ميكلانجلو مثّالاً

ميكلانجلو. تمثال موسى. كنيسة القديس بطرس في فينكولي. روما.

ميكلانجلو. تمثال راحيل وليا. كنيسة القديس بطرس في فينكولي.

مجموعة لاؤوكون النحتية. الفاتيكان.

ميكلانجلو. العملاق الملتحي   1530-1533. متحف الأكاديمية بفلورنسا.

ميكلانجلو. أسير حدائق بوبولي المدعو -أطلس-. متحف الأكاديمية بفلورنسا.

ميكلانجلو. القديس متى 1505-1506 . متحف الأكاديمية بفلورنسا.

ميكلانجلو. الأسير المحتضر. متحف اللوفر.

ميكلانجلو. العبد المتمرد. متحف اللوفر.

ميكلانجلو. مصلى مديتشي. ضريح لورنزو  1520-1534 . فلورنسا.

ميكلانجلو. مصلى مديتشي. ضريح جوليانو 1520-1534. فلورنسا.

ميكلانجلو. لورنزو رجل الفكر

ميكلانجلو مثّالاً

ميكلانجلو مثّالاً

اتسم أسلوب ميكلانجلو في النحت بالتركيز والتحديد والدقة والإحكام وتوضيح الإيماءات وتحميلها بالمعاني والدلالات، ومن هنا كان أبعد ما يكون عن الإجمال والإبهام. وكانت سيطرته على الشكل والرؤية الواضحة بغير ضريب، فهو لا يتلمّس طريقه في محاولات تجريبية بل إنه يكشف عن مكنون نفسه مع اللمسات الأولى لفرشاته أو الضربات الأولى لإزميله حتى باتت تصاويره ومنحوتاته ذوات قدرة بالغة على النفاذ إلى أعماق المشاهدين لأنها مُشْبَعة “بالشكل”. وأخذ يعبّر عن مكوّنات الجسد الباطنة وحركاته في تفصيل يودّ معه المشاهد لو شاركه تجربته، فضلاً عن أن لكل لفتة طرف أو إيماءة عضو سحراً دفيناً، ولكل تبديل في حركة بعض أعضاء البدن مهما بلغت بساطته أثر عميق في المتلقي حتى ليكاد الانطباع الطارئ يُنسيه أن يبحث عن البواعث التي دفعت الفنان إلى فرض هذا التبديل باعتباره تحويراً مقصوداً.
وكانت المراحل التي مرّ بها ميكلانجلو إلى بلوغ غايته أشبه ما تكون بالسيل العارم المتساقط من عل، معه الإخصاب حيناً والدمار حيناً آخر، ومن هنا كانت نظرة البعض إلى الجانب المخصب فيه على حين كانت نظرة البعض الآخر إلى الجانب المدمّر. وكان ميكلانجلو منذ شبابه الباكر مكتمل الموهبة مرهوب الجانب، وهذا لما كان عليه من إصرار على ما يهدف إليه من هدف واحد لا يَشْغَلُ باله بغيره، إذ كان ينظر إلى العالم نظرة نَحّات لا غير. كذلك كان عنيداً في تطويع وسائله لتحقيق أقصى تأثير ممكن، ومن ثم أثرى الفن بملامح جديدة لم تَدُرْ بخيال أحد من قبل، وَإن كان في الوقت نفسه قد حرم البشرية من أن يتناول في أعماله الفنية وقائع الحياة اليومية. فميكلانجلو هو أول من أدخل “اللاتناغم” في عصر النهضة ممهّداً الطريق لطراز جديد هو الباروك(99) Baroque الباروك طراز يتّسم بالفخامة والبذخ والتحرّر من القواعد الكلاسيكية ظهر في إيطاليا في أواخر القرن 16 كرد فعل للكلاسيكية، غير أن نهضة الكلاسيكية في القرن 18 اقتلعت الباروك من عرشه. وقد بلغ هذا الطراز ذروته في عهد لويس 14 ثم أخلى السبيل لفن الروكوكو في عهد لويس 15. عن طريق استخدامه المتعمّد للتباين(100) Contrast التباين أو التّضاد هو ما يظهر من فرق بين شيئين يختلفان في الصورة أو الحجم أو الشكل، كالفرق بين الخط المستقيم والخط المنحني، وبين الفاتح والداكن Chiaroscuro أو بين لونين متقابلين متصارعين مثل الأحمر والأخضر (م.م.م.ث). . فلم يكد “الشكل” يتبوّأ مكانه في أوج عصر النهضة حتى جاء في إثر هذا ما يتنكّر “للشكل”، وإذا بوادر التغيّر تظهر في كل مكان؛ فعلى حين كان ميكلانجلو يحاول ابتعاث الحياة في الشكل المجسّد، كان كوريجيو يحاول بثّ الحياة في الفراغ فأطلق في سقفه المصوّر في مدينة “بارما” سُحُباً مدويّة وشخوصاً محلّقة تُرهص باقتراب عصر الباروك الذي حفل “بحيوية الصورة” أكثر مما حفل “بالشكل” الخاضع للقواعد التي يفرضها الفراغ. ولقد سبقت ظهور طراز الباروك نزعة انتقالية هي “التكلّفية” [أو المانريزم(101) Mannerism الأسلوب التكلّفي هو ما يطرأ على الأسلوب الفني من تأنق أو تكلّف أو غلوّ، ويُعزى إلى التصوير الإيطالي خلال القرن السادس عشر، واستغرق الفترة ما بين النهضة الشمّاء ونشأة أسلوب الباروك. وقام أساساً على الإعجاب بميكلانجلو وما تلى ذلك من إفراط في محاكاة تكويناته الفنية ومن تحريف معبّر مقصود لأشكاله. وأهم خواص الأسلوب التكلّفي المبالغة في إظهار القوى العضلية أو إطالة أشكال الشخوص، أو إضفاء التوتر على الحركات والإيماءات أو ازدحام التكوين الفني أو المغالاة في بعض النسب والمقاييس، وما يترتب على ذلك كله من استخدام للألوان الصارخة. (م.م.م.ث). ] التي كان ميكلانجلو وكوريجيو رائديها، فإذا هما يدينان علناً جمود الأشكال، غير أن هذه النزعة التكلّفية عجزت عن طرح أي مفهوم جوهري، واتسمت تجديداتها بطابع التحريف والتلاعب بقوانين الشكل المتعارف عليها، وتجديد العلاقات الشّكلية، تارة – على سبيل المثال – بالإطالة المغايرة للنسب الطبيعية، وأخرى بتكوير ما هو غير مكوّر في الواقع أو تسطيح ما هو غير مسطّح إلى آخره… وثالثة بتحوير حركة بعض الأعضاء تحويراً كأنما الفنان به يضيف إلى الجسد الإنساني الطبيعي من عنده ما يؤكد مشاركته في الخلق. كذلك لجأت إلى حيلة أخرى بتحريرها فن الرسم من الالتزام بمحاكاة الأشكال، وبذا أضفت على الخط المجرّد مصيراً فنياً مستقلاً وأطلقت له الحرية الكاملة في أن يحيا حرّاً بذاته، يتفاعل وينمو ويتطور في مسار لا نهائي من التموّجات الرهيفة مستقلاً عن الموضوع المصوّر(102) R. Huyghe: Art and the Spirit of Man. Flammarion. (1965p. 88-91). . ولقد واكب نشاط ميكلانجلو المبكر مرحلة تم الكشف فيها عن نماذج ممتازة من التماثيل الكلاسيكية التي ما لبثت أن اتخذت معياراً للمقارنة والنقد عند تقييم التماثيل الحديثة. وعلى حين كان ميكلانجلو يؤمن شأن الفنانين اليونانيين والرومانيين بأن الإنسان هو سيّد الخليقة كانت الطبيعة بالنسبة إليه شيئاً ثانوياً، وهكذا دار فنه في صدر حياته حول تأكيد مكانة الإنسان العليا، فإذا عالمه يموج بكائنات شبيهة بالآلهة تتمتع بقوى جبّارة وحيوية خلاقة وثقة بنفسها بغير حدود. ومع أن تصاويره رجالاً ونساءً جاءت متكاملة إلا أنها بدت شبه متصارعة مع القدر الغاشم، سلاحها تلك القوى المعنوية التي تُشيع أملاً بأن لها النصر في النهاية. وإذ برع في فن القدامى كما برع في فن عصره وتجلّت براعته في كل من القدرة التقنية والقوة التعبيرية نظر إليه معاصروه بتقدير وإجلال كبيرين، فوصفه الفنان والمؤرخ الشهير فاساري بأنه “الرجلُ الذي احتوت كفّه كل العصور وتفوّق على سواه من الفنانين فإذا هم يتوارون أمامه، فقد بلغ الذروة ليس في فن واحد فحسب بل في النحت والتصوير والعمارة والشعر معاً”. ولقد ظل هذا الحكم صادقاً طوال عصور التاريخ دون أن يعتريه تغيير أو تبديل.
وعندما كان ميكلانجلو في السادسة عشر من عمره أبدع عام 1491 لوحة “عذراء الدَرج” (لوحة 288) من النقش البارز على الرخام، وأتبعها في العام التالي بلوحة أخرى من النقش البارز أيضاً على الرخام خالها فاساري تصوّر “المعركة بين هرقل والقنطوري”، على حين يصفها كونديفي بأنها تمثل اغتصاب القنطور نيسوس لديانيرا زوجة هرقل فضلاً عن تصويرها لمعركة القنطوري (لوحة 289). والشائع أن مَن أوحى له بفكرة هذه اللوحة هو بلويتزيانو مربّي لورنزو، إلا أنها جاءت غير واضحة المعالم حتى لا يكاد المرء يتبين فيها الأشكال التي تمثل القنطوري من تلك التي تمثل البشر ولا أشكال الذكور من الإناث وعلى حين أصرّ فلفلن على أن اللوحة لا تضم أشكالاً للإناث ذهب سيموندز إلى أن الشكل الذي يتوسطها لأنثى، بينما رجّح ناب أنه لهرقل أو لثيسيوس. وقيل أيضاً إن ميكلانجلو كان شديد التعلق بهذه اللوحة حتى إنه احتفظ بها طوال حياته إلى أن انتهت إلى أسرته ضمن ميراثه.
وتجذبنا بين أعمال ميكلانجلو أثناء شبابه تلك التي تعبّر عن شخصيته أكمل تعبير، وأعني بها الفتيان العُراة التي استهلّها بتمثال لهرقل لا أثر له الآن، أتبعه بنحت تمثال باكخوس الثمل (لوحة 281) الموجود بمتحف البارجيللو بفلورنسا في الوقت نفسه الذي أنجز فيه تمثال “العذراء الأسيانة”، ثم أعقبه عام 1501 بتمثاله الذي طغى بشهرته على كافة أعماله، وهو تمثال داوود بفلورنسا (لوحة 283). ونلحظ في تمثاليه باكخوس وداوود ما انتهت إليه “الطبيعة الفلورنسية” من تعبير خلال القرن الخامس عشر، فهما ينتهجان النهج نفسه الذي استنّه دوناتللو حين مثّل باكخوس ثملاً مترنّحاً، إذ سجّل ميكلانجلو اللحظة التي كاد معها باكخوس أن يفقد توازنه متطلّعاً بلا مبالاة إلى الكأس المرفوعة ومتّكئاً على “بان(103) Pan هو ابن الإله هرمس Hermes إله الخصب، وقد غدا بدوره إلها للرعاة والصيادين في أركاديا، ثم ذاعت عبادته وانتشر كهنته في جميع أنحاء اليونان فأقاموا له الصلوات في المعابد والغابات والكهوف وقدموا له القرابين من اللبن والعسل والحملان وغدا رمزاً للطبيعة. وورث عن أبيه المرح فمضى يتجوّل في الغابات يراقص الحوريات ويعزف على القيثارة والمصفار أجزل النغم ويُحسن التنبؤ وتفسير الأحلام. وقد وُكلت إليه مهام رعاية القطعان وتنبيه المسافرين إلى الخطر المحدق بهم وذلك بأن يبثّ الفزع في قلوبهم، وهكذا اشتُق اسم الفزع “بانيك Panic ” من اسمه. وقد شاع أنه يغفى ساعة القيلولة فاتخذ الرعاة منها فترة هدوء واستجمام كيلا يقلقوا ربّهم، وصوّره رعاياه على شكل إنسان له قرنان قصيران ولحية كثّة وساقا تيس. (م.م.م.ث). ” الذي مثّله بضّاً يكاد يكون أنثوي النعومة، كما يتميز كل من الموضوع المعالَج وأسلوب التنفيذ بخصائص أسلوب القرن الخامس عشر، فليس ثمة في تمثال باكخوس ما يثير الانتباه.
وقد عكف ميكلانجلو على نحت تمثال العذراء الأسيانة “بييتا” (104) Pieta صورة أو نحت يمثّل المسيح الميت والعذراء تضمّه بذراعيها في حجرها (م.م.م.ث). استجابة لرجاء الكاردينال ده فيلييه المبعوث الفرنسي لدى الكرسي البابوي. ويعدّ هذا التمثال (لوحات 290، 291، 292) أول عمل مبهر يمكن أن نستشفّ منه نوايا ميكلانجلو، غير أنه للأسف معروض الآن في مصلّى يمين الداخل إلى كنيسة القديس بطرس بالفاتيكان بطريقة لا تستلفت النظر يتعذّر معها إدراك رقّة أسلوب المعالجة أو سحر الحركة التي يزخر بها، فإذا هو تائه وسط المصلّى الفسيح وقد انتصب مرتفعاً عن مستوى النظر وبعيداً عن زاوية الرؤية الصحيحة. وكان هذا التمثال أول عمل نحتي من الرخام لميكلانجلو يجمع بين شخصيتين بالحجم الطبيعي في مجموعة واحدة. وما من شك في أن الوضعة التي يفترش فيها المسيح حِجْر أمه هي من الصعوبة بمكان نحتاً، ومع هذا فقد وفّق ميكلانجلو إلى ضم جسد العذراء إلى جسد المسيح في تآلف وانسجام رقيقين لم تشوّهه نتوءات أو زوايا حادة، فعلى حين تحتضن مريم الجسد الخامد المتهاوي دون أن تبدو مرهقة به، تنفسح عيوننا لتحتوي جسد المسيح الذي شكّله الفنان على غرار آلهة الإغريق. ونتبين خطوطه كاملة من كافة زوايا الرؤية، فالكتف مدفوع إلى أعلى، والرأس المتدلّي إلى أسفل يجعل من الجسد عنصراً فريداً في إثارته للشفقة دون أن تبدو عليه مظاهر الألم، وإطراقة مريم تدعو إلى الإعجاب، والوجه المحزون يعتصره الأسى، ذلك أن أم الربّ – في تقدير ميكلانجلو – لا تبكي شأن أمهات الأرض بل تنحني رأسها في سكون دون أن تكشف ملامحها عن أي انفعال، وتترك يدها اليسرى تتدلى مثقلة بالألم الصامت، وتحتفظ رغم شجنها بالوضعة الكلاسيكية حتى تبدو بحق الأم راعية الأحزان الجليلة التي لا تهوّن من شأنها دموع أو أنّات.
ويدلّ التمثال على مقدار ما بلغه الذوق الفنّي من حساسية خلال القرن الخامس عشر. ولا نزاع في خضوعه من وجهة النظر “الشكلية” للأسلوب الفلورنسي خلال القرن الخامس عشر، ومع أن رأس العذراء جاء نسيج وحده إلا أن وجهها النحيل الرقيق كان طرازاً مألوفاً في الفن الفلورنسي المبكر. وما إن تنقضي بضع سنين حتى يجعل ميكلانجلو الوجوه أعرض وأوْفى كمالاً، بل نراه يكتشف أن ترابط جسدي المسيح والعذراء في هذا التكوين مفرط الرشاقة شديد البساطة بالغ التفكّك، فإذا هو يعترف بأنه كان ينبغي أن يكون الجسد المسجّى أشد قوّة وأصحّ اكتمالاً وأكثر تخفّفاً من الخطوط المحوّطة، كما كان ينبغي ربط العذراء بالمسيح في كتلة أشدّ تماسكاً وإحكاماً. ولقد أثرى ميكلانجلو أردية التمثال بفيض من نتوءات المكاسر المضيئة و”دَخْلاتها” الغائرة المظلّلة التي أغرم بها نحاتو القرن السادس عشر، كما أغرق الرخام المصقول ببريق الأضواء المنعكسة دون أن يجمّله بأي تذهيب. وكان التكوين الهرمي للتمثال نمطاً سبق أن استخدمه ليوناردو دافنشي في رسمه المعروف “العذراء والطفل” مع القديسة حنة (لوحة 252)، غير أن المقارنة تكشف عن إدخال ميكلانجلو بعض التعديلات على هذا النمط حين جعل من ثنايا رداء العذراء المتعددة قاعدة للهرم ومن رأس العذراء قمة له، واستباح لنفسه تشكيل جسدي العذراء والمسيح بالنسب التي تؤجّج من تأثيرهما التعبيري، فصاغ جسد المسيح أصغر قليلاً من جسد العذراء ليحقق التوازن في تكوينه الذي شكّله مستقلاً عن الكوى والخلفيات المعمارية، ونقش عليه توقيعه وهو ما لم يفعله في أي عمل آخر.
وبعدما طرد أهل فلورنسا أسرة مديتشي بعد دخول الجيش الفرنسي بقيادة شارل الثامن، أسسوا الجمهورية عام 1494 بزعامة الراهب سافونارولا، ومضوا يجسّدون وثبتهم في أعمال فنية ذات صبغة بطولية شارك فيها ميكلانجلو بنحت تمثال عملاق لداوود قاتل الطاغية جالوت، وكان ذلك عام 1501 بعد سبعين عاماً من نحت دوناتللو تمثاله لداوود (لوحة 145). وقد جاء تمثال داوود لميكلانجلو هرقلي الطابع هائل الضخامة، إذ يبلغ ارتفاعه حوالي ستة أمتار، ويصوّر داوود عملاقاً جسوراً عارياً يترصّد وصول جالوت عدو شعبه، وقد نحته الفنان في كتلة واحدة ضخمة من الرخام كان قد سوّاها نحّات سابق ثم هجرها. ولما كان من المنطقي أن نتصور داوود فتى رشيقاً مزهوّاً بقوّته فإننا نراه في تمثال دوناتللو فتى مفتول العضلات، بينما نراه في تمثال ميكلانجلو صورة لمفهومه عن الجمال المثالي للشباب، فهو فتى ربعة لا هو بالرجل المكتمل ولا هو بالصبي اليافع بل هو في سن المراهقة التي يأخذ الجسم فيها بالنمو المضطرد، كفّاه وقدماه في ضخامة لا تتناسب مع حجم الذراعين والساقين والفخذين. ولا بد أن يكون هذا النموذج إلى هذا الحد غير المألوف، ومع ذلك لم يحاول تغيير إيقاعات زوايا وضعة داوود أو الفراغ المثلث بين الساقين، فضلاً عن أنه لم يتراجع عن هدفه أمام الإغراء الذي لا شك قد راوده لتجميل خطوط التمثال، كما فات الفنان أن يُخَتِّنَ تمثال داوود ملك اليهود كما تقضي الشريعة الموسوية.
ولو أَننا وقفنا عند حدّ تأمل جسد داوود لخيّل إلينا بتوتره وحيويته أنه ينتمي بالفعل إلى العهد الكلاسيكي وإلى الطابع الهيلنستي [المتأغرق](105) Hellenistic art المقصود به في المرحلة اللاحقة والأقل كلاسيكية للفن الإغريقي والتي تبدأ من حوالي عام 300 ق.م إلى 100 ق.م. ويسري هذا المصطلح أيضاً على الفن والعمارة اليونانية الرومانية (م.م.م.ث). على وجه التحديد أكثر مما يحمل طابع القرن السادس عشر. غير أن نظرة إلى رأس التمثال وما ينطوي عليه من ازدراء للمتع الدنيوية تجعلنا نحسّ بأن ثمة قوة روحية تكمن فيه لم يهتد إلى كنهها الإغريق الأقدمون. والحق إن هذا التمثال ليكشف عن التحول الهائل الذي أدخله هذا الفنان على أسلوب التعبير عن الروح الإنسانية الشامخة من خلال الفن، فإذا تفاصيله تحرّك الدهشة كما تثير المرونة التي تسري في كافة أجزائه الإعجاب المتصل، وإن كان فلفلن لا يرى أنه يمثل فتى وسيما، وأنه إذا كان قد غدا أكثر تماثيل فلورنسا شعبية فذلك لأن الرشاقة التوسكانية المأثورة عن الفلورنسيين قد ولّدت عندهم – على عكس أهل روما الوقورين – إحساساً رهيفاً بالقيمة التعبيرية لغير الجميل، وهو إحساس لم يتبدد أو ينحسر خلال القرن الخامس عشر بأكمله. وما كاد ميكلانجلو يفرغ من هذا التمثال حتى نشبت في فلورنسا مشكلة اختيار موضع التمثال فعُهد بهذه المهمة إلى لجنة من الفنانيين ما يزال تقريرها موجوداً بين الوثائق المحفوظة، وقد أجمع أعضاؤها على إقامته أمام الجدار الملاصق لمدخل قصر السياده [بالاتزو دللاسنيوريا] بحجة أن التطلع إليه من الأمام فحسب دون الجوانب الأخرى قد يحجب ما عسى أن يكون فيه من معايب(106) نلفت نظر القارئ إلى أن تمثال دواود الذي يراه الآن خارج “بالاتزوفيكيو” بفلورنسا هو استنساخ حديث من الرخام. .
ويعود ميكلانجلو إلى موضوع العذراء والطفل في لوحة النقش البارز المستديرة الموجودة بمتحف بارجيللو والمعروفة باسم عذراء بيتي [نسبة إلى بارتولوميو بيتي الذي عهد إلى الفنان باعدادها] (لوحة 293) حيث الطفل الوديع الذي يغالبه النعاس ينحني على صدر أمه التي يبرز رأسها من أعلى سطح النقش البارز، ولها نظرة مفعمة بالأمل تتغشّاها علامات النبوّة. ولهذا النقش أهمية خاصة لأنه يقدّم لنا مثلاً أعلى جديداً لجمال الأنوثة: الجسد المكتمل والعيون الواسعة والذقن الحادة المدبّبة، مما يباعد بينه وبين الرشاقة الفلورنسية القديمة. ويصاحب هذا التغيير تنسيق جديد للرداء الذي ينحسر عن العنق ليكشف تفاصيله، كما يُعرب ميكلانجلو عن قوة هذا التشكيل باستخدامه المتحرّر المبكّر للفراغ حيث يتجاوز رأس العذراء حافة النقش المستديرة، وبإحلاله الجزء الذي يجتذب النظر عن بُعد مكان التلاعب بالنور والظل(72) Chiaroscuro الظلّ والنور أو الانبلاج والعتمة أو الإشراق والعتمة أو الفاتح والداكن: هو تدرّج أطياف الضوء حيث إبراز الأشياء والإبانة عن مواضعها وصلتها بعضها ببعض في مكان بذاته. فيظهر التدرّج في درجات النور والظل المتفاوتة زيادة أو نقصاً، سواداً أو بياضاً. وقد يستغلّه الفنان للإيحاء بمسحة وجدانية من حيث الدرجة الضوئية. فالمعروف أن التدرّجات الضوئية تعين على تجسيم “الأشكال”، ومن هنا كانت إضافة لا غنى عنها لتجسيم “الشكل” الذي كان يُكتفى في تصويره بالخط الخارجي المحوّط، وحين تؤدي تلك التدرّجات الضوئية دورها تتضح درجات الضعف والقوة التي ينبني عليها الإحساس الجديد بالكثافة. وعلى حين يخضع “الشكل” لإطار العقلانية الواعية تتخطّى الكثافة هذه المرحلة لتوحي بما هو غير عقلاني كالانفعال والوجدان، فدرجات الكثافة لا تُقاس إلا حسّاً. وقد أخذت هذه التقنية تنمو مع ظهور التصوير بالزيت الذي كان يتميز برقّة أكثر وعمق أبعد من أي تقنية أخرى مثل تقنية التصوير الجصّي “الفريسكو”. بين النتوءات والتموّجات، وذلك حين جعل الرأس في وضعته الرأسية محطّ النظر. ويستنتج جوستي من الطابع الأليف لهذا النقش الدائري بأنه أُعدّ لعرضه في أحد المنازل وليس في إحدى الكنائس أو فوق أحد الأضرحة. وقد تصوّر البعض حيناً من الزمن أنه نقش لم يكتمل، وهو ما لا يبدو كذلك في عيون معاصرينا في هذه الأيام.
وأنجز ميكلانجلو تمثال موسى وهو لا يتخيّله – وفقاً للتوراة – رمزاً لإرادة أقوام اليهود فحسب بل صورة مثالية للبابا يوليوس “الرهيب” الذي كانَ بالمثل مشرّعاً للقوانين شأن موسى العبري. ويبدو موسى في هذا التمثال (لوحة 294) وكأنه تجسيد لقوى الطبيعة أو بركان بشري يتهدّد العصاة. ففي سكونه نذير عاصفة غاضبة، وتكاد قسمات وجهه تنطق بالوصايا العشر، وتحكي قصة صعوده جبل الطور في سيناء وحديثه مع ربّه، ونكاد نحس أنه قد اتخذ جلسته في هذا التمثال ليحاسب البشرية من فوق منصّة القضاء. ويُروى أن المثّال الفرنسي أوجست رودان حين أراد منذ عهد قريب التدليل على تماسك بنية هذا التمثال قال: “إنه يمكن دحرجته من فوق قمة جبل دون أن تُصاب تلك القسمات بأذى”. ويكشف هذا التماسك عن قدرة ميكلانجلو على تطويع الرخام إلى الحد الذي يحتشد معه بالقوى التعبيرية والجيشان المستكن في ثنايا الأطواء والمكاسر وعضلات الذراعين المفتولة والعقلانية المسيطرة على ملامح الوجه والمزاج الناري اللاهب. ولا يفوتنا في هذا الصدد أن نذكر ما تردّد من أنه بعد أن فرغ من نحت تمثال موسى تطلّع إليه معجباً ولم يملك إلا أن صاح: “والآن، فلتنهض… ولتنطق”. وإذا كان التمثال للقديس يتضمن بعض التأثيرات التي استقاها ميكلانجلو من سلفه المباشر دوناتللو في تمثاله للقديس يوحنا المعمدان (لوحة 142)، كتفاصيل ألواح الشرائع واللحية المسترسلة المواكبة للتقاليد الإيقونوغرافية المألوفة والقرنين الرامزين لأشعة الضوء، فقد جاء تمثال موسى مقيّد الحركة إذ آثر ميكلانجلو أن يجسّد في هذا التمثال اللحظة التي يوشك فيها موسى أن يفقد صبره وينهض ليصبّ جام غضبه على بني إسرائيل. وقد يكون من المفيد أن نقارن تمثال موسى بتماثيل الشخوص الجالسة المبكرة التي أعدّها دوناتللو ومعاصروه لكاتدرائية فلورنسا والتي يظهر فيها حرص دوناتللو على إضفاء وهج الحياة على تمثال الشخص الجالس واختلاف مفهومه عن “الحركة” مع مفهوم ميكلانجلو. وما من شك في أن ثمة وشائج قربى بين تمثال موسى وأشكال الأنبياء المصوّرين على سقف مصلّى سيستينا ما تلبث أن تقفز إلى الأذهان، غير أن الفنان المصوّر ما يكاد ينتقل من عالم التصوير إلى عام النحت حتى يسعى جاهداً إلى تحقيق أقصى حد ممكن من تمثيل الكتلة المتماسكة على العكس من أسلوبه في التصوير.
ومع أن ميكلانجلو قد كفّ عن الإفراط في تشكيل الطيّات والمكاسر، وانصرف عن النحت الغائر من أجل إبراز شكل الأجسام، وكذا عن الصقل اللامع الهادف إلى خلق أضواء معكوسة شديدة التأثير كما هو الحال في تمثال العذراء الأسيانة، إلا أن تمثاله لموسى جاء مع ذلك يحمل سمات واضحة من أسلوبه المبكر. على أنه ينبغي أن نشير أيضاً إلى أن تمثال موسى وهو في موقعه الحالي بكنيسة القديس بطرس في فينكولي بروما لا يتجلى فيه الإيحاء الذي انطوى عليه هذا التمثال لا سيما إذا نظرنا إليه من زاوية مائلة، فقد اندسّ هذا التمثال العملاق داخل كوّة شديدة الضيق لا يخفّف من وحشة تأثيرها إلا رقّة تمثالي راحيل وليا المحيطين به (لوحة 295). وتأتي المفارقة من أن ميكلانجلو نفسه هو الذي اختار هذا الموقع حين ضاقت أمامه السُّبل وتضاءل مشروع ضريح البابا يوليوس القائم بذاته بعد أربعين عاماً من بدء العمل فيه إلى مجرد ضريح جداري ذي نسب بالغة التواضع، في الوقت الذي كان أسلوب ميكلانجلو قد اعتراه تغيّر شامل. ولعل أنسب موقع لمشاهدة التمثال هو التطلّع إليه من جانبه الأيسر حيث تتجلى من النظرة الأولى الأهمية الكبيرة للساق المسحوبة للخلف التي هي بلا شك مفتاح الحركة كلها، كما تتكشّف المحاور الرئيسية للتمثال لأوّل وهلة وفي وضوح تام من الزاوية التي تكوّنها الذراع والساق مُضفيةً على الجانب الأيسر حركة متدرّجة، ومن الخط العمودي الطاغي على التكوين كله الذي نشكّله الرأس وهي تلتفت إلى الوراء التفاتة مفاجئة، على حين لا ينطوي الجانب الأيمن على أية أهمية تشكيلية، كما لا تُعرب الذراع الممسكة يدها باللحية عن تأثير ذي بال.
وقد ظن فنانو عصر النهضة خلال فترة التطور التي أعقبت جوتو ومازاتشيو وبلغت ذروتها على يدي رافائيل أنهم توصلوا إلى القواعد الجمالية النهائية المحدّدة للشكل وما ينبغي أن ينطوي عليه من توافق، وإذا ميكلانجلو بما يموج في وجدانه من قلق وما يعتمل في داخله من صراع يضرب عرض الحائط بهذه القواعد في مستهل القرن السادس عشر، وكان إيمانه التقليدي “بالشكل” قد وثّق روابطه بالنحت أكثر من التصوير رغم بلوغه ذروة عبقرية الإبداع في المجالين معاً، وشدّه هذا الإيمان التقليدي بالشكل إلى الجسد الإنساني في الوقت الذي استهان فيه بمشاهدة الطبيعة، غير أنه لم يكن راضياً كل الرضا عن التقديس الممنوح “للشكل” وحده في عصره فأطلق في مقابل الشكل “نقيضَه” وهو الطاقة الكامنة فيه التي تصبو إلى التحرر من سجن لكنها لا تمتلك إلا التمرّد وتمزيق بعض القيود التي لا تتيح لها إلا أن تشرئب برأسها فحسب بينما يظل الجسد كله حبيساً.

الأرقاء أو الأسرى المغلولون

وقد تجلّى كفاح ميكلانجلو ضد قواعد “الشكل” المألوفة خلال عصره في افتتانه بموضوع الأرقاء والأسرى المغلولين الذي يعدّ صياغة جديدة لموضوع متأغرق قديم هو المجموعة النحتية التي تصور صراع لاؤوكون كاهن أبوللو الطروادي ضد الأفاعي الضارية التي أطلقتها الآلهة المناصرة للآخيين ففتكت به هو وبنيه (لوحة 296). فإذا نحن نشهد في تماثيل الأسرى التوكيد على إبراز العضلات المتوتّرة بصفتها باعثة الحركة المهدّدة بتفجير أغلال الشكل، والمعبّرة عن تبرّم الأرقاء الساخطين بأغلالهم التي تصفّد أطرافهم بينما يتجلّى الانفعال محتدماً في أجسادهم وهي تتصارع لتحرّر نفسها من قالب الصخر الذي يحاصرها ويطوّق حركتها. على هذا النحو جاءت أشكال ميكلانجلو مشدودة متوترة داخل الإطار الضيق الذي يحتويها، تحمل تعبيراً درامياً عن الصراع الداخلي في وجدان الفنان، ذلك الصراع الذي أجّجه ارتباطه الدفين بالعقيدة المسيحية مع ضيقه بالقيود التي تفرضها. وقد كان يحاول وهو الذي عاصر حركة الإصلاح الديني تحطيم هذه القيود إذ كان ثمّة عالم جديد يتفجّر في كيانه فأخذ يجرّب قدراته بمحاولة إزاحة الأسوار المحيطة به. وهكذا أخذت روح عصر النهضة تتوثّب من خلال جسارة ميكلانجلو لتبلغ الذروة بقواها الخلاقة، فبدا الشكل وكأنه يصارع ضد ضغط خانق في تماثيله التي تتجلى قوّتها المعبّرة في عدم اكتمالها (لوحات 297، 298، 299). ويقترب من الاكتمال أحد تمثالي العبدين المغلولين بمتحف اللوفر وهو الذي سُمّي “بالعبد المغلول” (لوحة 300) الذي يضم إحدى فخذيه على الأخرى ويتمطّى متثائباً وهو يستيقظ من سباته قبل أن يرتد إليه وعيه الكامل. وينبعث الانطباع بتمرّده ومحاولته تحرير نفسه من خشونة الصخرة المحيطة به، والتي لا شك أن ميكلانجلو حرص على نحتها بمثل هذه الخشونة لتؤجّج هذا الانطباع، وإن كانت النظرة المتأنية تكشف عن فتى نائم يقضّ مضجعه حلم مرعب أكثر مما يمثّل أسيراً يحتضر كما يحلو لبعض مؤرّخي الفن تسميته. فبينما نجد القيود مجرّد شرائط رقيقة تعجز عن أن تكون قيداً، تتجلّى الروح الحبيسة التي تعذّبها ذكرى أصولها الإلهية كأنما وجدت راحتها في النوم بعد عذاب نفسي منهك، فالفتى يتمطّى وما تزال رأسه ملقاة باسترخاء إلى الوراء ويده تجري بطريقة آلية على صدره.
ويصور التمثال الآخر المعروف باسم “العبد المتمرّد” (لوحة 301) عنف صراع كائن مفتول العضلات كُتب عليه أن يضيع كفاحه هباء، وهو الانطباع الذي يتبدّى في ذروته حين نتأمل التمثال من جانبه. وفي كلا التمثالين السابقين نشهد نفس الصراع اليائس مع القدر. إنها مأساة الإنسان الذي يحدّ الزمن من إمكاناته ويُعييه إدراك سرّ الوجود ويتطلّع رغم يقينه بفنائه إلى الخلود، ولا تعوقه قيود الجسد عن أن يحلم بحرية بلا حدود.
ولا شك في أن أشكال أرقّاء ميكلانجلو ذات وشائح قربى مع نقوش أقواس النصر والأضرحة والتوابيت الرومانية، فإن نماذج الأرقاء المغلولين يمكن اقتفاء أثرها في المنحوتات المتأغرقة، والشبه بين هذا العبد المغلول وذاك المتمرّد وبين الابن الأصغر في مجموعة الكاهن لاؤوكون النحتية في غير حاجة إلى تعليق. وما أصدق ما سجّله ميكلانجلو في إحدى قصائده المهداة إلى صديقته وهاديته فيتوريا كولونا عن فن النحت حين قال لها “ليس فن النحت يا سيدتي هو تشكيل قطعه صخر صلبة، لكنه تحرير للشكل من سجن الصخر بإزالة الزوائد عن الصورة المتخيّلة في الذهن للشكل الكامن في الصخرة”. وهكذا كان التمثال بالنسبة لميكلانجلو شكلاً كامناً في كتلة رخام، ينتظر يد أستاذ النحت البارع كي يولد على يديه، وكأنه يعبّر من خلال تماثيله عن فكرة أفلاطون بأن نفس الإنسان ما تزال سجينة في جسده حتى ترقى إلى الكمال بواسطة قوة خلّاقة تفوقها سموّاً ورفعة.

مصلى آل مديتشي

وعندما تولّى الكاردينال جوليو ده مديتشي في عام 1523 عرش البابوية تحت اسم كلمنت السابع، كان يدور بخلده تشييد مجموعة من الأضرحة تخلّد ذكرى أسرته في قاعة جديدة للمقدّسات بكنيسة سان لورنزو. ومنذ عام 1520 شرع ميكلانجلو يعدّ تصميماته لإنهاء هذا المصلّى، وانتهى من وضع تصميم قبة المصلّى عام 1524، ثم ما لبث أن تقدّم بتصميم أوّلي للضريح داخل المصلّى مشكّلاً كتلة قائمة بذاتها تضم أربعة قبور للورنزو َالعظيم ولأخيه جوليانو الأكبر والد البابا كلمنت السابع ولاثنين من أمراء الأسرة. وما لبث هذا التصميم أن لحقه التعديل فناله الإيجاز ليغدو ضريحاً جدارياً على أن يضم كل جدار تابوتين. وتتجلى من جديد في تماثيل هذا الضريح روعة النحت التي تجلّت من قبل في تمثال موسى، حيث تتكون كل مجموعة من مجموعتي النحت الشهيرتين من شخصية جالسة في شكّة الحرب المدرّعة داخل كوة مع شخصية رمزية راقدة على كل جانب من جانبي التابوت الشديدي الانحدار. وتمثل الشخصيتان الرمزيتان الليل والنهار ثم الشروق والغروب بدلاً من المنحوتات التي جرت العادة على أن ترمز لشتّى “الفضائل” والتي كانت تصاحب الموتى عادة فوق قبورهم كأنها تحرسهم (لوحات 302، 303). ويعتمر لورنزو دي مديتشي دوق أوربينو بخوذة مجسّداً رجل المآثر البطولية (لوحة 305)، وهكذا يمثّل أحدهما حياة التأمّل والآخر حياة الحركة المفعمة بالنشاط. وإذ لم يُضف ميكلانجلو على شخصيتي لورنزو  وجوليانو الجالستين أية ملامح ذاتية أصيب أهل فلورنسا بالذهول والدهشة إزاء هذا المفهوم المثالي، فما كان منه إلا أن طمأنهم في سخرية وثقة بالنفس قائلاً: “بأن أحداً بعد ألف عام لن يذكر ما كان عليه شكل الأميرين”، وهو ما ثبت صدقه بالفعل.
ولا ريب أن المصلّى الذي يضم ضريح آل مديتشي هو أحد الإنجازات النادرة في تاريخ الفن، ذلك أن عمارته ومنحوتاته قد صمّما معاً ليكون كل منهما متمّماً للآخر، في حين لم تكن هذه الرؤية الفنية مرعية خلال القرن الخامس عشر السابق حيث استقل كل من فن العمارة والنحت عن الآخر. لذا كانت فرصة ذهبية من الناحية الفنية حين استقر الرأي في نهاية الأمر على تشييد مصلى يحتوي على الضريح، الأمر الذي أتاح لميكلانجلو مساحة لم تسمح له بأن يكون أكثر تحرّراً في ترتيب منحوتاته وتنسيقها فحسب بل هيأت له بالمثل السيطرة التامة على عنصر الإضاءة الذي ظفر بعنايته من مبدء الأمر باعتباره عاملاً جوهرياً يؤدي دوراً أساسياً  في تكوينه الفني فأعدّ وجهي تمثالي “الليل” و”الغروب” ليستقرّا دوماً في الظل، وهو أمر لم يسبقه إليه أحد ما.
وللوهلة الأولى نلحظ في تنسيق هذه المنحوتات غرابة لافتة للانتباه، فالضريح ليس مجرّد تابوت مستقل بما يعلوه من شخوص منحوته أمام الحائط، بل إن الحائط نفسه يحوي في كوّة بجوفه تمثالاً للبطل المتوفى في وضعة جالسة تضم إلى التابوت شمل الضريح بعنصريه اللذين يحتل كل منهما حيّزاً مختلفاً ويشكّلان معاً وحدة فنية رائعة، توصّل إليها الفنان بالهبوط بالبطل الجالس حتى بدت ساقاه في مستوى وجهي الشخصيتين الراقدتين. وثمة علاقة تسترعي الانتباه بين الشخصيتين الراقدتين وبين القاعدة التي يستقران عليها إذ أن غطائي التابوت قد بلغا من الضيق وشدة الانحدار ما يخيل لنا معه أن التمثالين على وشك الانزلاق صوب الأرض. ويذهب بعض مؤرخي الفن إلى أن النية كانت معقودة على استكمال الطرفين السفليين لغطائي التابوت بحليات حلزونية مقلوبة رأساً على عقب، ولو صحّ هذا الافتراض لأصاب الإجحاف الشخصيتين الراقدتين في مثل هذه الحالة، إذ ستفقدان بلا ريب ما تتمتعان به من حيوية ومرونة.
ولا يقتصر خروج ميكلانجلو عما هو مألوف على القسم الأدنى من الضريحين، فقد ضمّن القسم الأعلى بالمثل تبايناً قد لا يتجلّى من النظرة الأولى، حين أباح للشخوص الراقدة تجاوز الكورنيش الخفيض فعلت عن مستواه في جرأة غير مسبوقة، ومن ثم باتت المنحوتات هي المسيطرة على المعمار الذي كان ينبغي أن تعقد له السيطرة. وإن خفّفت الشخصية الثالثة الجالسة بعض هذا الأثر وحلّت عقدة السياق بما هيّأته هي والكوّة التي تضمّها من تناسق وتناغم مما يتضح معه أن التكوين المثلث الشكل للشخوص لم يكن وحده الهدف المقصود، فثمّة أيضاً تطوير في العلاقة بين الشخوص والعمارة إذ تنطوي هذه الكوى على تباين نحسّ معه أن الشخصية المتربعة في قمة المثلث تكاد تكون مضغوطة داخل كوتها، غير أن انفساح المجال المحيط بها على كلا الجانبين يبدّد هذا الضيق ويخفّف من أثره، فبينما تحيط الكوّتان إحاطة تامة بشخصيتي القائدين المتوفيين دون أن تخلّف أي فراغ غير ضروري يضعف من أثر التكوين الفني، بلغت الكوتان من الضحالة ما جعل التمثالين يبرزان خارجهما في جرأة متناهية. ويتساءل فلفلن دون أن يهتدي إلى إجابة شافية لماذا أغفل ميكلانجلو وضع “جبين مثلث” فوق الكوة الوسطى التي تعلو شخصية المتوفى، على حين وضعه فوق كل من الكوتين الجانبيتين الخاليتين؟ والراجع أن الهدف الأساس من تشييد المبنى كان تهيئة مكان تتجلى فيه الشخوص المنحوتة أمام عناصر معمارية بسيطة وتابعة كان من الممكن أن تفقد رهافتها إذا ما أضيف جبينٌ مثلثٌ يثقل قمة الكوة التي تحتوي التمثال. ولعل هذا أيضاً يشفع لميكلانجلو تصميمه لأغطية التوابيت ضيقة قصيرة منحدرة، لأنه بلا ريب قد قصد إلى أن تبدو الشخوص الراقدة فوقها شخوصاً صرحية ضخمة بحق، فليس ثمّة قاعة في العالم كله تكاد المنحوتات تنطق فيها بمثل هذه القوة والتناغم، بعد أن خضع التصميم المعماري كلّه بكسواته الجدارية النحيلة وبالاستخدام المتحفّظ للبعد الثالث لسطوة التماثيل التي حرص ميكلانجلو على أن تبدو ضخمة بالنسبة للقاعة، حتى ليضطر الزائر إلى التراجع مرّة ومرّة حتى يفلت من الإحساس بتطويقها له فإذا هو يراها رؤية سوية. تُرى أي تأثير كان من الممكن أن نستشعره لو تحققت الفكرة الأولى التي راودت ميكلانجلو حين انعقدت نيته على إضافة أربعة شخوص أخرى تمثّل آلهة الأنهار الكلاسيكية مستلقية على الأرض؟ يقيناً إن الأثر كان سيكون ثقيل الوطأة وغير مواكب لمفهوم الجمال في عصر النهضة المترع بالانطلاق والتحرّر. على أن الظروف لم تتهيّأ لميكلانجلو كي يكمل هذا المصلى بنفسه فالمعروف أن فاساري هو المسؤول عن الشكل الحالي له والذي لا شك يقوم على أفكار ميكلانجلو الأساسية. وإذا كانت بعض العناصر المعمارية قد جاءت داكنة اللون إلا أن المصلى برمّته ذو لون واحد هو الأبيض وراء الأبيض، فكان بذلك الإرهاصة الأولى العظمى لطرازنا العصري الذي لا يعبأ كثيراً بتنوع الألوان. وإذا كان ميكلانجلو قد اختار الشخوص التي تمثل “مواقيت اليوم” بديلاً عن الشخوص التي تمثل “الفضائل” فذلك لأن الفرص المتاحة لتمثيل المواقيت المتعدّدة للنهار والليل من خلال وضعات متنوعة كانت أغزر من تلك التي تتيحها مجموعة الفضائل، الأمر الذي يكفي وحده لتفسير قرار ميكلانجلو الذي لا شك قد انطلق من
حاجته الملحة إلى وضعة راقدة تتيح له الجمع المبتكر الموفق بين الوضعة المستلقية ووضعة الجلوس الرأسية، وهو ما أتاح له الفرصة أيضاً لإيداع أكبر شحنة من التباين في تشكيله النحتي، حيث تقترب الأطراف من بعضها البعض على الرغم من انطوائها على حركات متناقضة، وإن المضاهاة بين تماثيل آلهة الأنهار الكلاسيكية وشخوص ميكلانجلو المستلقية لتلقي ضوءاً ساطعاً على نهجه وأسلوبه، إذ أنه على الرغم من اقتباسه للفكرة الرئيسية للحركة إلا أنه يبث فيها ثراء يبزّ به كل من سبقوه: فالتواء الجسد الأنثوي لتمثال “الفجر” بضريح لورنزو (لوحة 306) بينا ينبسط ناهضاً لمواجهة المُشاهد أمر غير مسبوق، والشكل الآسر لساق وفخذ الأنثى الغافية التي تجسّد الليل عند انثناء ركبتها لا ضريب له، (لوحة 307). ولو أن ميكلانجلو قد بسط ساقها أفقية لما تبدّى الطائران البديعان اللذان أطلّ أحدهما من الفجوة القائمة بين الفخذ والساق على حين استندت قدم الأنثى على ظهر الطائر الآخر. ونحن إذا أطلنا النظر في تكوين هذه الأنثى التي تتفجر إثارة والتي قد تغرينا فيها الأثداء الشبقة الممتلئة الريّانة، والتي قد تخدعنا سيقانها الفارهة البضة، فإن قدراً أكبر من التأمّل فيها وفي الأنثى التي تجسّد “الفجر” سيكشف لنا عن اختباء ملامح غلمانية كتلك التي سوف نراها في غلمان ميكلانجلو العراة “إنيودي” المصوّرين على سقف مصلى سيستينا، حيث أخفى وراء فتوّة غلمانيتهم سحراً أنثوياً دفيناً، وهو بهذا وذاك قد قادنا مسحورين إلى عالم غريب لم يعرفه بعد عالمنا الواقعي.
ويمثل “النهار” في ضريح جوليانو (لوحة 308) عملاقاً هرقلي المظهر مفتول العضلات تلتفت رأسه من فوق كتفه صوب المشاهد بوجه غائم القسمات. وإذا انتقلنا إلى تابوت لورنزو طالعنا الجلال مشرقاً على جسدي شخصيتي “الغروب” و”الليل” الراقدتين بين النوم واليقظة والتي يرمز فيها الكهل المنهك المسترخي بحق إلى “الغروب”، غروب النهار وغروب حياته (لوحة 309). ومردّ الإثارة الشديدة الصادرة عن هذه الأشكال هو تنوّع المستوياتالمستوى هو الموضع الخاص بكل جسم أو شكل مرسوم أو منحوت بالنسبة إلى غيره في الطبيعة وقرباً أو بعداً إلى الفنان (م. م. م. ث). ، والتباين الجلي للاتجاهات التي تسلكها المحاور المتعدّدة. ومع ذلك فعلى الرغم من هذه الخصوبة تبدو الشخوص المنحوتة في حالة استرخاء، وفي مقابل الميل الحاد نحو تفسّخ الأشكال وانحلالها يتصدّى لها ميكلانجلو بإرادة أشدّ حدّة في سبيل خلق “الشكل” المتماسك.
ولا يعود جلاء الشخوص فقط إلى أن المنحوتات قد استوعبت كافة المضامين الجوهرية وإلى أن المحاور الرئيسية شديدة الوضوح، بل لأن الشخوص قد احتوتها أطر مشكّلة من الفراغ، كما نُسّقت تفاصيلها في طبقات متعاقبة وراء بعضها البعض فبدت وكأنها نحت بارز. وما من شك في أن أروع ما يبثه فينا تمثال “الفجر” برغم تأجّج صاحبته بالحركة هو تبدّيه لنا في مستوى واحد، فعلى حين تشكل ذراعها اليسرى المرفوعة وكفّها المنكفئ على كتفها خلفية محايدة يمتد كل ما هو أمام الذراع موازياً له وفي المستوى نفسه. لقد غدت منحوتات ميكلانجلو النموذج المثالي الذي لقن عنه الفنانون اللاحقون قواعد الحركة ومضوا يحذون حذوه محاولين – دون جدوى – تجاوزه، ذلك أنهم لم يفطنوا قط إلى سرّ قدرته على شحذ أعماله بالسكينة والتناسب والاتساق، فقلّما نجد في أية منحوتات أخرى معالجة أشدّ إقناعاً باليقظة المثقلة بالنعاس مثلما نرى في تمثال “الفجر” على سبيل المثال.
على أننا نلحظ تغيّراً قد اعترى وجدان ميكلانجلو في جميع منحوتات هذا المصلى، فلم يعد مناخ التحرير والانطلاق والبهجة الذي سنلتقي به في تصاوير مصلى سيستينا شائعاً محلّقاً، فضلاً عن أن “الحركة” قد غدت أثقل وأبطأ. وإذا كانت الأجساد قد انسلخت قليلاً عن معايير الرشاقة المألوفة حتى بدت كجلاميد الصخر التي تميّز سلاسل الجبال عن بُعد إلا أنها تنطق مثلها بشموخ ومهابة وسكينة واستقرار.
ولما كان القصد من الضريح أن يكون صرحاً لتخليد ذكرى رجل عظيم بينا هو على قيد الحياة لا لصورته المتّسمة بسكينة الموت، فقد مثّل ميكلانجلو البطل المتوفى جالساً. وما من شك في أن اختياره لوضعة الجلوس المسترخية لتصوير قائدين عسكريين دون أن يبدو على أيّ منهما ما ينم عن مواهبه القتالية – وإن انفرد كل منهما بما يميّزه عن الآخر كما سبق القول، فأحدهما مستغرق في التأمّل والآخر يتطلع لوهلة إلى جانبه – أقول لا شك أن هذا الاختيار كان تطوراً مذهلاً طرأ على أيقونوغرافية علو المحتد وتصوير التميّز الطبقي منذ أنجز فيروكيو تمثال الكوليوني [القائد – الفارس] (لوحة 154) حتى جاء ميكلانجلو فأشاع نموذج [القائد – الجالس] الذي غدا من بعد النمط الشائع في تصوير كبار القادة العسكريين.
على أن هذا التناول المبتكر للشخوص الجالسة ما يلبث أن يحرّك فينا الإعجاب إذا ما ضاهيناه بالحلول العديدة التي قدّمها ميكلانجلو نفسه من قبل، وأحدها تمثال موسى (لوحة 294)، وإذ ينطوي كل من تمثالي جوليانو ولورنزو دي مديتشي على تغييرات جوهرية تنزع نحو ثراء المعالجة الفنية، حيث نلمس في تمثال جوليانو الذي يحمل عصا القيادة اختلافاً في مستوى الركبتين وفي تشكيل الكتفين مما جعل القيم النحتية للشخوص الجالسة تقاس منذ هذه الحقبة وفقاً لهذه المعايير. ولم يمض وقت طويل حتى بلغ التطرّف بالفنانين حداً مثيراً بتقديم أحد الكتفين عن الآخر ورفع أحد القدمين والتواء الرأس، على حين أغفل الجميع المعنى الدفين الذي أضمره ميكلانجلو في الشكل العام للتمثال. ولم يشأ ميكلانجلو أن يصوّر الصفات الشخصية للبطلين ولم يعن حتى بمشابهة تمثاليه لشكليهما الحقيقيين كما مر بنا، كما قصد إلى تصوير ثيابهما مثالية. كذلك ليس ثمة نقش مكتوب يلقي الضوء على الهدف من هذه المنحوتات ولعله أغفل ذلك عن عمد. وقد دُفِن لورنزو وأخوه جوليانو أسفل جدار المدخل، بينما نُصبت فوقهما مجموعة منحوتات “للعذراء والطفل” أنجزها ميكلانجلو نفسه – يحفّ بهما القدّيسان الراعيان لأسرة مديتشي: كوزماس وداميان، وضع ميكلانجلو تصميمهما تاركاً لتلامذته مهمة إنجازهما.

ميكلانجلو. معركة القنطوري. دار بوناروتي بفلورنسا.

ميكلانجلو. العذراء الأسيانة -بييتا-. كنيسة القديس بطرس بالفاتيكان.

تفصيل من لوحة 290.

ميكلانجلو. العذراء والطفل – عذراء بيتي- . متحف الباجيللو.

ميكلانجلو. عذراء الدرج. دار بوناروتي بفلورنسا.

ميكلانجلو مصوراً

ميكلانجلو مصوراً

كم تبدو غريبة لوحة العائلة المقدسة [المصوّرة على الخشب بالراتينج والتمبرا] بمتحف الأوفيتزي بفلورنسا والمعروفة باسم “عذراء دوني” نسبة إلى أنجيلو دوني أحد رعاة الفن الذي عهد إلى الفنان برسمها (لوحة 310). بل إن من العسير إفساح مكان لها بين الصف الطويل من صور العائلة المقدّسة خلال القرن الخامس عشر إذ تبدو العذراء أقرب للذكور منها للإناث، فهي ناتئة العظام عارية الذراعين حافية القدمين جالسة القرفصاء على الأرض وقد انثنت ساقاها تحتها ومدّت ذراعيها من فوق كتفها لتتناول طفلها من القديس يوسف الجالس خلفها، لكنها ليست مريم الأم العذراء المقدسة وإنما هي مريم التي تمثّلها الفنان بطلة من البطلات. وتشابكت شخوص المجموعة أثناء حركاتها بشكل محيّر حتى يخيّل إلى المشاهد أن هذا الرسم ليس إلا مراناً على تصوير الجسد خلال حركته ومحاولة للظفر بحل لإحدى مسائل التشكيل الفني الأمر الذي دفع نقّاد القرن التاسع عشر إلى النيل من هذه اللوحة بالإجماع. فعلى حين يذهب بوركهارت إلى أنه “ما من إنسان يستطيع أن يصور العائلة المقدسة وقلبه منطو على مثل هذه المشاعر”، ثم يضيف أنه قد اكتشف ما تضمّه الصورة من تعقيدات قصد إليها الفنان، لا يتردّد جوستي في اعتبار أن التلاعب في تنسيق وضع الأطراف يهوّن من تأثير اللوحة، فإذا ميكلانجلو يصوّر مسحة الغبطة التي تفيض في وجه الأم وكأنها حركة بدنية. ويسخر ستندال قائلاً: “إن هذه المهمة بما تتطلبه من جهد مكثف غير خليقة بميكلانجلو لكأنه البطل هرقل وقد جلس إلى عجلة المغزل”، وهكذا تكون هذه اللوحة أقل تصاوير الفنان إحرازاً لتقدير الجميع. وثمة ما يرجّح قول المؤرخ والفنان فاساري بأن أنجيلو دوني الذي كان من المتحمّسين لنظرية الفن من أجل الفن قد تردّد في قبول هذه اللوحة. وبرغم هذه الآراء المعادية الساخرة فلا نزاع في أن هذه اللوحة معجزة من معجزات التصوير، فهي تنطوي على تكوين أخّاذ كما تحمل في أحشائها الجنين الذي سيجعل من سقف مصلى سيتينا عملاً بالغ التفرد، فالعذراء هنا تكاد تكون شقيقة عرّافة دلفي، بينما الفتى الذي يحجبه يوسف هو إرهاصة بغلمان السقف العراة.
ومن الواضح ان هدف ميكلانجلو كان تسجيل أقصى درجات الحركة في أضيق مساحة متاحة، مما يكمن المعنى الحقيقي للصورة في طواعيتها التشكيلية المركزة. وقد يحلو للبعض ان يعدّها تحدّياً أراد ميكلانجلو أن يبزّ بها ليوناردو، إذ أن تاريخ إنجازها يرجع إلى الوقت الذي أتمّ فيه ليوناردو مخطط [كرتون(107) Cartoon الكرتونة أو المسودّة أو الرسم التمهيدي، وهو الرسم التقريبي المجمل الذي يخُطّ على الورق المقوّى لكي يتخذه الفنان مرجعاً ينقل عنه لوحته المصورة أو نسجيته المرسّمة أو لوحات الفسيفساء أو الزجاج المعشّق. ويطلق هذا المصطلح كذلك على الرسوم الهزلية الساخرة (م.م.م.ث). ] “للعائلة المقدسة مع القديسة حنة” (لوحة 252) الذي أثار الجدل وظفر بالإعجاب لأسلوبه المبتكر في تصوير الشخوص الشديدة التلاصق. فاستبدل ميكلانجلو القديسة حنة بالقديس يوسف، غير أن المشكلة الفنية بقيت هي التنسيق بين أشكال شخصين وطفل تتقارب أجسادهم دون أن تفقد الوضوح أو توحي بالإحساس بالزحام. والحق إن ميكلانجلو قد تجاوز براعة ليوناردو في تنوع اتجاهات المحاور، كما بلغت الحواف المحوطة ووسائل التجسيم من الدقة ما جعل اللوحة تبدو وكأنها نقش بارز ملون لا لوحة مصورة.
والمعروف أن “الطواعية التشكيلية” كانت دائماً مصدر قوة الفلورنسيين، فهم سلالة من النحّاتين أكثر مما هم سلالة من المصورين، لكننا نرى هذه الموهبة القومية قد بلغت في هذه اللوحة شأواً مهّد الطريق لتفسيرات جديدة لما ينبغي أن يصبو إليها التصوير الرفيع المستوى. وحتى ليوناردو نفسه لم يقدم شيئاً يطاول ذارع العذراء الممتدة ذات الأهمية الجوهرية في التكوين كله والزاخرة بالحياة عند كل مفصل وعضلة والتي كشف عنها ميكلانجلو بحرصه على تصويرها عارية تماماً حتى الكتف. على أن تأثير هذه اللوحة لم يبق محدوداً داخل فلورنسا، فما أكثر ما أثارت بحوافّها المحوّطة وبظلالها المتألّقة المُعارَضة في كل مكان ضد أنصار تقنية الإشراق والعتمة [الكياروسكورو].
لم يكن غير الجسد الإنساني في نظر ميكلانجلو شيء يستحق التمثيل والتسجيل، بل إن كل ما عداه من الكائنات أطياف لا وجود لها. ولم يكن الجنس البشري بالنسبة إليه هو ملايين الأفراد الذين يدبون على الأرض، لكنه جنس خاص بالجلال والجبروت. ولا نزاع في أن “القيمة اللمسية” و”عنصر الحركة” صفتان فنيتان لا غنى عنهما في تصوير الشخوص كما قدمت، فمن خلالهما أساساً يضفي التصوير معنى جديداً على الحياة. وإذا كان من الممكن تحريك الإحساس بالقيم اللمسية عبر أردية الشخوص المكتسية إلا أن الرداء في حقيقته عائق، ثم إنه في أحسن الأحوال وسيلة للخروج من مأزق، لأننا نكاد نحسّ به يحجب عنّا ما هو ذو دلالة مادية مباشرة وهو الشكل الذي يختفي وراءه. وعلى حين أن الفنان العادي الذي يقنع بتصوير ما يراه كل إنسان ويلجأ للتصوير لمتعة التصوير فحسب لا يغمره هذا الإحساس، لأن ما هو ذو دلالة مباشرة لديه هو ما هو جلي في الشخص المصور كالوجه والثوب كما هي الحال في أغلب البورتريهات العصرية، فإن الفنان النابه يلجأ عندما يضطر إلى تصوير شخوص كاسية إلى التحايل في تصوير الثياب كي يكشف عما تستره، أو بمعنى آخر كي يكشف عن الدلالة المادية المباشرة للجسد البشري. وإذ كانت الأردية عائقاً يحول دون نقل القيم اللمسية إلى المشاهد فإنها في الوقت نفسه تغلّ التعبير عن الحركة بل وتجعله عصياً مستحيلاً. فإذا شئنا أن ندرك حركة العضلات في كل جزء من أجزاء الصورة، وأن نحس إحساساً تاماً بالضغوط والمقاومات والحركات الخفيّة للجسم، وأن نتلقّى الانطباع المباشر بالطاقة المبذولة من الجسد المصوّر، فلا معدى عن أن يكون هذا الجسم عارياً. ففي هذه الحالة فقط نستطيع أن نلحظ توتر العضلات وارتعاش البشرة وتجاعيدها، واسترخاء الوضعة، وتميز الأطراف والنتوءات التي تطفر فوق الجسد كله وكأنها انبثاقات طاقة دفينة من جسد عملاق. وكلما نجح الفنان في ترجمته لانفعالات الجسد الذي يصوّره أعاننا على إداركها بطريقة تلقائية نظراً لتعدّد المعاني ووضوح الرسائل الموجّهة إلينا من الصورة وتشبعها بالقوى الإيحائية، في حين أننا نفتقد في الشخص المكسو بالرداء المعاني المشتقة من العضلات والجلد المرئيين، وحينئذ لا ندرك حركة الجسم إلا بعد تأمّل دقيق لبعض الحواف المحوطة التي تلعب دوراً في تحديد شكل الجسم بحيث يأتي الإحساس بقوّة الصورة وتأثيرها متأنّياً بعد إدراكنا للحركة الكامنة فيها.
من كل هذا يتجلّى لماذا استحوذ العُري على الفن الكلاسيكي في مختلف أطواره، ليس بوصفه أفضل وسيلة تبعث الحياة في الفن فقط بل لكونه أكثر ما يُشغل به العالم الإنساني. كذلك كان ميكلانجلو أول فنان بعد عصر النحت الإغريقي يدرك عن وعي هوية العُري في فن تصوير الشخوص، فمن قبله كان العري يدرس بوصفه وسيلة علمية تعين على تصوير الإنسان المكسو بالثياب، فجاء هو ليكشف أهمية العرى كغاية في ذاته وهدفاً نهائياً لتعبيره الفني، فالفن والعُري عنده مترادفان. ولن نجد في غير أعمال ميكلانجلو – إذا ما طرحنا جانباً روائع الفن الإغريقي وتصاوير لوقا سنيوريللي – أشكالاً تعزّز إحساسنا بقوة أثر الصورة علينا وتصل حركاتها إلى وجداننا مباشرة فندرك عمق استلهاماته.
وقد كان لغيره من الفانين شعور بالقيم اللمسية وحدها كمازاتشيو، وكان لغيره شعوره بالحركة والقدرة على أدائها كليوناردو، ولكن لم يسبق لفنان في عصره أن امتلك ناصية القدرة على التقاط العناصر ذات الدلالة المادية المباشرة وتسجيلها مثله من خلال الموضوع الوحيد القادر على إبراز قيمته الكاملة وهو العُري، ومن هنا فاق فنه كل منجزات العصر الحديث في إنعاش وجداننا والظفر بإعجابنا. وبالإضافة إلى هذا الإحساس بالدلالة المادية المباشرة، وإلى تلك القدرة الفائقة على التعبير عنها وإلى كل هذه البراعة الفنية، زوّدنا ميكلانجلو بمَثل أعلى للجمال المقترن بالقوة، وبرؤيا لإنسانية شامخة كان يتوق إلى رؤيتها تدبّ على أرضنا ذات يوم. فنحن لن نلتقي كثيراً بمثل هذه الفحولة والعنفوان وشدّة التأثير وتجسيد حلمنا بروح متسامية تسكن جسداً بديعاً مثلما نلتقي بتلك الأشكال المرسومة على سقف مصلّى سيستينا. فلقد وضع ميكلانجلو الخاتمة لما بدأه مازاتشيو وهي إبداع نمط إنساني مؤهّل لتطويع العالم وتوجيهه نحو التألّق والحقّ والخير والجمال.
ويتجلّى عمق إيمان ميكلانجلو بالجسد البشري العاري كموضوع أساسي للفن التشكيلي في أنه حين كلّف في غمرة الحماس الذي صاحب قيام الجمهورية بفلورنسا برسم لوحة بطولية تزيّن القاعة الكبرى المتخذة لانعقاد مجلس المدينة الجديدة جرى ذهنه إلى معركة كاسكينا التي دارت خلال الحرب بين بيزا وفلورنسا عام 1364، غير أنه لم يختر من فصولها إلا لحظة غير مألوفة في تصوير المعارك هي تلك التي كان الجنود الفلورنسيون يستحمّون خلالها في نهر الأرنو، فإذا نفير التحذير ينطلق مُعلناً هجوم العدو. وإذا كان ميكلانجلو قد اختار هذه اللحظة لهدف سياسي هو حفز الفلورنسيين على اليقظة الدائمة حتى لا يأخذهم على غرّة عدوّهم المتربّص في بيزا والذي ظلّت الحرب معه سجالاً طوال الأعوام من 1496 – 1509، فقد جاء اختياره لهذه الزاوية من الموضوع نتيجة إيمانه بقدرة الجسد البشري العاري على حمل جميع الأفكار والعواطف والتعبير عن مختلف الانفعالات. ولا شكّ أنه كان أقدر على أن يجسد فكره وانفعالاته في عراة النهر أكثر مما يجسّده الجنود الممتطين صهوات الجياد. ثم إن اختيار مثل هذا المشهد لتصوير جداري تذكاري لهو أقوى شهادة على نفاذه إلى جوهر الذوق العام الفلورنسي، رجال يتسلّقون بجهد ضفّة النهر الشديدة الانحدار، وآخرون يجثون لأسفل، على حين يبادر الجنود المنتصبو القامة إلى تناول أسلحتهم بينما يسرع الجالسون بارتداء ثيابهم، هذا إلى أولئك الجند الذين يهرعون صائحين. كل هذا قد أتاح للفنان تسجيل حركات شديدة التنوّع وتصوير حشود من الأجساد العارية دون أن يعتدي على صدق التاريخ. وما أكثر ما صوّر الفنانون الفلورنسيون المولعون بأصول التشريح الأجساد العارية من قبل، غير أن مضاهاة تصاويرهم بتصاوير ميكلانجلو تبيّن لنا أنه أبدع نمطاً جديداً في عالم تمثيل “الحركات” إلى جانب أنه كان أول من أسبغ الترابط والوحدة الحقّة على أعضاء الجسد البشري. ومهما بلغ عنف المحاربين في الصور السابقة عليه فقد كانت شخوصهم محدودة الأوضاع، على حين أن ميكلانجلو كان أول من صوّر الجسد البشري في مختلف الأوضاع والإيماءات والحركات البدنية الممكنة إلى حد أن التشابه بين أي شخصين من شخوص هذه اللوحة أقل كثيراً من تشابه كافّة شخوصه القديمة بعضها ببعض، حتى لنخال أنه أوّل من اكتشف البعد الثالث والتضاؤل النسبي برغم كافة المحاولات والأبحاث الشائقة التي تحقّقت قبله. وإن تنوع الحركة الذي أبرزه ميكلانجلو مردّه ببساطة إلى أنه قد استوعب بنيان الجسد البشري وكأنه ينفذ ببصره إلى هيكله العظمى وعضلاته عبر البشرة والجلد. وبرغم أنه لم يكن أول من درس التشريح بين الفنانين إلا أنه كان أول من أدرك ببصيرته الوحدة العضوية للجسد البشري واكتشف التأثيرات المادية الموحية بالحركة. فإذا هو يغمر تصميماته بالأشكال المعبّرة والعلاقات العضوية النابضة بالحركة. ومن المؤسف أن المخطّط المبدئي أو الرسم التمهيدي الكامل لهذه اللوحة بحجمها الأصلي وهو التصميم الذي ندعوه “الكرتون(107) Cartoon الكرتونة أو المسودّة أو الرسم التمهيدي، وهو الرسم التقريبي المجمل الذي يخُطّ على الورق المقوّى لكي يتخذه الفنان مرجعاً ينقل عنه لوحته المصورة أو نسجيته المرسّمة أو لوحات الفسيفساء أو الزجاج المعشّق. ويطلق هذا المصطلح كذلك على الرسوم الهزلية الساخرة (م.م.م.ث). ” (لم يترفّق به الزمن، فَقَد فُقِد بعد أن وصفه الفنان بينفينوتو تشيلليني بأنه كان أعظم عمل قدّمه ميكلانجلو، وأنه يمثل بحق “أكاديمية الرسم العالمية”، بل إنه يفوق في عظمته تصاوير سقف مصلى سيستينا (لوحة 311). والدليل على صدق هذا الوصف أن عشرات الفنانين قد عكفوا على استنساخ رسوم وتصاوير شتى نقلاً عن هذا المخطط، وعلى رأسهم رافائيل وأندريادل سارتو وأرسطوطيل دي سانجالو (لوحة 312)، ويذهب فاساري إلى أن المخطط كان يضم عدداً لا حصر له من الجند على صهوات جيادهم وقد شرعوا في القتال.
كانت الأجسام العارية والحركة هما هدفا فن ميكلانجلو، بدأ بهما منذ كان صبياً عندما أنجز النحت البارز لمعركة القنطوري (لوحة 289)، ومضى يكرّر أسلوبه في عنفوان شبابه حتى بلغ قمة النجاح الذي اجتذب الفنانين إلى الأخذ عنه. ولقد تجاوز الوفاء للطبيعة في مخطط معركة كاسكينا أي عمل فنّي ظهر خلال القرن الخامس عشر، فثمة صلة مباشرة تربطه بالفن الكلاسيكي القديم وهي تصوير الجسد العاري محقّقاً أحد طموحات عصر النهضة الكبرى، وهكذا أصبح ميكلانجلو وهو في سن الثلاثين أعظم فنان في إيطاليا. فلقد بقيت شهرة لوحة معركة كاسكينا التي لم يعرف العالم منها غير تصميمها المبدئي بوصفها أول إعلان “بأن الجسد الإنساني الذي كان عُريه مبعث العار خلال العصور الوسطى يمكن أن يكون وسيلة للتعبير عن أنبل المشاعر وعن الطاقة الباعثة للحياة وعن الكمال الإلهي، وهو المفهوم الذي كان له شأن خطير على الذهن البشري لمدة أربعمائة عام إن لم نقل حتى تصويرة بيكاسو المعروفة باسم صبايا أفينيون(108) Clark, K.: Civilisation, A Personal View, British Broadcasting Corporation. John Murray. London 1969. “، ولا يمكن إنكار أنه مفهوم إغريقي، إذ كان ميكلانجلو قد أشرب في مبدأ الأمر تأثّراً مباشراً بالنحت القديم غير أنه لم يلبث أن لوّنه بأصالته وصبغه بعبقريته، وهو ما يتجلّى في القوى الروحية التي تنبض في أجساد عرايا مخطط معركة كاسكينا.
ولم يكن ميكلانجلو مصوّراً فحسب بل كان بالمثل مهندساً ونحّاتاً وشاعراً. ويتجلى تفوقه نحاتاً ومصوراً في إحدى اللوحات النادرة المستقلة التي أنجزها ولم يكملها وهي لوحة “دفن المسيح(109) The Entombment بعد موت المسيح تقدم أحد أعيان الرامة ويدعى يوسف الرامي إلى الحاكم الروماني بيلاطس يطلب تسليمه جسد المسيح فأجابه إلى مطلبه. وكان يوسف من المؤمنين بالمسيح سراً فأخذ جسده بعد إنزاله من على الصليب، ولفّه في الكتان المضمّخ بالكافور حسب عادة اليهود وواراه في قبره الذي شيّده لنفسه نحتاً في صخرة قريبة لأورشليم، ثم دفع بحجر ضخم يسدّ به مدخل القبر، الذي جلست إليه مريم المجدلية ومريم أم يعقوب تبكيانه. ويصور المسيح في هذا المشهد عادة بعد موته بينما يودع جثمانه القبر إما في وضع أفقي أو جالساً وقد تجلّت جروحه تسنده الملائكة، كما يظهر معه في هذا المشهد في أغلب الأحوال مريم العذراء ويوحنا الإنجيلي ومريم المجدلية ومريم أم يعقوب (م.م.م.ث). ” (لوحة 313). وفيها يمكننا دراسة تقنيته بدءاً من لحظة وضع الخطوط الأساسية الأولية للتكوين الفني الذي لا يستخدم فيه إلا أقل قدر من الرسم التحتي (أو التحضيري(110) Under painting التصوير النحتي أو التأسيسي هو الطبقات البينيّة أو السُّفلية التحضيرية للشكل النهائي للصورة وتكون عادة بلون أحادي Monochrome (م.م.م.ث). ) حتى الشكل الكامل للمسيح الذي يبدو كالرخام المصقول. أما إيقاع الشخوص المائلة إلى الخلف التي تغمر الصورة فهي إبداع فنان اعتاد تصوير المشاهد السردية الضخمة الحجم على السقوف والجدران حيث تتناغم الألوان الخضراء الداكنة والوردية والبرتقالية كل منها في كتلة منعزلة أحادية اللون. ويُذهلنا مشهد الشخوص المشدودة بنفس شرائط كفن المسيح المسترخي فتبدو كأنها وحدة متماسكة شُكّلت من كتلة واحدة من الرخام، وعلى غرار منحوتات ميكلانجلو تبدو الأشكال وكأنها كامنة منذ الأزل في جوف الحجر في انتظار أن يكتشفها الفنان فيبرزها بإضافة الألوان لا بتحديد خطوطها بالإزميل. وتتعاون هذه الشخوص الفريدة الجامدة الحس الإلهية الطابع وهم يوسف الرامي والمريمات الثلاث(111) The Holy Women of the Tombs المريمات الثلاث: يوم أن صُلب المسيح كانت القديسات وعلى رأسهن العذراء مريم يختلفن المرّة بعد المرّة إلى حيث صُلب، وكن يذهبن جماعة بعد جماعة. ويُعرف منهن على التحقيق ثلاثة أسماء: هنّ مريم العذراء أم عيسى، والثانية أختها وكانت زوجة لكلوبا (وقيل إنها سالومي أم يعقوب بن زبدى ويوحنا الرسول)، والثالثة مريم المجدلية، ومن هنا أطلق عليهن “المريمات الثلاث” (م.م.م.ث). والقديس يوحنا الإنجيلي الذي صبغه الفنان بسمات الخنثوية على حمل جسد المسيح لإيداعه القبر. وما من شك في أن الشكل الإنساني وحده كان أهم ما شغل ميكلانجلو فلم يسجّل المنظر الطبيعي إلا بخطوط تجريدية، وحتى جسد المسيح لم يترك فيه أثر جرح أو دماء، كما تناسى الصليب وتل الجلجثة. والثابت أن تأثر ميكلانجلو بالنحت الكلاسيكي كان جارفاً وهو ما يتجلى في هذه اللوحة بصفة خاصة، ولا غرو ففي 14 يناير 1506 تم اكتشاف تمثال “اللاؤوكون” من العصر المتأغرق في أحد مزارع الكروم بروما (لوحة 296). وأغلب الظن أن ميكلانجلو قد تأثر في رسم الشخوص المشدودة في شرائط كفن المسيح بتحويات الأفاعي الملتفة بالكاهن وولديه، إذ أنه أنجز هذه اللوحة بعد سنة من اكتشاف مجموعة اللاؤوكون النحتية. وثمة لوحة بديعة أخرى تنسب إلى ميكلانجلو لكنه لم يكملها، نرى فيها السيدة العذراء والطفل يسوع مع يوحنا المعمدان الطفل والملائكة الذين لم يكتمل رسم اثنين منهم كما لم يكتمل تشكيل شعر العذراء (لوحة 314).

ميكلانجلو. العائلة المقدسة -عذراء دوني- . متحف أوفتزي بفلورنسا.

ميكلانجلو. دراسة لمعركة كاسكينا. بقلم ميكلانجلو.

أرسطوطيل سانجالو: معركة كاسكينا. مجموعة إيرل لستر الخاصة. قاعة هولكام

ميكلانجلو. الدفن. الناشونال جاليري بلندن.

ميكلانجلو. العذراء والطفل ويوحنا. الناشونال جاليري بلندن.

بييرو دللا فرنشسكا (1416- 1521)

بييرو دللافرنشسكا. تعميد المسيح. ناشونال جاليري بلندن.

بييرو دللافرنشيسكا. استقبال الملك سليمان لبلقيس وحاسية ملك سبأ.

بيرو دللا فرنشيسكا: استقبال الملك سليمان لبلقيس ملكة سبأ (تفصيلات).

بيرو دللا فرنشيسكا: استقبال الملك سليمان لبلقيس ملكة سبأ (تفصيلات).

بيرو دللا فرنشيسكا: استقبال الملك سليمان لبلقيس ملكة سبأ (تفصيلات).

بيرو دللا فرنشيسكا: استقبال الملك سليمان لبلقيس ملكة سبأ (تفصيلات).

بييرو دللا فرنشسكا

بييرو دللا فرنشسكا (1416- 1521)


استصفى فن سيينا ما عنده واستنفذ قواه في تقديم مُثل العصور الوسطى ومشاعرها في كم وكيف لا يباريان، وبقي على مدرسة أخرى من مدارس وسط إيطاليا هي مدرسة أومبريا أن تحمل على عاتقها مُثُل عصر النهضة بأساليب لا تختلف كثيراً عن أسلوب “مدرسة” سيينا وإن اختلفت النتيجة. فلم يحرص فن إقليم أومبريا كثيراً مثل فن سيينا على القيم اللمسية والحركية، كما أنه لم يكن أقل منه ولعاً بالتصوير الإيضاحي Illustration للتعبير عن متطلبات تلك الحقبة. وحين نتناول بالحديث فناني أومبريا لا غنى لنا عن أن نعرض لشخصيتين من عباقرة التصوير من سكان جنوبي توسكانيا هما بييرودللا فرنشسكا Piero della Francesca، ولوقا سنيوريللي. وبييرو هو تلميذ أوتشيللو في رسم المنظور وكان هو نفسه ضليعاً في اللغة اللاتينية والرياضيات، كما ألف رسالة علمية حول المنظور ودرس طبيعيات الضوء. ولم يكن بييرو يقل عن جوتو ومازاتشيو إحساساً بالقيم اللمسية وقدرة على التعبير عن قوى الجهود والضغوط والحركة التي نافس فيها دوناتللو.
ولعلّه أول من استغل الضوء المباشر المخفّف والملطّف على ما نرى في لوحة انتصارات دوق أوربينو ذات الطيّتين التي كلّف بإعدادها بمناسبة زواج الدوق فريدريكودا مونتيفلترو راعي الفن في مدينة أوربينو مثلما كان شأن لورنزو العظيم في مدينة فلورنسا. فظهر على أحد وجهي اللوحة صورة الدوق المشهور بالخدش الواضح فوق أنفه المتخلّف عن طعنة سيف وعروسه (لوحة 382-383)، بينما يظهر على الوجه الآخر مشهد العروسين فوق مركبات الزفاف (لوحة 384).
كذلك تتجلى قدرات بييرو الفريدة في لوحة “تعميد المسيح” (لوحة 385). التي تُنبي فيها تكويناته عن فكره الرياضي ويطبّق في تصميمها القواعد الهندسية تطبيقاً صارماً، فنرى ساق الشجرة يشطر مساحة اللوحة وفقاً لقانون النسبة الذهبية(118) Golden Section قانون النسبة الذهبية. قانون هندسي يوناني قديم بقي قروناً طويلة أساساً لتوافق النسب في الطبيعة والفن. ويقضي بأن تكون نسبة القسم الأكبر من خط أو مساحة ما إلى المجموع الكلي لهذا الخط أو تلك المساحة تعادل نسبة القسم الأصغر إلى القسم الأكبر. وهي عند الفنانين النسبة المثالية التي يتم بها اتفاق النسب دون إخلال، كنسبة 3: 5، 5، 8: 13، 13: 21 وهكذا (م.م.م.ث). اليوناني الأثير عنده والذي يقضي بأن تكون نسبة القسم الأكبر من مساحة ما إلى المجموع الكلي لتلك المساحة تعادل نسبة القسم الأصغر إلى القسم الأكبر. كما تتجلّى في هذه اللوحة البديعة أيضاً نزعة الفنان إلى الألوان الشفافة والوضعات الواضحة التعبير. وأول ما يشدّنا في هذه اللوحة هو الجو العام للصورة الذي يوحي بالسكون المطلق وكأن الهدوء التام يضفي سحراً على شخوص الصورة ويقفهم ساكنين لا حراك بهم، فلا نرى إلا خيطاً من الماء المتألق ينسكب فوق رأس المسيح دون انقطاع، بينما يسود الشحوب موجات المياه وراء كاحليه. ومن وراء هذا التكوين الأخّاذ يشخص علم الرياضة، فثمّة مثلّث متساوي الأضلاع تبدأ قمّته من فوق رأس المسيح حتى زاويتي الصورة السفليتين، كما تبدو الملائكة وكأنها تنبثق من الأرض مثلهم مثل الشجرة التي انتصبوا إلى جوارها، حتى نكاد نظن رؤوسها الثلاث كتلة واحدة من النحت نتطلع إليها من زوايا ثلاث مختلفة.
وإذا أمعنّا النظر في نساء لوحة استقبال الملك سليمان لبلقيس وحاشية ملكة سبأ (لوحة 386) لتبين لنا أنهن جميعاً على نمط واحد فريد: الجباه المرتفعة المكوّرة والأعناق الأسطوانية العاجية المصقولة ومحاجر العيون المقعّرة والجفون المنتفخة التي يكوّن مجموعها قوساً مستمرّاً محدّباً، والوجنات الملساء بلا تجاعيد على نحو لا انقطاع فيه، والتقوّس الرهيف لأسطح الوجنات الذي يتجلّى من خلال ظلال تقنية الفاتح والداكن”كياروسكورو” فتوحي بصلابة البشرة وكتلتها إيحاء أشدّ أثراً مما استطاع كارافاجيو ومقلّدوه أن يأتوا به من خلال استخدام تقنية الظلال والضياء بأسلوبهم الفذّ الحاذق.
وللأسف الشديد إن أعمال بييرودللا فرنشسكا المتبقية قليلة، ولكنه والحق يقال لم يبد لنا مثل أوتشيللو بمظهر المسّاح أو الطوبوغرافي بل بقي على الدوام مصوراً. أما أولئك الذين يسعون دائماً وراء نمط جمالي محدد فقد يصدمهم بعض شخوص بييرو من الذكور والإنات كما قد يجده البعض موضوعياً جامد الشعور ولكنه مع ذلك يبهر أبصارنا، تلك الخاصية التي لا يشاركه فيها غير اثنين فقط من الفنانين أحدهما مجهول الاسم وهو الذي حفر منحوتات الجبين المثلث بمعبد البارثينون، والثاني هو المصور الإسباني فيلاسكيز الذي صور ما صور دون أن يعرب عن انفعالة أو عاطفة.
فبييرو لم يكن في أسلوبه موضوعياً فحسب مثل سائر عظام المصورين، بل كان جامد الشعور يطرح الانفعالية ويلتزم بالموضوعية غير الذاتية أعني غيبة الانفعال، واختار لشخوصه لأسباب جمالية بحتة أشكالاً مترعة بعنفوان الرجولة، ولنفس السبب اختار لمناظر الطبيعية أشدّها هيبة وبساطة وبعداً عن الزخرفة. وخلط بين أشكاله ومناظره ومزجها حسبما يقتضي الموقف متيحاً لشخوصه الجليلة وأحداثه الجسام أو مناظره البسيطة أن تمارس علينا أقصى قواها، وهو ما يتحقق بعد استبعاده لكل الانفعالات التي يستشعرها أبطاله ونماذجه. وتتجلى لنا هذه السمات والخصائص بوضوح في مشهد “آدم مشرفاً على الموت” (لوحة 387).
أما سرّ جاذبية هذا الأسلوب لنا فهو أنه مزيج من أمور عدة، أولها أنه عندما لا يكون ثمة تعبير عن المشاعر – الذي تتأثر به عادة عواطفنا – نصبح أكثر تقبّلاً للانطباعات الفنية البحتة للقيم اللمسية والحركية وتقنية الإشراق والعتمة. فالفنان الذي يرسم مزدرياً تصاريف الحياة وما تخلّفه من إرهاق وعنت ومعاناة لا يقل قدرة على إسعاد الإنسان وإراحة خاطره عن الشاعر الذي يضفي على الحياة الطابع الإنساني معتزّاً بتفوق الإنسان على الطبيعة الغشوم.
وكم يأسرنا وصف ألدوس هكسلي لعظمة بييرودللا فرنشيسكا حين قال: “هي عظمة طبيعية غير مصطنعة”. تلك هي الصفة الأولى لمنجزات بييرو، فهو جليل دون أن يكون متكلّفاً أو مسرحي التأثير أو في كلمة واحدة غير منضبط الشعور، وهو في جلاله على غرار جلال هيندل لا جلال فاجنر. وهو يكشف عن هذه العظمة بيسر في كل حركة أو إيماءة، يسجّلها دون أن نلحظ أن ثمة جهداً مفرطاً وراءها. ولقد كان بييرو مولعاً برسم شخوصه بأشكال مشحونة بالقوة تعلوها رؤوس مكورة رمزاً لصلابة الكتلة، فثمة شيء في أعماله يذكّرنا دائماً بالنحت المصري القديم فإذا نحن نرى الوجوه وكأنها نحت في صخر صلب مما تتعذر معه الإبانة عن تفاصيل الأخاديد والتجاعيد، فهي وجوه “مثالية” على غرار وجوه الآلهة والفراعنة المصريين. وتبدو صوره وكأنها مكوّنة من طبقات متراكمة بعضها فوق بعض، شخوصاً كانت أو أشجاراً أو جبالاً أو سماوات، وقد تطابقت تطابقاً يعرب عن وحدتها الهندسية. وإن ما يجذبنا إلى شخصية بييرودللا فرنشسكا هو قوته العقلانية وقدرته غير المتكلفة على تمثيل الحركة الدالة على كل ما هو جليل ومهيب، واعتزازه بكل ما هو رائع ونبيل في الطبيعة الإنسانية. وإن ما يشدنا إليه فناناً هو كونه عاشقاً لصلابة الأجسام، وكونه مصوراً فذاً للمساحات المحدبة الملساء، وكونه مصمماً يحيل الكتل إلى عناصر بنائية”.

بييرو دللافرنشسكا. فريديريكودا مونتفلترو. متحف أوفتزي.

بييرو دللافرنشسكا. عروس فريديريكودا مونتفلترو. متحف أوفتزي.

بييرو دللافرنشسكا. مشهد رمزي لزفاف الدوق فريديريكودا مونتفلترو. متحف أوفتزي.

بييرو دللافرنشسكا. مشهد رمزي لزفاف الدوق فريديريكودا مونتفلترو. متحف أوفتزي.

بييرو دللافرنشسكا. آدم مشرفاً على الموت . تصوير جدارى. كنيسة سان جوفاني. أرتزو. نشهد آدم قاعدا وقد أنهكه الوهن قبل أن يحل به الردى وبعد أن عاش تسع مائة وثلاثين سنة، ومن ورائه تقف حواء التي قضت نحبها بعده بأسبوع تحنو عليه جزعة، بينما يقف أمامه ابنه شيث وحفيده أنوش والذي يستند على عصا، وزوجة أنوش. وقد جاء في (أسفار آدم) [غير القانونية] أن آدم قد عانى من المرض والألم لأول مرة في نهاية حياته، وحاول ابنه شيث وحواء الحصول على زيت من شجرة الحياة لعلاج آدم، غير أن ميكائيل رئيس الملائكة نزل إلى شيث ليبلغه أن آدم لن يشفى مما ألم به من مرض [انظر (دائرة المعارف الكتابية). د.القس صمويل حبيب وغيره. دار الثقافة].

يان فان إيك

يان فان إيك
(1390- 1441)

ومن أبرز طلائع هذا الفريق الفلمنكي المصوّر يان فان إيك Jan Van Eyck، ذلك أن مجتمع التجّار الذي اندفع بشدّة وراء الكشف والاستطلاع والمغامرة لم يقنع بشدّ الفنانين نحو العالم الدنيوي فحسب بل حفزهم أيضاً على الابتكار والتجديد. فلوحتا “آدم وحواء” من تصوير يان فان إيك واللتان تقاربان الحجم الطبيعي كانتا من الجرأة بمكان كبير لأنهما من أوليات الصور الضخمة العارية في تصاوير شمال أوربا، بل إن عريهما ما يزال حتى يومنا هذا يثير الإعجاب في عيون النظارة إلى حدّ الانبهار (لوحة 395 أ، ب) إذ كان فان إيك يجد في المظهر الطبيعي نبعاً ثرّاً يغترف منه أكثر مما تشدّه الابتكارات المثالية ففاق في ذلك أستاذ فليمال. وهكذا تكشفت صورتا آدم وحواء في هذه اللوحة عن تقييم جديد للشكل الآدمي، عبّر عنه الفنان بإدراك أكثر تقدّماً لقواعد المنظور وقوانين استخدام الضوء. فعلى حين كان آدم رمز الخطيئة الأصلية يبدو على الدوام منحنياً من فرط خزيه وندمه نراه الآن يقف منتصباً داخل كوّته باعتباره الإبداع الأوّل للخالق. وتتّخذ حواء وضعة طبيعية يلعب الضوء والظل دوراً بارزاً في تجسيمها لتبدو في واقعها الطبيعي الحي على الرغم من شكلها التقليدي الذي عهدناه في الطراز القوطي الدولي بثدييها الناهدين وبطنها المنتفخة.
وفي مبدأ الأمر شارك يان فان إيك شقيقه هوبرت العمل إلى أن استقل بنفسه بعد وفاة الأخير، ثم عكف على تجاربه في تطوير فن المنظور والتصوير الزيتي الذي بدأه “أستاذ فليمال”، وكانت هذه التجارب جميعاً تقنيات مبتكرة تستجيب لذوق الفن الواقعي الجديد وتتوافق معه، فقد أتاحت الألوان الزيتية سلّماً للتدرّجات اللونية أشد غزارة ورقّة من مواد التلوين السابقة، فضلاً عن إمكانيات التدرّجات اللونية التي لا يعوق اضطرادها شيء لتحديد اتجاه الضوء وكثافته تحديداً واقعياً. فحتى القرن الخامس عشر كان التصوير مقصوراً على استخدام التمبرا Tempera، وهي مزيج من المساحيق اللونية وصفار البيض كان مناسباً لإظهار التفاصيل الدقيقة والألوان الساطعة لكنه لا يتجاوز مرتبة وسطى بين القتامة والإشراق، فالألوان الدكناء ما تلبث أن تخفت إذا رسمت بمزيج التمبرا، والألوان الفاتحة تكاد تتحول إلى البياض فاقدة ذاتيتها. ولا ندري على وجه اليقين حتى الآن ماهية المواد الفعلية التي استخدمها أستاذ فليمال وتعهدها الشقيقان هوبرت ويان فان إيك بالتحسين والتجويد. على أنه من المعروف أنهم بدأوا باستخدام طبقة من التمبرا غشوها تارة بمسحة زيتية لامعة شفافة تكسب الألوان بريقاً، وتارة أخرى غشّوها بلمسات متجاورة بالغة الدقة من طبقات اللون الشفاف أو الكامد وفقاً لاحتياجات التكوين. وبهذا أصبح في الإمكان رفع درجة أي لون رونقاً وتألّقاً، كما احتفظت الألوان القاتمة بحيويتها، فعلى حين أخذت الألوان الداكنة تتدرّج دكنة حتى تغدو فاحمة السواد، أخذت الألوان الفاتحة في التدرج بمنأى عن البياض الجيري، وهكذا تتهادى التدرجات من درجة إلى أخرى من اللون ذاته بسلاسة توحي بسيولة وتدفّق الضوء الحقيقي عبر أي مسطح.
على أننا قد نُجانب الصواب إذا افترضنا أن التصوير الزيتي هو من ابتكار فان إيك، فلقد ظهرت هذه التقنية أول ما ظهرت في الأراضي الواطئة وألمانيا خلال القرن الرابع عشر، لكنها اكتسبت كمالها على يد فان إيك، حتى غالى بعض النقاد في الانبهار به وكأنه صاحب سر خفي في تقنية الألوان الزيتية لم يفضه أحد غيره. ومع هذا فمن المؤكّد أنه كان يتمتع بمهارة فائقة في استخدام العجائن اللونية بحذق ومنهجية خاصة به، وكان يستخدم وسيطاً نقياً مضافاً إليه بعض البرنيق لمساعدته على جفاف اللون بسرعة حتى يستطيع مواصلة العمل دون حاجة إلى التوقّف يوماً أو بعض يوم في انتظار أن يجف اللون.
ومن بين سائر الفنانين الفلمنكيين أتبت يان فان إيك أن التعبير عن العالم الدنيوي في التصوير لا يعني بأي حال الهبوط إلى السوقية، ومن بين كل تصاويره كان البورتريه الذي يضم جوفاني أرنولفيني وعروسه جان تشينامي (لوحات 396، 397، 398، 399، 400) خير دليل على ذلك، إذ تحتشد اللوحة بأدوات الحياة الدنيوية بأشكالها وألوانها وملمسها في تفصيل مذهل لا ينضب. والأدوات المتنوعة في هذه اللوحة على غرار مثيلتها في لوحة البشارة لأستاذ فليمال هي أيضاً رموز تربط غرفة العرس “بسر الزيجة”، إذ يشير زوج القباقيب في الركن الأدنى الأيسر من اللوحة إلى ما جاء بالكتاب المقدس “اخلع حذاءك من رجليك لأن الموضع الذي أنت واقف عليه أرض مقدسة”، أما الشمعة المضيئة الوحيدة بالنجفة فهي عين الإله الساهرة التي لا يغيب عنها شيء، والجرو اللطيف المستأنس كان رمز الإخلاص والوفاء في العصور الوسطى، أي أهم فضائل الرابطة الزوجية. أما شكل الرأس المحفور على عمود المقعد المجاور للفراش فهو للقديسة مرجريت شفيعة الولادة، والمرآة المحدبة التي يعكس عليها المصور المشهد المقابل فهي رمز الصدق والأمانة (لوحة 401). ومع ذلك فليس بين هذه الرموز كلها ما يعكس الانطباع الرائع الذي يخلفه لنا هذا التكوين الفني من إحساس بالسكينة المطلقة المفعمة بالحيوية في آن معاً.
والحق إن شيئاً مثل هذه الروعة لم تقع عليه عين من قبل أو حتى من بعد، إذ تحوّلت الواقعية البارعة بهذا المستوى الفذ إلى لون من العبقرية لا يتكرر ولا يبارى، فيحس المشاهد أن ليس ثمة وجود مستقل على حدة لأي عنصر من عناصرها، فالألوان والعتاد والأدوات المصورة قد انصهرت جميعاً في نسيج متفرّد جديد لا ينفصل فيه الواقع عن الإيحاء، كما التزم الفنان بقواعد المنظور على نحو ما يبين لنا من مضاهاة فراغ هذه اللوحة المتعدّد المسطحات بفراغ لوحة البشارة ل”أستاذ فليمال”، حيث يتجلّى لنا أن الصورة الأخيرة هي مجرّد سجل لأدوات صورها الفنان تصويراً مستقلاً بعضها عن بعض بدلاً من أن تكون مجموعة متناسقة من الأدوات تترابط عضوياً إحداها مع الأخرى في وحدة منطقية متسقة.
وتعدّ هذه الإنجازات الرائعة للفنان يان فان إيك بواقعيته الرزينة الوقور التعبير الصادق عن العبقرية الفلمنكية. ولعل أصالته فضلاً عن كمال تقنيته الفنية التي لا تبارى تفسّر لماذا كان عصيّاً على غيره من الفنانين تمثّله ومحاكاته باستثناء فنان واحد فقط هو روجييه فان در ويدن.

يان فان إيك: آدم وحواء. كاتدرائية سان بافون. جنت.

يان فان إيك:جوفاني أرنولفيني وعروسه. الناشونال جاليري بلندن.

يان فان إيك: جوفاني أرنولفيني وعروسه. تفصيل. يد أرنولفيني.

يان فان إيك:جوفاني أرنولفيني وعروسه. تفصيل. وجه أرنولفيني.

يان فان إيك:جوفاني أرنولفيني وعروسه. تفصيل. وجه أرنولفيني.

روجييه فان در ويدن

روجييه فان در ويدن
(1399- 1464)

وروجييه فان در ويدن Rogier Van Der Weyden  هو ذلك الفنان الذي غيّر مسيرة التصوير في شمال أوربا وفرض تأثيره على مجرى فن التصوير في إسبانيا بل وفي إيطاليا من خلال صورة له رسمها قبل بورتريه “أرنو لفيني وعروسه” بوقت قصير. وينبغي ألا يغيب عن بالنا أن صورة “البشارة” لأستاذ فليمال وبورتريه “أرنو لفيني وعروسه” والصورة التي سنعرض لها الآن وهي “إنزال المسيح من فوق الصليب” قد رسمت كلها خلال عقد واحد، وأنها جميعاً بمثابة مؤشّرات إلى ما اتسم به الفن الفلمنكي من تنوّع ومحاولة لاستكشاف الأعماق. والراجح أن أستاذ فليمال قد فرغ من لوحة “البشارة” حوالي عام 1428، كما يكشف توقيع يان فان إيك باعتباره الفنان شاهد عرس أرنو لفيني عن أن تاريخ اللوحة هو عام 1434، وكان قد انتهى من لوحة الهيكل التي صور فيها “آدم وحواء” قبل ذلك بسنتين. وفي الوقت نفسه تقريباً حوالي عام 1432 عكف روجييه فان در ويدن على تصوير لوحة “إنزال المسيح من فوق الصليب”. ونظرة واحدة إلى هذه اللوحة كافية لتقييم تأثيرها على الفنانين في كل زمان ومكان حتى لقد ظلّت أجيالاً بأسرها ذات تأثير بالغ في فن التصوير وفن النحت، يحتذيها الفنانون من كل حدب وصوب ويشكّلون من وضعات شخوصها الأنيقة المحركة للوجدان تنويعات لا حصر لها. غير أنه لا ينبغي أن يغيب عن البال أيضاً أن المغالاة في الأناقة قد تحول دون إثارة الوجدان وإن حرّكت فينا الرضا والمتعة، وأنه كلّما أسرفنا في حشد عناصر إثارة الوجدان نال ذلك مما ينطوي عليه الشكل من رشاقة ينشدها الفنان تحقيقاً لصدقه الفنّي، غير أنه غالباً ما تفوز الأناقة بقصب السبق في مضمار الفن، ذلك أن إضفاءها مسألة يمكن اكتسابها، على حين أن القدرة على التعبير الوجداني هبة من عند الله خصّ بها القلّة النادرة من خلقه.
ونحن إذا ما تناولنا تحليل عنصري الأناقة وإثارة الوجدان في لوحة “إنزال المسيح من فوق الصليب” (لوحة 402) فلن نصادف أية تناقضات أو مفارقات أو حلولاً وسطى، وإن كنا لا نستطيع الزعم بأنها تنطوي على العنصرين بنسب متساوية، إلا أنهما على وجه اليقين يتعايشان معاً ويتبادلان التأثير أحدهما في الآخر. ويوصي مؤرّخ الفن رينيه ويج المشاهد وهو يتذوّق مثل هذا العمل الفني: “بالحرص على أن يلم بالانطباع العام عنه دون أن يحصر اهتمامه كله في عنصر واحد دون غيره من سائر عناصر التكوين الفني. وإن كان هذا الإجراء في الحقيقة أمر صعب بل شديد الصعوبة، إذ يقتضي أن يكون المرء كفيفاً حتى لا يستجيب إلى ما تحتشد به اللوحة من تفاصيل أنيقة، وأن يكون خامد الروح حتى لا يتأثّر بما تترع به من عناصر وجدانية طاغية، وأن يكون مصاباً بنوع من الفصام حتى يشطر العمل الفني إلى عناصر شتى”.
وفي الحق إن الفن مجال يسمح بتعدّد أشكال الكمال، ولقد يشق علينا أن نجد صورتين مختلفتين تمام الاختلاف كل منهما عن الأخرى مثل لوحتي “أرنو لفيني وعروسه” و”إنزال المسيح من فوق الصليب” رغم أنهما صوّرتا في التاريخ نفسه على مبعدة فراسخ قليلة إحداهما من الأخرى بوساطة مصورين من بيئة اجتماعية واحدة ذات نهج فني واحد، حتى لقد ذهب بعض المؤرخين إلى اعتبار روجييه فان در ويدن النقيض لفان إيك نظراً لاطّراحه المحسّنات التجديدية التي صاحبت العودة إلى قوطية أستاذ فليمال.
فإن لوحة “إنزال المسيح من فوق الصليب” كما يقول كينيث كلارك: “هي عمل فني تعرّض للتنقية والتقطير مرتين، فأشكاله تكاد تغدو فنّاً من قبل أن تصور، وهي تستحضر إلى الذاكرة على الفور منحوتات براكستيليس التي لوّنها المصوّر زوكسيس اليوناني، فلم يصف روجييه أشكال شخوصه كما لو كانت نحتاً شديد البروز أمام خلفية مذهّبة فحسب بل جعلها تتفجر بالكمال التشكيلي على غرار الأفاريز الكلاسيكية، وتحتل مواقعها في هذا النمط من التصميم بحيث لا يشعر الإنسان بأن للشخوص ثقلاً يشدّها إلى أسفل أو أنها تكابد العناء. ومع ذلك فقد تعتري براعة التصوير الرصين واقعية تغلّف بعض أجزائه، وإن عجب المرء ليثور أمام حدّة تجسيد التفاصيل وتصويرها بدقّة تكاد لا ترى إلا بالمجهر”. كما يذهب Alberti في مقاله عن التصوير إلى أن “المتعلّم والجاهل على السواء لن يتوانى عن إطراء تلك الرؤوس الشاخصة من الصورة وكأنها رؤوس منحوتة”. وهذا هو ما حققه روجييه على أعلى مستوى، فرأس السيدة العذراء هو بلا أدنى شك أحد أعظم نماذج “القيم اللمسية” في فن التصوير، كما أنه تعبير بليغ عمّا عناه المؤرّخ فنكلمان في اصطلاحه الكلاسيكي عن أن الفن هو الوحدة مع التنوع: “فهو وجه سمح البساطة لم يضح المصور بأي ذرّة من الصدق أثناء التعبير عنه، ولكل تفصيل أهمية مزدوجة، فحركة الدموع المنهمرة فوق وجه العذراء تعزز إحساسنا بواقعيتها، كما أن الإرادة الصلبة وراء كل لمسة فرشاة هي في حقيقتها إرادة نحّات لا مصوّر، إرادة معنوية أكثر منها عضلية أو آلية”.
والقليل الذي نعرفه عن روجييه فان در ويدن يقطع بأنه كان رجلاً بغير نزوات، ولد عام 1399 في بلدة تورناي الفلمنكية التي كانت تابعة لفرنسا، وتتلمذ في عام 1427 على يد الفنان الذائع الصيت روبرت كامبين Robert Campin المعروف باسم “أستاذ فليمال”، وما إن أطل عام 1435 حتى انهال عليه الثراء نظير لوحة “إنزال المسيح من فوق الصليب” فراح ينفق نصيباً منه في شراء السندات المالية. وفي عام 1436 ظفر بلقب “مصور مدينة بروكسل” وغدا فناناً عالمياً شهيراً يشار إليه بالبنان، وتدفّق عليه الراغبون في اقتناء فنه من شتى أنحاء أوربا طامحين في تلبية مطالبهم وسط كثرة الوافدين.
وكانت “نقابة رماة السهام” قد عهدت إلى روجييه برسم لوحة “إنزال المسيح من فوق الصليب” لتزيين إحدى كنائس مدينة لوفان Louvin. ومع أن روجييه فان در ويدن يعدّ أحد روّاد ابتكار الموضوعات التصويرية فإن أستاذ فليمال هو في حقيقة الأمر من أرشده إلى الطريق الذي يتعيّن عليه أن يسلكه.

وفي تلك الأثناء كان يان فان إيك عاكفاً على إجراء تجاربه على تصوير العمق مزوّداً بإدراك نافذ لتأثير الضوء والمناخ المحيط. وكان أستاذ فليمال من ناحية أخرى مولعاً بتصوير الأثاث وما إليه كالأرائك والموائد من خشب البلوط وحوامل المصابيح الجدارية والأواني القصديرية، كما كان متأثّراً منذ نشأته الأولى بمنحوتات إقليم برجنديا الواقعية وبألوانها الساطعة، فإذا به ينقل هذا الولع بالحقائق الملموسة إلى تلميذه. غير أن روجييه كان يتميز على أستاذه بما وهب من قدرة فائقة على إسباغ المثالية على أعماله، فهو بحق فنان كلاسيكي بمعنى الكلمة يحصر اهتمامه في الإنسان لا بوصفه جزءاً من الطبيعة بل بوصفه كائناً مستقلّاً فريداً بين المخلوقات، فمضى ينقّب عن نوعيات البشر ليختار من بينها الخصائص المميزة التي يمكن أن يخلق منها نماذج سلوكية متميزة يتناولها بالتصوير.
وهكذا يكون روجييه فان در ويدن قد استوعب مفهوم الدراما اليونانية فقدّمه إلينا تصويراً فوق المنصة المحدودة لمسرحية إنزال المسيح من فوق الصليب، حيث تشدذنا بساطة الخطوط الرئيسة لتكوينه الفني: مستطيل من الأشكال المنتصبة محصورة بين قوسين، وشخوص تتحرك داخل هذا الإطار المستطيل حركة تفيض شجناً وتوتّراً بدلاً من أن تنساب في إيقاع رتيب، وآية ذلك الاتجاهات المذهلة التي تتخذها الأذرع للتعبير عن عميق أساها بدءاً بالمرفق الحاد الزاوية لمريم العذراء ثم مرفق ذراع المسيح اليسرى، وانتهاء بمرفق مريم المجدلية التي تشكل وضعتها المتحوية أقصى درجات التوتر في التصميم كله. وفي وسط هذا المشهد المثير يبدو جسد المسيح وكأنه يطفو سابحاً منفلتاً من قانون الجاذبية.
وعلى حين كان جوهر أسلوب فان إيك هو المحاكاة الدقيقة للمظاهر المرئية حيث لا وجود للحواف المحددة، كان جوهر أسلوب روجييه هو الحافّة المحوّطة باعتبارها وسيلة بنائية تعبيرية، تعدّ في فن التصوير بمثابة فاصل بين مساحة ملونة وأخرى تليها. وبينما لا يستخدم فان إيك الحواف المحوطة إذ تذوب أشكاله في الفراغ دون حواجز حادّة، نرى حواف فان در ويدن حادّة في فصل كل مساحة لونية عن غيرها بحسم واضح. ونحن إذا ما ضاهينا بين المنصّة الفراغية العميقة لبورتريه أسرة أرنو لفيني والمنصة الضحلة المقصودة لذاتها في لوحة “إنزال جسد المسيح” حيث تتوزّع الشخوص على مستويين بامتداد إفريز ضيق أمام خلفية مسطّحة مذهّبة خالية من أي منظر طبيعي كان يقتضيه التصوير الواقعي للمشهد، يكشف التحليل الواقعي عن أن المشاركين في المشهد قد تشابكوا متلاصقين حتى كادوا يعجزون عن الحركة داخل هذا الصندوق الوهمي أو عن أن يتّخذوا أية وضعة أخرى بأذرعتهم أو سيقانهم. ورغم ذلك فالانطباع الذي تعكسه اللوحة هو انطباع بالحركة يتباين مع الانطباع بالسكون في فن فان إيك، إذ يربط بين شخوص روجييه ويوحّد بينها تدفّق الخط الثابت المدوّم المتحوّي عبر الصورة والمتساوق مع التيار الوجداني الذي يسري من شخصية إلى أخرى فيثير مشاعر الشجن والأسى أمام مأساة المسيح. ومن العسير علينا العثور بين شخوص روجييه على شخصية لا تعانى وتكابد في أيّة وضعة تتخذها سواء كانت واقفة أو جالسة أو راكعة.
وفضلاً عن كلاسيكية روجييه فقد كان يتمتع كذلك بموهبة المصمم الزخرفي البارع، إذ تشكّل مريم المجدلية في طرف الصورة الأيمن نموذجاً من أروع النماذج “الكاسية” التي تُحتذى في تاريخ فن التصوير كله (لوحة 403). كما قد يبدو للوهلة الأولى أن الشكل غير المألوف الذي اتخذه ذراعاها ضمن وضعتها اللافتة للنظر إنما هو حيلة بارعة لإضافة بدعة مثيرة إلى تصميم زخرفي جذّاب. غير أنّنا إذا أمعنّا النظر قليلاً لاكتشفنا أن المجدلية ليست مجرّد عنصر زخرفي، فتشكيل ذراعيها على هذا النحو يواكب خطة تنسيق المستويات في الصورة، كما أنها تخدم هدفاً آخر هو خلق منحنى يمتد من الخصر حتى المرفق، منحنى يشكّل طرفاً من حركات التقويس السارية في التكوين الفني، ولعلّ الأثر الأكبر الذي يخلفه هذا التحوير المقصود هو إثارة الوجدان. فهذا الإيحاء بالتوتر الذي يكاد يصل إلى درجة التقلّص يبث في الذراعين تعبيراً مبتكراً عن الأسى العميق الذي كان يمكن أن يثير الاضطراب في التكوين الفني لو لم يسيطر روجييه على خطوطه سيطرة محكمة.
ولم يكن روجييه رجعي الأسلوب بل كان فنّاناً عصرياً بمعنى الكلمة، فبرغم معاودته أسلوب الرسم الخطي مجاراة لأسلوب “أستاذ فليمال” القوطي النزعة، وبرغم خلفيته الذهبية المسطّحة وتوزيعه للفراغ في مستويات ضحلة أمام هذه الخلفية المرتدة نحو الماضي وإلى التقاليد البيزنطية بصفة خاصة، وبرغم أن مشابهة الصورة للوحات الهيكل المحفورة المذهّبة والمنحوتات الملوّنة لم تجئ محض صدفة بل نبعت من ولع روجييه بهذا النوع من المنحوتات، على الرغم من ذلك كله فإن استعارته من تلك الأساليب المهجورة هي استعارة ظاهرية سطحية فحسب، لأن ما حقّقه روجييه بالفعل هو نقل بؤرة الفن من الاعتماد على عدسة العين التي لا ترى غير المظهر الخارجي، إلى الإيحاء السيكولوجي بما يدور في طوايا النفس الإنسانية.
وإذا ما تطرّقنا إلى أسلوب الرمز نكتشف أن روجييه لم يلجأ إليه إلا لماماً، وذلك حين صوّر الجمجمة والعظمة اللتين لا غنى عنهما في إيقونوغرافية مشهد “صلب المسيح” فأقحمهما على مشهد إنزال جسد المسيح إقحاماً وكأنه يوحي للمشاهد أنه قد أضافهما رغماً عنه. لقد استبدل فان در ويدن بالرموز هذه باعتبارها إسناداً أدبياً وسائل تجريدية غير معهودة في فن التصوير شحنها بالانفعال. ولعل ظهور كلمة التجريدية من وقت لآخر عند مناقشة فن روجييه – كما يقول جاك لازيني في كتابه عن التصوير “الفلمنكي(72) Lassaigne, Jacque: Flemish Painting. The Century of Van Eyck, Skira, Geneva 1957 ” هو في حد ذاته برهان ساطع على عصريته، كما أن استعاراته من حصيلة الأساليب المهجورة هي عنصر من عناصر ثورته الفنية، فإن ضغطه للفراغ هو في واقع الأمر لون جديد من التعبير التجريدي(73) Abstract expressionism التعبير التجريدي هو تعبير مرتجل غير ذي وحدة أو موضوع عما يعتلج في النفس أو يعتمل في الفؤاد، يجمع ما يتوفر للفنان من عناصر تشكيلية تجريدية دون التزام بشيء ما، ومراعى فيه ما يكون له من أثر في المشاهد. [م. م. م. ث]. الذي بدأ يزاوله الفنانون في النصف الثاني من القرن العشرين، فانحصار الشخوص العشرة ضمن مساحة شديدة الضيق هو عامل آخر فعّال في التأثير على المشاهد، حتى غدا تصوّر حدوث أي شيء خارج هذا الإطار مستحيلاً بعد أن حصرنا هذا الفنان في عالم نفسي مكتف بذاته لا يتطرق إلا إلى ما يثير العواطف في لحظة معينة.
ونحن إذا ما تتبّعنا تركيب الأشكال ونسيج العلاقات المتبادلة بين الخطوط التي تعد المعمار البنائي للصورة (وليس المقصود بالخطوط هنا الخط الهندسي المجرد باعتباره نقطة متحركة وإنما مسار الخط أو اتجاهه أو حركته)، والتفتنا إلى تكثيف الانفعال الوجداني للشخصيات الدرامية التي هي بمثابة الجهاز العصبي، لاكتشفنا مدى البراعة التي وظّفها روجييه فان در ويدن في إعداد هذه اللوحة التي تستحوذ على الإعجاب كلّه. أما المعجزة الأخيرة التي حقّقتها لوحة “إنزال المسيح من فوق الصليب” فهي التنسيق الرائع بين كل مفرداتها ومقوّماتها، وهو تنسيق بالغ التعقيد حتى ليبدو من قبيل الإعجاز، كما يعدّ أشدّ أهمية من العناصر الآدمية ذاتها. فلوحة “إنزال المسيح من فوق الصليب” تتميّز بجمال لا تباريه مئات الأعمال الفنية الأخرى نظراً لتجسيدها الوجد الصوفي المنبثق عن شعور الإنسان.
على أن روجييه لم يكن أحد العباقرة الذين تنبع أفكارهم من مصادر غير مسبوقة، فليس بين تصاويره الغارقة في التأمّل البديعة التنسيق المنفّذة بعناية فائقة ما يدل على أنه كان فناناً ملهماً متفرّداً، لكنه كان رائد الرعيل الجديد للعبقرية البورجوازية بشكل قد يكون أكثر وضوحاً في مثاليته من يان فان إيك. وما من شكّ في أن ألوان روجييه الحمر والزرق البسيطة العريقة هي امتداد لتقاليد الألوان الرامزة التي مارسها فنانو الزجاج المعشّق خلال العصور الوسطى، وهي فضلاً عن مهارة روجييه التقنية قد أدّت دوراً رئيساً في تألّق صوره، فعندما حاول المصورون الفلورنسيون المعاصرون له مثل جيرلاندايو محاكاة هذا التألّق دون دراية بالتقاليد السابقة تحولت ألوانهم المتألّقة إلى ألوان صارخة.
مرة أخرى واصل روجييه تقاليد الفن القوطي العظيم فيما يتصل برسم الرؤوس والأيدي والأقدام، محققاً بذلك هدفاً عصيّاً ألا وهو إضفاء المثالية دون طمس الملامح الخاصة أو الهوية، على غرار التزاوج والاندماج بين الشخصية الذاتية والنمطية الذي بلغ أوج قمته في منحوتات الملوك والقديسين بالكاتدرائيات القوطية في شارتر وأميين ورانس.
وكان المصوّرون الإيطاليون بعد مازاتشيو ودوناتللو قد انصرفوا عن تحقيق هذا الهدف الفني خاصة بعد أن حذّرهم الناقد الفنان ألبرتي من أن البورتريه الواقعي لابد له من أن يصرف العين عن تصويرات الرؤوس المثالية حتى ولو كانت أشدّ كمالاً وأكثر إمتاعاً، ولهذا السبب تجنّب المصورون الإيطاليون في عصر النهضة الشمّاء هذه المثالية قدر استطاعتهم. ونحن إذا تطلّعنا إلى رأس العذراء وتبيّن للعين إلى أي حد تحاكي طرحتها الحركة الدائرية لذراعي مريم المجدلية تبين لنا أن خطوطها تتكسّر ثم ما تلبث أن تستأنف حركتها دون أن تفقد قوة اندفاعها. وإذا تأمّلنا يديها لم يلفتنا جمالهما بقدر ما يسترعينا التآلف بينهما وبين أطراف الشخصيات المجاورة، فيدها اليسرى رغم أنها هامدة إلا أنها تصطخب بالحيوية إلى جوار يد المسيح الخامدة، ويدها اليمنى المسترخية بين الجمجمة وقدم القدّيس يوحنّا تبدو وكأنها تستردّ الحياة ثانية من أديم الأرض.
ولقد كان الوجه الآدمي دائماً هدفاً من الأهداف التي تستهوي الفنانين على الرغم مما في ذلك من صعاب، ففي بعض العصور لم يأبه المصوّرون كثيراً بتسجيل الملامح المميّزة للشخص المصوّر مؤثرين تقديم صورة مثالية للوجه المرسوم، وهو المفهوم الذي أخذ به الفنانون الإغريق في العصر الكلاسيكي، ثم جاء الرومان بمفهوم مخالف تماماً إذ حرصوا على محاكاة كل التفاصيل جميلة كانت أم قبيحة. وعندما غدا الفن خلال العصور الوسطى شديد الارتباط بالمفاهيم الدينية انتقل الفنانون من تصوير الشخوص الآدمية إلى تصوير الشخوص القدسية وتوارى شيئاً عهد تصوير الشخوص الإنسانية، ومع بداية عصر النهضة أصبح الإنسان من جديد هو الموضوع الرئيس في مجال الفن. ومن بين اللوحات الرائعة المعبرة لفان در ويدن في هذا المجال لوحة “القديس لوقا يصوّر العذراء والطفل يسوع” (لوحة 404) طبقاً للقصة الواردة في أحد الأسفار المنتحلة التي تزعم أن هذا القديس الفنان الرقيق المشاعر قد صوّر مريم البتول. وقد أنجزها تلبية لرغبة نقابة المصورين، والراجح أن القديس لوقا في هذه الصورة هو فان در ويدن نفسه بصفته نقيباً للمصورين.
وثمّة عمل آخر أجاد فيه روجييه التعبير عن نفسه ببلاغة في لوحة ثلاثية الطيات (لوحة 405) يحتفظ بها متحف اللوفر، سجّل فوقها شخوصاً خمسة في تماثل صارم، يتوسّطها شخص المسيح بين يوحنا الإنجيلي ومريم العذراء فوق اللوحة الوسطى، ومريم المجدلية فوق الضلفة اليمنى، ويوحنا المعمدان فوق الضلفة اليسرى، وقد بدا عليهم جميعاً الانعتاق من شواغل الدنيا التافهة. ولا نزاع في أن خيال روجييه قد انشغل طويلاً بهذه الشخصيات الدينية السامية، وتصوّرها كما يتصوّر المثّال منحوتاته معزولة عن بيئتها حتى بزّ كل معاصريه في ابتكار أنماطها. وأجتزئ هنا بصورة مريم المجدلية التي كساها بزي العصر غير متقيد بأية قواعد سوى ما يمليه عليه خياله، وبدت جالسة أمام المنظر الطبيعي الزاخر بالتفاصيل. وبرغم العناية التي بذلها الفنان في تنسيقه إلا أنه في حقيقة الأمر مجرد حشو للخلفية (لوحة 406).
وقد جرت العادة أن يعمل الفنانون تحت مظلة رعاة الفن الذين كانوا عادة من الطبقة الموسرة في المجتمع الجديد التي تتوق دوماً إلى تخليد ذكراها. وما أكثر ما استخدمت البورتريهات وسيلة ناجعة من وسائل التعريف والتعارف بين الشخصيات البعيدة عن بعضها ولا يتاح لها اللقاء، كأن يقدّم ملك تبوّأ العرش حديثاً نفسه إلى البابا من خلال صورة له، أو أن يرسل أمير صورته إلى إحدى الأميرات كي ترضى بالزواج منه أو تتخلص من المأزق بأسلوب لا تعوزه اللباقة. وكانت البورتريهات الفلمنكية تسجل النظرة الدقيقة المحكمة للشخص أثناء التصوير دون أن تعبأ كثيراً بتسجيل الشخصية الفردية التي قد ينكشف عنها النقاب فيما بعد.
لقد عاش روجييه فان در ويدن حياة هادئة عكف خلالها على أداء رسالته بمنتهى الأمانة، وتزوّج في الخامسة والعشرين من عمره زواجاً موفّقاً دام أربعين عاماً مؤسّساً أسرة سعيدة، كما شارك في أعمال البر في مجتمعه، ولم يغادر موطنه إلا مرة واحدة للحج إلى روما في عام 1450 ومات في عام 1464. وإذا كانت حياته قد اتسمت بالدعة والهدوء فإنها قد حفلت أيضاً بالتكريم، فقد ذاع صيته منذ كان في سن الخامسة والثلاثين وظفر من صوره بثروة طائلة.

روجيه فان در ويدن: إنزال المسيح من على الصليب.  متحف برادو بمدريد.

روجيه فان در ويدن: إنزال المسيح من على الصليب. تفصيل.

روجيه فان در ويدن: لوقا الرسول يصوّر مريم العذراء والطفل يسوع. متحف الفنون الجميلة. بوسطن.

روجيه فان در ويدن: لوحة ثلاثية الطيّات. متحف اللوفر

روجيه فان در ويدن: مريم المجدلية. تفصيل من لوحة ثلاثية الطيّات. متحف اللوفر.

Previous Older Entries Next Newer Entries

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 485 other followers