيها ثنياتها وغمّازاتها بكل وضوح تكاد تكون هي مصدر الضوء في اللوحة حتى لكأنها نسيج من الديباج (لوحة 484).
وفي لوحة “أركان الدنيا الأربعة” (لوحة 485) تخيّل روبنز لقاء بين شخوص تجسّد قارات أوربا وأفريقيا وأمريكا وآسيا في صحبة شريكات حياتهم وكأنهم جميعاً في رحلة خلوية، وبينما يسترخي الكبار يلهو الأطفال مع تمساح مستأنس. ومع ذلك تكشف هذه الصورة الرمزية الخيالية عن عين روبنز الدائبة السعي وراء التفاصيل الواقعية، فقد كان معنياً على الدوام بتسجيل التباينات اللمسية اللافتة للنظر كتلك التي تتجلى لنا بين نعومة جسد الطفل وخشونة جلد التمساح. ومع أن روبنز قد نقل في الغالب صورة التمساح من أحد الكتب المصورة أو الصور المطبوعة بطريقة الحفر على الحجر فالراجح أنه رسم النمرة وأشبالها نقلاً عن الطبيعة، فلقد حرص دائماً على رسم عجالات للحيوانات التي يحتفظ بها أصدقاؤه الأرستقراطيون في حظائرهم.
كذلك تميّزت تصاوير روبنز بالمسحة الحماسية الملحمية التي تميّزت بها تصاوير ميكلانجلو وإن خلت من انطوائية روحه وافتقرت إلى حسّه بالتزام الحدود. وعلى حين يذكّرنا تنسيقه لعناصر تصاويره في الفراغ وإطلاقه العنان لحرية الحركة بإلجريكو فإن شخوصه تتميز بالقوة والضخامة على عكس شخوص إلجريكو النحيلة ذات الاستطالة المسرفة. وما من شك في أن نجاح روبنز في تصوير الموضوعات الدينية والمشاهد الإنسانية والمناظر الطبيعية فضلاً عن الموضوعات الميثولوجية و”الباكخانالية” التي كانت تلقى هوى من نفسه تكشف عن قدراته التصويرية الغزيرة، فيندر أن نظفر بفنان يبزّه في تنوّع ابتكاراته واتقاد خياله وقدرته المذهلة الخارقة على تحقيق المنجزات العظمى. وليس ثمة فنان عظيم أعطى هذا القدر من الاهتمام لدراسة أعمال أسلافه مثلما فعل روبنز، وكانت النماذج التي أخذ عنها عُراته هي نماذج العصر الكلاسيكي وميكلانجلو وماركو أنطونيو، كما حاكى تتسيانو في ألوانه دون أن يحاكيه في أشكاله، ومنهم جميعاً تعلّم القواعد الصارمة التي ينبغي خضوع تصوير الجسد العاري لها فضمن لأعماله الخلود. لقد ظل يحاكي الأشكال الكلاسيكية وروائع أسلافه إلى أن استقر في النهاية على مثل أعلى للكمال الجسدي أخذ يخضع له ما يصوره من عناصر الطبيعة.
ففي لقائنا مع روبنز نجد أنفسنا في حضرة أستاذ لا يبارى في تصوير “فينوس الدنيوية” التي تفور فيها الحيوية ويتدفّق الحماس وتتجلّى دقّة التنفيذ. وإذا كان البعض قد قَصُر عن فهم روبنز فاتهمه بالابتذال والتخصّص في تصوير النساء المكتنزات، فمردّ ذلك إلى عدم فهم هؤلاء لطبيعة روبنز وما تحلّى به من انضباط فنّي ارتقى به إلى مكانة الأستاذ المتفرّد. وهو ما يتجلّى في مقارنته بمعاصره جاكوب جوردانز الذي قد يبدو لأول وهلة مشابهاً له، غير أننا ما نكاد نتطلّع إلى أعماله حتى تتكشّف لنا نظرته البهيمية إلى الجسد الأنثوي رغم كل ما تتخفى وراءه من جاذبية مظهرية حتى لتبدو لنا نساؤه العاريات سوقيات مبتذلات، فلقد كان روبنز قبل كل شيء أعظم مصور ديني في زمانه حتى ليعجز المشاهد عن التفريق في لوحاته بين الحسية والإحساس الديني اللذين نجح في صهرهما في بوتقة واحدة. وفي لوحة “ربات الحسن الثلاث” (لوحة 486) تترنّم خصلات الشعر الذهبية والأثداء المكتنزة بفكرة “الوفرة” التي يقدّمها لنا روبنز ممتزجة بنشوة ساعة الحصاد، وهو ما يسبغ البراءة على نسائه العاريات اللاتي يمثّلن أكثر عناصر الطبيعة إبهاجاً، بعكس ما تمثّله العاريات الكلاسيكيات العصيات وسط الرعود والبحار مطاردات بنزوات الآلهة الغضبى، بينما لا يهدد نساء روبنز غير انقضاض مفاجئ لأفواج الساتير فيبدون وكأنما يتحرّقن شوقاً إليهم.
لقد كان روبنز حريصاً على رسم شخوص على قدر من الاكتناز، وهو ما فعله فنانو عصر النهضة وإن اختلف نهجه عن نهجهم. فعلى حين كانوا يوحون بثقل وزن المرأة من خلال الأشكال محددة المحيط لإبراز صلابة كتلتها، سعى روبنز إلى تحقيق الغرض نفسه من خلال تراكب الحواف المحوطة والعناية بتجسيم أعضاء الجسد، وهو ما يشحن لوحاته بالامتلاء والوفرة والحركة الدافقة. ولم يكن ذلك عن ولع منه بالنساء المكتنزات فحسب بل وعن تقديره للأثر الجمالي للأجساد البضة. فذلك الإيحاء بالحركة الذي يسري في جذع الجسم الأنثوي الذي بثّه الفنان الإغريقي عبر الأردية اللصيقة الواشية توصّل إليه روبنز من خلال ارتعاشات البشرة المعبّرة عن حالات التوتّر أو الاسترخاء. موجز القول إن فنه لم يتوقف عند حد العناية بالخطوط والاستدارات بل امتد إلى التعبير عن صلابة الجسد المصور وما يغمر سطحه الخارجي من انفعالات. ولقد أخذ البعض على روبنز اهتمامه أكثر من أسلافه بتصوير اكتناز اللحم الأنثوي وملمس البشرة، إذ ساد الفن الأوربي وقتاً ما اعتقاد بأنه كلما كشف الشكل المصوّر عن المكنون الداخلي كان جديراً بالتقدير. لكن هذا المفهوم لم يجد صدى لدى روبنز فانبرى يقدم الأشكال الصلبة والأجساد ذات الوزن الجيّاش بالحركة المتألّقة بالبريق المنعش، وهو ما يتطلب إضافة إلى الحس الرهيف قدرة فذّة على التصوير من خلال الاستحواذ على تقنية عالية، وقديماً اتهم ديدرو المئات من المصورين بأنهم أمضوا أعمارهم دون أن يصلوا إلى الإحساس بروعة “الجسد الأنثوي”. ولعل الأقرب إلى الصواب أن نقول إن المئات من المصورين الذين يحسّون روعة هذا الجسد لا يملكون القدرة على تصويره، ذلك أنه مادة لا نظير لها في الكون كله. إنه نسيج فريد يجمع لونه بياض اللبن وحمرة الورد، ويرقّ ملمسه عن الحرير والمخمل، ترتشف بشرته قطرات الضوء المتساقط عليه وتحيله وهجاً يجتذب إليه العين والوجدان، فإذا مشاهده أسير فتنته الهادئة الطاغية. من أجل ذلك كله كان تصويره مشكلة عصيّة عكف كل مصوّر نابه على محاولة الاهتداء إلى حل لها من خلال استخدامه العجائن اللونية اللزجة التي تجري بها فرشاته. ولعلّه لم يتح لغير ثلاثة من المصورين فحسب أن يكونوا على ثقة بما حققوه في هذا المجال وهم تتسيانو وروبنز ورينوار.
وفي النهاية فإن عظمة روبنز لا تكمن فيما حقّقه من تقنية فنية بقدر ما تكمن في اقتدار خياله، فلقد تناول جسد الأنثى الممتلئ الرخي الريان المتشح بالثياب فأحاله بخياله نمطاً أنثوياً فريداً دون التضحية إلا بأقل القليل من معالم واقعه الحسّي خلاصة القول إن روبنز قد أدّى للجسد النسائي العاري ما أداه ميكلانجلو لجسد الرجل العاري.

روبنز: الطفل والعصفور. متحف برلين.

روبنز: تقديم المجوس الهدايا للمسيح الطفل. متحف أنفرس.

روبنز: صورة ذاتية للفنان. متحف تاريخ الفنون بفيينا.

روبنز: طعنة الحربة في جنب المسيح. متحف أنفرس.

أنطوني فان دايك

عصر الباروك

أنطوني فان دايك
(1599-1641)

ولا نستطيع ونحن نستعرض نخبة المصوّرين الفلمنكيين أن نغفل سير أنطوني فان دايك Antoon Van Dyck المولود بمدينة أنفرس والذي برز أستاذاً لفن البورتريه والتكوينات الباروكية، وتتلمذ في سن التاسعة عشرة على يد روبنز حتى غدا بعد عامين اثنين أقرب تلاميذه إلى قلبه وأشدّهم قرباً إلى أسلوبه. زار إنجلترا في شبابه ثم رحل إلى إيطاليا حيث تأثّر بأسلوب مدرسة البندقية وخاصّة تتسيانو، وعاد إلى أنفرس ليؤسّس مرسمه الخاص ويغدو منافساً لروبنز. وبأنفرس أخرج مجموعة الصور المطبوعة بطريقة الحفر المعروفة باسم “إيقونوغرافيا” التي تضم صوراً شخصية لعلية القوم من معاصريه وبعض الموضوعات الدينية في أسلوب باروكي خاص به، إلى أن دعاه تشارلس الأول ملك إنجلترا في عام 1632 ومنحه لقب “سير” وتزوّج بإنجليزية من الطبقة الأرستقراطية، ومن ثم شرع في سلسلة تصاويره للملك تشارلس الأول وأفراد الأسرة المالكة والطبقة العليا التي خلّفت برقّة أسلوبها وعذوبة ألوانها ورصانتها آثاراً باقية، بل مدرسة انتهجها رعيل غفير من أساطين التصوير الإنجليزي. وكان فان دايك يرسم أبطاله وبطلاته بأسلوب رفيع مميز سواء كانوا من الطبقة العليا أم من جماهير الشعب، وسواء كانوا يتّصفون بالقبح أو الجمال فيكشف عما في سرائرهم من استعلاء أرستقراطي ونظرات متعالية أو ما يضمرونه من حزن رومانسي، ثم يضيف إلى ذلك ما هو كامن في وجدانه هو. وهكذا استطاع بسحر فرشاته أن يخلع على أبطاله وبطلاته طابعاً مميّزاً، حتى وصف مؤرّخ الفن الفرنسي هنري فوسيون(84) Focillon, Henri. Vie des Formes, 1934. أعماله بأنها أشبه بالمرآة، يمكن لمتحذلقي الإنجليز أن يتطلّعوا إليها جيلاً بعد جيل فيروا انعكاس أشكالهم فيها، بل إن من يجلسون اليوم إلى مصوّري البورتريهات ليتوقون إلى أن يصوروا مثلما صور فان دايك أسلافهم منذ أكثر من ثلاثة قرون.
ويعدّ بورتريه الملك تشارلس الأول المحفوظ بمتحف اللوفر أجمل الصور الشخصية التي رسمها فان دايك لهذا الملك الوسيم أثناء توقّفه خلال إحدى رحلات الصيد بعد أن ترجّل عن جواده الذي أسلمه لتابعه وسائسه (لوحة 488). ونراه وقد خطا بضع خطوات تتيح له تأمّل المشهد الطبيعي البديع المنبسط أمامه دون أن يتخلّى حتى أثناء هذه الوقفة عما كان يتسم به من تعال وخيلاء. فلقد التقط فان دايك من نموذجه سيماء الملكية وما تنطوي عليه نفسه من زهو وكبرياء تجلّيا في لفتة رأسه وفي حركة يده التي مدّها في تيه للإمساك بعصاه. وفي الوقت نفسه سجّل للملك ما اشتهر عنه من أناقة رصينة جعلت منه أول “المتأنقين(85) Dandyism الغندورية هي المبالغة في التأنق والتكلف. (معجم المصطلحات الأدبية للدكتور مجدي وهبة). ” في التاريخ الإنجليزي إذ كان حريصاً دائماً على أناقة ملبسه ومظهره، ولا غرو فقد كان فان دايك سريع النفاذ إلى السمة المميزة لأي شخصية يصورها. وثمة مفارقة تاريخية تسترعي الانتباه لازمت هذا البورتريه، فالمعروف أن صاحب هذه الصورة قد فقد رأسه تحت نصل المقصلة، ثم تشاء الظروف أن يعجب لويس السادس عشر بهذا البورتريه فيقتنيه ليلقى بدوره المصير نفسه بعد بضع سنين.
وما من شكّ في أن الفنان حين يكشف عن ذاته في لوحاته يكشف من حيث لا يدري عن كل تجاربه في المجتمع الذي يعيش بين ظهرانيه. وإذا كان المؤرّخ الفيلسوف هيبوليت تين قد أكّد هذه العلاقة إلا أنه قد فاته أن الفنان العظيم مهما بلغ تأثّره ببيئته فإنه لا يأخذ منها إلا المادة الخام الضرورية التي لا يلبث أن يطبعها بطابعه الخاص قبل أن يحيلها إلى إنجاز مرئي، وهكذا يتفوّق الفنان العظيم على الفنان الرديء بما يسهم به من قيم ذاتية. ولقد أدرك الشاعر الفرنسي الرقيق تيوفيل جوتييه هذا الفارق الدقيق بأكثر مما أدركه الفيلسوف تين، وذلك حين ذهب في كتابه “تاريخ الرومانسية” إلى أن كبار الأساتذة قد يبدون لنا منعزلين عن مجتمعهم، لكننا إذا تطلعنا إليهم عن كثب نجدهم قد شاركوا في حياة مجتمعهم وتلقوا عنه بقدر العطاء نفسه الذي قدّموه تقريباً مستلهمين الأفكار الشائعة في عصرهم. غير أنه ما يلبث أن يضيف ما يحدّد قصده بقوله: “لكنهم خلّفوا بصمات واضحة، فصاغوا من المعدن الذي قدمه إليهم عصرهم أوسمة خالدة، ذلك أن النحل والزنابير تلتقط الرحيق نفسه، غير أن النحل وحده هو الذي يحوله إلى شهد فيفرز العسل المصفى ويضفي عليه من حلاوته.” وهنا يكمن الفارق الجوهري الذي يميّز الشاعر المبدع عن الصانع الحاذق، فنحن إذا جمعنا بين مصورين من أسرة واحدة ومن وسط واحد ومن عصر واحد، بل إذا انتقينا اثنين من العباقرة كان أحدهما تلميذاً للآخر نشأ في مرسمه وترعرع، لوجدنا كلاً منهما ينفرد بعالم خاص به وحده. ذلك هو موقف روبنز وتلميذه الأثير فان دايك، فعلى حين تميّز روبنز بالثراء والمرح الصاخب تميّز تلميذه فان دايك بالحزن والاكتئاب، فاحتل مكان ألوان روبنز القانية الساخنة نزوع فان دايك إلى اللونين الأبيض والأسود وألوان الخريف الفاترة حيث يختلط الذهب النحاسي والأحمر القاتم والأصفر الباهت المشوب بالزرقة، كما اختفى قيظ ظهيرة الصيف عند روبنز لتحلّ محلّها روعة احتضار الغسق حين تمتد الظلال لتخنق بقايا ضوء النهار.
وفي هذا السكون الظليل تفقد الأشكال إيقاعها وثقتها بنفسها ولا يعود الرسم المحتشد المتماسك يزحف زحف أفعوان ضخم بل يسترخي وينساب في خمول كشريط دخان يتبدّد متطامناً، وتفقد الشخوص عنفوانها العضلي فتبدو نحيلة ممدودة تهيم بالرشاقة أكثر مما تسعى وراء القوة وتعكس حركاتها روحاً جديدة. فبينما ولع روبنز بعرض أجساد شخوصه متزاحمة وهي تشق طريقها متدافعة بالمناكب، استبدل فان دايك بقوة الأجساد الرخاوة الدالة على الأرستقراطية، فتبدو بسيخي الغافية لا تكاد تلامس الأرض وكأنها تطفو فوق سطح الماء، وإيروس رب الحب لا يمس الأرض إلا بإبهام قدمه التي تحمل جسده، قانعاً بأن يحوّم بأصابع كفه فوق جبين بسيخي (لوحة 489)، فالتلامس الرقيق هو لغة الأطراف عند فان دايك. وهو ما يطالعنا أيضاً في لوحة “استشهاد القديس سباستيان” بعد أن حكم عليه دقلديانوس بالموت رمياً بالسهام فإذا بأم أحد أصدقائه الشهداء تكتشف أنه ما تزال تدبّ فيه الحياة فتتعهّد جراحه بالرعاية حتى يبرأ منها، لكنه ما يلبث أن يجاهر أمام الإمبراطور بإيمانه بيسوع المسيح فيأمر بضربه بالعصا حتى يهلك.
ويجسد فان دايك هذا المشهد الدرامي في أسلوب عذب رقيق، فيرسم القديس وما يزال رمق الحياة ينبض فيه وإلى جواره درعه، وقد اكتست ملامح وجهه بطهارة الامتثال لقضاء الله والاستهانة بالموت. وتخيل الفنان الملائكة يهبطون عليه يخففون عنه آلامه ويستخرجون السهام من صدره وكتفه ويفكّون القيود التي تغلّل قدميه في حنان بالغ ورقّة فيّاضة تهوّن عليه ما يكابد من معاناة (لوحة490). وهكذا يتجلّى لنا التباين بين روبنز وفان دايك اللذين كان أولهما يشدّد قبضة شخوصه على ما يمسكونه بأيديهم بينما يكتفي ثانيهما بمجرّد اللمس الحاني الرقيق. على أن فان دايك لم يفته أيضاً تسجيل الأساطير اليونانية القديمة ومن أبرع لوحاته التي حاكى فيها أستاذه روبنز لوحتاه “نشوة سيلينوس” و”سيلينوس ثملاً” (لوحة 491، 492) اللتان تمثّل فيهما وصف أوفيد لمربّي الإله باكخوس في كتابه “فن الهوى”.

فان دايك: سيلينوس ثملاً. متحف درسدن.

فان دايك: نشوة سيلينوس. ناشونال جاليري بلندن.

فان دايك: استشهاد القديس سباستيان. المتحف القومي بروما.

فان دايك: إيروس وبسيخي. هامبتون كورت.

فان دايك: بورتريه الملك تشارلس الأول. متحف اللوفر

جاكوب جوردانز

جاكوب جوردانز
(1593-1678)

وثمّة مصوّر فلمنكي حاذق هو جاكوب جوردانز Jacob Jordaens برع أيضاً في تصوير الموضوعات الدينية والأسطورية والبورتريهات ومشاهد الطبيعة الساكنة والحياة اليومية وتصميم رسوم النسجيات المرسّمة. وكان قد قضى فترة تدريبه ومرانه بمرسم روبنز واشتهر بالأصالة والابتكار على الرغم من تأثّره بكارافاجيو وروبنز. وبعد وفاة الأخير تزعّم ريادة مدرسة الباروك الفلمنكية، وكان غزير الإنتاج، فقد بلغ عدد لوحاته المصوّرة المنوّعة الخمسمائة من بينها موضوعات مكرّرة، أسوق من بين أعماله المتميّزة موضوع “نخب الملك” (لوحة 495) الناضح بالمرح وخفّة الظل.

هوجارث


هوجارث: الزواج على نهج العصر. هروب العشيق من النافذة بعد أن طعن الزوج المخدوع بسيفه. ناشونال جاليري. لندن.
هوجارث: الزواج على نهج العصر. انتحار الكونتيسة. ناشونال جاليري. لندن.
296


هوجارث: الصباح في سوق الخضار بكوفنت جاردن. مجموعة بيرستيد. آبتون هاوس.

هوجارث: بورتريهات خدم هوجارث الستة. تيت جاليري لندن.

هوجارث: الزواج السعيد. الخياط يحكم ثوب الرقص على جسد زوجة أحد ثراة الريف. تيت جاليري. لندن.

هوجارث: الزواج السعيد. الحفل الراقص. كامبرويل جاليري. لندن.

هوجارث: الزواج السعيد. الحفل الراقص. ( تفصيل).

هوجارث: الحفل الراقص. خط الرشاقة والجمال. عن كتاب “تحليل الجمال”.

هوجارث: بورتريه هوجارث وكلبه “البج” الأفطس الأنف (1745) تيت جاليري. لندن.

مدرب الرقص وأنتينوس.

هوجارث: خط الجمال والرشاقة. تفصيل.

Previous Older Entries Next Newer Entries

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 449 other followers