روجييه فان در ويدن

روجييه فان در ويدن
(1399- 1464)

وروجييه فان در ويدن Rogier Van Der Weyden  هو ذلك الفنان الذي غيّر مسيرة التصوير في شمال أوربا وفرض تأثيره على مجرى فن التصوير في إسبانيا بل وفي إيطاليا من خلال صورة له رسمها قبل بورتريه “أرنو لفيني وعروسه” بوقت قصير. وينبغي ألا يغيب عن بالنا أن صورة “البشارة” لأستاذ فليمال وبورتريه “أرنو لفيني وعروسه” والصورة التي سنعرض لها الآن وهي “إنزال المسيح من فوق الصليب” قد رسمت كلها خلال عقد واحد، وأنها جميعاً بمثابة مؤشّرات إلى ما اتسم به الفن الفلمنكي من تنوّع ومحاولة لاستكشاف الأعماق. والراجح أن أستاذ فليمال قد فرغ من لوحة “البشارة” حوالي عام 1428، كما يكشف توقيع يان فان إيك باعتباره الفنان شاهد عرس أرنو لفيني عن أن تاريخ اللوحة هو عام 1434، وكان قد انتهى من لوحة الهيكل التي صور فيها “آدم وحواء” قبل ذلك بسنتين. وفي الوقت نفسه تقريباً حوالي عام 1432 عكف روجييه فان در ويدن على تصوير لوحة “إنزال المسيح من فوق الصليب”. ونظرة واحدة إلى هذه اللوحة كافية لتقييم تأثيرها على الفنانين في كل زمان ومكان حتى لقد ظلّت أجيالاً بأسرها ذات تأثير بالغ في فن التصوير وفن النحت، يحتذيها الفنانون من كل حدب وصوب ويشكّلون من وضعات شخوصها الأنيقة المحركة للوجدان تنويعات لا حصر لها. غير أنه لا ينبغي أن يغيب عن البال أيضاً أن المغالاة في الأناقة قد تحول دون إثارة الوجدان وإن حرّكت فينا الرضا والمتعة، وأنه كلّما أسرفنا في حشد عناصر إثارة الوجدان نال ذلك مما ينطوي عليه الشكل من رشاقة ينشدها الفنان تحقيقاً لصدقه الفنّي، غير أنه غالباً ما تفوز الأناقة بقصب السبق في مضمار الفن، ذلك أن إضفاءها مسألة يمكن اكتسابها، على حين أن القدرة على التعبير الوجداني هبة من عند الله خصّ بها القلّة النادرة من خلقه.
ونحن إذا ما تناولنا تحليل عنصري الأناقة وإثارة الوجدان في لوحة “إنزال المسيح من فوق الصليب” (لوحة 402) فلن نصادف أية تناقضات أو مفارقات أو حلولاً وسطى، وإن كنا لا نستطيع الزعم بأنها تنطوي على العنصرين بنسب متساوية، إلا أنهما على وجه اليقين يتعايشان معاً ويتبادلان التأثير أحدهما في الآخر. ويوصي مؤرّخ الفن رينيه ويج المشاهد وهو يتذوّق مثل هذا العمل الفني: “بالحرص على أن يلم بالانطباع العام عنه دون أن يحصر اهتمامه كله في عنصر واحد دون غيره من سائر عناصر التكوين الفني. وإن كان هذا الإجراء في الحقيقة أمر صعب بل شديد الصعوبة، إذ يقتضي أن يكون المرء كفيفاً حتى لا يستجيب إلى ما تحتشد به اللوحة من تفاصيل أنيقة، وأن يكون خامد الروح حتى لا يتأثّر بما تترع به من عناصر وجدانية طاغية، وأن يكون مصاباً بنوع من الفصام حتى يشطر العمل الفني إلى عناصر شتى”.
وفي الحق إن الفن مجال يسمح بتعدّد أشكال الكمال، ولقد يشق علينا أن نجد صورتين مختلفتين تمام الاختلاف كل منهما عن الأخرى مثل لوحتي “أرنو لفيني وعروسه” و”إنزال المسيح من فوق الصليب” رغم أنهما صوّرتا في التاريخ نفسه على مبعدة فراسخ قليلة إحداهما من الأخرى بوساطة مصورين من بيئة اجتماعية واحدة ذات نهج فني واحد، حتى لقد ذهب بعض المؤرخين إلى اعتبار روجييه فان در ويدن النقيض لفان إيك نظراً لاطّراحه المحسّنات التجديدية التي صاحبت العودة إلى قوطية أستاذ فليمال.
فإن لوحة “إنزال المسيح من فوق الصليب” كما يقول كينيث كلارك: “هي عمل فني تعرّض للتنقية والتقطير مرتين، فأشكاله تكاد تغدو فنّاً من قبل أن تصور، وهي تستحضر إلى الذاكرة على الفور منحوتات براكستيليس التي لوّنها المصوّر زوكسيس اليوناني، فلم يصف روجييه أشكال شخوصه كما لو كانت نحتاً شديد البروز أمام خلفية مذهّبة فحسب بل جعلها تتفجر بالكمال التشكيلي على غرار الأفاريز الكلاسيكية، وتحتل مواقعها في هذا النمط من التصميم بحيث لا يشعر الإنسان بأن للشخوص ثقلاً يشدّها إلى أسفل أو أنها تكابد العناء. ومع ذلك فقد تعتري براعة التصوير الرصين واقعية تغلّف بعض أجزائه، وإن عجب المرء ليثور أمام حدّة تجسيد التفاصيل وتصويرها بدقّة تكاد لا ترى إلا بالمجهر”. كما يذهب Alberti في مقاله عن التصوير إلى أن “المتعلّم والجاهل على السواء لن يتوانى عن إطراء تلك الرؤوس الشاخصة من الصورة وكأنها رؤوس منحوتة”. وهذا هو ما حققه روجييه على أعلى مستوى، فرأس السيدة العذراء هو بلا أدنى شك أحد أعظم نماذج “القيم اللمسية” في فن التصوير، كما أنه تعبير بليغ عمّا عناه المؤرّخ فنكلمان في اصطلاحه الكلاسيكي عن أن الفن هو الوحدة مع التنوع: “فهو وجه سمح البساطة لم يضح المصور بأي ذرّة من الصدق أثناء التعبير عنه، ولكل تفصيل أهمية مزدوجة، فحركة الدموع المنهمرة فوق وجه العذراء تعزز إحساسنا بواقعيتها، كما أن الإرادة الصلبة وراء كل لمسة فرشاة هي في حقيقتها إرادة نحّات لا مصوّر، إرادة معنوية أكثر منها عضلية أو آلية”.
والقليل الذي نعرفه عن روجييه فان در ويدن يقطع بأنه كان رجلاً بغير نزوات، ولد عام 1399 في بلدة تورناي الفلمنكية التي كانت تابعة لفرنسا، وتتلمذ في عام 1427 على يد الفنان الذائع الصيت روبرت كامبين Robert Campin المعروف باسم “أستاذ فليمال”، وما إن أطل عام 1435 حتى انهال عليه الثراء نظير لوحة “إنزال المسيح من فوق الصليب” فراح ينفق نصيباً منه في شراء السندات المالية. وفي عام 1436 ظفر بلقب “مصور مدينة بروكسل” وغدا فناناً عالمياً شهيراً يشار إليه بالبنان، وتدفّق عليه الراغبون في اقتناء فنه من شتى أنحاء أوربا طامحين في تلبية مطالبهم وسط كثرة الوافدين.
وكانت “نقابة رماة السهام” قد عهدت إلى روجييه برسم لوحة “إنزال المسيح من فوق الصليب” لتزيين إحدى كنائس مدينة لوفان Louvin. ومع أن روجييه فان در ويدن يعدّ أحد روّاد ابتكار الموضوعات التصويرية فإن أستاذ فليمال هو في حقيقة الأمر من أرشده إلى الطريق الذي يتعيّن عليه أن يسلكه.

وفي تلك الأثناء كان يان فان إيك عاكفاً على إجراء تجاربه على تصوير العمق مزوّداً بإدراك نافذ لتأثير الضوء والمناخ المحيط. وكان أستاذ فليمال من ناحية أخرى مولعاً بتصوير الأثاث وما إليه كالأرائك والموائد من خشب البلوط وحوامل المصابيح الجدارية والأواني القصديرية، كما كان متأثّراً منذ نشأته الأولى بمنحوتات إقليم برجنديا الواقعية وبألوانها الساطعة، فإذا به ينقل هذا الولع بالحقائق الملموسة إلى تلميذه. غير أن روجييه كان يتميز على أستاذه بما وهب من قدرة فائقة على إسباغ المثالية على أعماله، فهو بحق فنان كلاسيكي بمعنى الكلمة يحصر اهتمامه في الإنسان لا بوصفه جزءاً من الطبيعة بل بوصفه كائناً مستقلّاً فريداً بين المخلوقات، فمضى ينقّب عن نوعيات البشر ليختار من بينها الخصائص المميزة التي يمكن أن يخلق منها نماذج سلوكية متميزة يتناولها بالتصوير.
وهكذا يكون روجييه فان در ويدن قد استوعب مفهوم الدراما اليونانية فقدّمه إلينا تصويراً فوق المنصة المحدودة لمسرحية إنزال المسيح من فوق الصليب، حيث تشدذنا بساطة الخطوط الرئيسة لتكوينه الفني: مستطيل من الأشكال المنتصبة محصورة بين قوسين، وشخوص تتحرك داخل هذا الإطار المستطيل حركة تفيض شجناً وتوتّراً بدلاً من أن تنساب في إيقاع رتيب، وآية ذلك الاتجاهات المذهلة التي تتخذها الأذرع للتعبير عن عميق أساها بدءاً بالمرفق الحاد الزاوية لمريم العذراء ثم مرفق ذراع المسيح اليسرى، وانتهاء بمرفق مريم المجدلية التي تشكل وضعتها المتحوية أقصى درجات التوتر في التصميم كله. وفي وسط هذا المشهد المثير يبدو جسد المسيح وكأنه يطفو سابحاً منفلتاً من قانون الجاذبية.
وعلى حين كان جوهر أسلوب فان إيك هو المحاكاة الدقيقة للمظاهر المرئية حيث لا وجود للحواف المحددة، كان جوهر أسلوب روجييه هو الحافّة المحوّطة باعتبارها وسيلة بنائية تعبيرية، تعدّ في فن التصوير بمثابة فاصل بين مساحة ملونة وأخرى تليها. وبينما لا يستخدم فان إيك الحواف المحوطة إذ تذوب أشكاله في الفراغ دون حواجز حادّة، نرى حواف فان در ويدن حادّة في فصل كل مساحة لونية عن غيرها بحسم واضح. ونحن إذا ما ضاهينا بين المنصّة الفراغية العميقة لبورتريه أسرة أرنو لفيني والمنصة الضحلة المقصودة لذاتها في لوحة “إنزال جسد المسيح” حيث تتوزّع الشخوص على مستويين بامتداد إفريز ضيق أمام خلفية مسطّحة مذهّبة خالية من أي منظر طبيعي كان يقتضيه التصوير الواقعي للمشهد، يكشف التحليل الواقعي عن أن المشاركين في المشهد قد تشابكوا متلاصقين حتى كادوا يعجزون عن الحركة داخل هذا الصندوق الوهمي أو عن أن يتّخذوا أية وضعة أخرى بأذرعتهم أو سيقانهم. ورغم ذلك فالانطباع الذي تعكسه اللوحة هو انطباع بالحركة يتباين مع الانطباع بالسكون في فن فان إيك، إذ يربط بين شخوص روجييه ويوحّد بينها تدفّق الخط الثابت المدوّم المتحوّي عبر الصورة والمتساوق مع التيار الوجداني الذي يسري من شخصية إلى أخرى فيثير مشاعر الشجن والأسى أمام مأساة المسيح. ومن العسير علينا العثور بين شخوص روجييه على شخصية لا تعانى وتكابد في أيّة وضعة تتخذها سواء كانت واقفة أو جالسة أو راكعة.
وفضلاً عن كلاسيكية روجييه فقد كان يتمتع كذلك بموهبة المصمم الزخرفي البارع، إذ تشكّل مريم المجدلية في طرف الصورة الأيمن نموذجاً من أروع النماذج “الكاسية” التي تُحتذى في تاريخ فن التصوير كله (لوحة 403). كما قد يبدو للوهلة الأولى أن الشكل غير المألوف الذي اتخذه ذراعاها ضمن وضعتها اللافتة للنظر إنما هو حيلة بارعة لإضافة بدعة مثيرة إلى تصميم زخرفي جذّاب. غير أنّنا إذا أمعنّا النظر قليلاً لاكتشفنا أن المجدلية ليست مجرّد عنصر زخرفي، فتشكيل ذراعيها على هذا النحو يواكب خطة تنسيق المستويات في الصورة، كما أنها تخدم هدفاً آخر هو خلق منحنى يمتد من الخصر حتى المرفق، منحنى يشكّل طرفاً من حركات التقويس السارية في التكوين الفني، ولعلّ الأثر الأكبر الذي يخلفه هذا التحوير المقصود هو إثارة الوجدان. فهذا الإيحاء بالتوتر الذي يكاد يصل إلى درجة التقلّص يبث في الذراعين تعبيراً مبتكراً عن الأسى العميق الذي كان يمكن أن يثير الاضطراب في التكوين الفني لو لم يسيطر روجييه على خطوطه سيطرة محكمة.
ولم يكن روجييه رجعي الأسلوب بل كان فنّاناً عصرياً بمعنى الكلمة، فبرغم معاودته أسلوب الرسم الخطي مجاراة لأسلوب “أستاذ فليمال” القوطي النزعة، وبرغم خلفيته الذهبية المسطّحة وتوزيعه للفراغ في مستويات ضحلة أمام هذه الخلفية المرتدة نحو الماضي وإلى التقاليد البيزنطية بصفة خاصة، وبرغم أن مشابهة الصورة للوحات الهيكل المحفورة المذهّبة والمنحوتات الملوّنة لم تجئ محض صدفة بل نبعت من ولع روجييه بهذا النوع من المنحوتات، على الرغم من ذلك كله فإن استعارته من تلك الأساليب المهجورة هي استعارة ظاهرية سطحية فحسب، لأن ما حقّقه روجييه بالفعل هو نقل بؤرة الفن من الاعتماد على عدسة العين التي لا ترى غير المظهر الخارجي، إلى الإيحاء السيكولوجي بما يدور في طوايا النفس الإنسانية.
وإذا ما تطرّقنا إلى أسلوب الرمز نكتشف أن روجييه لم يلجأ إليه إلا لماماً، وذلك حين صوّر الجمجمة والعظمة اللتين لا غنى عنهما في إيقونوغرافية مشهد “صلب المسيح” فأقحمهما على مشهد إنزال جسد المسيح إقحاماً وكأنه يوحي للمشاهد أنه قد أضافهما رغماً عنه. لقد استبدل فان در ويدن بالرموز هذه باعتبارها إسناداً أدبياً وسائل تجريدية غير معهودة في فن التصوير شحنها بالانفعال. ولعل ظهور كلمة التجريدية من وقت لآخر عند مناقشة فن روجييه – كما يقول جاك لازيني في كتابه عن التصوير “الفلمنكي(72) Lassaigne, Jacque: Flemish Painting. The Century of Van Eyck, Skira, Geneva 1957 ” هو في حد ذاته برهان ساطع على عصريته، كما أن استعاراته من حصيلة الأساليب المهجورة هي عنصر من عناصر ثورته الفنية، فإن ضغطه للفراغ هو في واقع الأمر لون جديد من التعبير التجريدي(73) Abstract expressionism التعبير التجريدي هو تعبير مرتجل غير ذي وحدة أو موضوع عما يعتلج في النفس أو يعتمل في الفؤاد، يجمع ما يتوفر للفنان من عناصر تشكيلية تجريدية دون التزام بشيء ما، ومراعى فيه ما يكون له من أثر في المشاهد. [م. م. م. ث]. الذي بدأ يزاوله الفنانون في النصف الثاني من القرن العشرين، فانحصار الشخوص العشرة ضمن مساحة شديدة الضيق هو عامل آخر فعّال في التأثير على المشاهد، حتى غدا تصوّر حدوث أي شيء خارج هذا الإطار مستحيلاً بعد أن حصرنا هذا الفنان في عالم نفسي مكتف بذاته لا يتطرق إلا إلى ما يثير العواطف في لحظة معينة.
ونحن إذا ما تتبّعنا تركيب الأشكال ونسيج العلاقات المتبادلة بين الخطوط التي تعد المعمار البنائي للصورة (وليس المقصود بالخطوط هنا الخط الهندسي المجرد باعتباره نقطة متحركة وإنما مسار الخط أو اتجاهه أو حركته)، والتفتنا إلى تكثيف الانفعال الوجداني للشخصيات الدرامية التي هي بمثابة الجهاز العصبي، لاكتشفنا مدى البراعة التي وظّفها روجييه فان در ويدن في إعداد هذه اللوحة التي تستحوذ على الإعجاب كلّه. أما المعجزة الأخيرة التي حقّقتها لوحة “إنزال المسيح من فوق الصليب” فهي التنسيق الرائع بين كل مفرداتها ومقوّماتها، وهو تنسيق بالغ التعقيد حتى ليبدو من قبيل الإعجاز، كما يعدّ أشدّ أهمية من العناصر الآدمية ذاتها. فلوحة “إنزال المسيح من فوق الصليب” تتميّز بجمال لا تباريه مئات الأعمال الفنية الأخرى نظراً لتجسيدها الوجد الصوفي المنبثق عن شعور الإنسان.
على أن روجييه لم يكن أحد العباقرة الذين تنبع أفكارهم من مصادر غير مسبوقة، فليس بين تصاويره الغارقة في التأمّل البديعة التنسيق المنفّذة بعناية فائقة ما يدل على أنه كان فناناً ملهماً متفرّداً، لكنه كان رائد الرعيل الجديد للعبقرية البورجوازية بشكل قد يكون أكثر وضوحاً في مثاليته من يان فان إيك. وما من شكّ في أن ألوان روجييه الحمر والزرق البسيطة العريقة هي امتداد لتقاليد الألوان الرامزة التي مارسها فنانو الزجاج المعشّق خلال العصور الوسطى، وهي فضلاً عن مهارة روجييه التقنية قد أدّت دوراً رئيساً في تألّق صوره، فعندما حاول المصورون الفلورنسيون المعاصرون له مثل جيرلاندايو محاكاة هذا التألّق دون دراية بالتقاليد السابقة تحولت ألوانهم المتألّقة إلى ألوان صارخة.
مرة أخرى واصل روجييه تقاليد الفن القوطي العظيم فيما يتصل برسم الرؤوس والأيدي والأقدام، محققاً بذلك هدفاً عصيّاً ألا وهو إضفاء المثالية دون طمس الملامح الخاصة أو الهوية، على غرار التزاوج والاندماج بين الشخصية الذاتية والنمطية الذي بلغ أوج قمته في منحوتات الملوك والقديسين بالكاتدرائيات القوطية في شارتر وأميين ورانس.
وكان المصوّرون الإيطاليون بعد مازاتشيو ودوناتللو قد انصرفوا عن تحقيق هذا الهدف الفني خاصة بعد أن حذّرهم الناقد الفنان ألبرتي من أن البورتريه الواقعي لابد له من أن يصرف العين عن تصويرات الرؤوس المثالية حتى ولو كانت أشدّ كمالاً وأكثر إمتاعاً، ولهذا السبب تجنّب المصورون الإيطاليون في عصر النهضة الشمّاء هذه المثالية قدر استطاعتهم. ونحن إذا تطلّعنا إلى رأس العذراء وتبيّن للعين إلى أي حد تحاكي طرحتها الحركة الدائرية لذراعي مريم المجدلية تبين لنا أن خطوطها تتكسّر ثم ما تلبث أن تستأنف حركتها دون أن تفقد قوة اندفاعها. وإذا تأمّلنا يديها لم يلفتنا جمالهما بقدر ما يسترعينا التآلف بينهما وبين أطراف الشخصيات المجاورة، فيدها اليسرى رغم أنها هامدة إلا أنها تصطخب بالحيوية إلى جوار يد المسيح الخامدة، ويدها اليمنى المسترخية بين الجمجمة وقدم القدّيس يوحنّا تبدو وكأنها تستردّ الحياة ثانية من أديم الأرض.
ولقد كان الوجه الآدمي دائماً هدفاً من الأهداف التي تستهوي الفنانين على الرغم مما في ذلك من صعاب، ففي بعض العصور لم يأبه المصوّرون كثيراً بتسجيل الملامح المميّزة للشخص المصوّر مؤثرين تقديم صورة مثالية للوجه المرسوم، وهو المفهوم الذي أخذ به الفنانون الإغريق في العصر الكلاسيكي، ثم جاء الرومان بمفهوم مخالف تماماً إذ حرصوا على محاكاة كل التفاصيل جميلة كانت أم قبيحة. وعندما غدا الفن خلال العصور الوسطى شديد الارتباط بالمفاهيم الدينية انتقل الفنانون من تصوير الشخوص الآدمية إلى تصوير الشخوص القدسية وتوارى شيئاً عهد تصوير الشخوص الإنسانية، ومع بداية عصر النهضة أصبح الإنسان من جديد هو الموضوع الرئيس في مجال الفن. ومن بين اللوحات الرائعة المعبرة لفان در ويدن في هذا المجال لوحة “القديس لوقا يصوّر العذراء والطفل يسوع” (لوحة 404) طبقاً للقصة الواردة في أحد الأسفار المنتحلة التي تزعم أن هذا القديس الفنان الرقيق المشاعر قد صوّر مريم البتول. وقد أنجزها تلبية لرغبة نقابة المصورين، والراجح أن القديس لوقا في هذه الصورة هو فان در ويدن نفسه بصفته نقيباً للمصورين.
وثمّة عمل آخر أجاد فيه روجييه التعبير عن نفسه ببلاغة في لوحة ثلاثية الطيات (لوحة 405) يحتفظ بها متحف اللوفر، سجّل فوقها شخوصاً خمسة في تماثل صارم، يتوسّطها شخص المسيح بين يوحنا الإنجيلي ومريم العذراء فوق اللوحة الوسطى، ومريم المجدلية فوق الضلفة اليمنى، ويوحنا المعمدان فوق الضلفة اليسرى، وقد بدا عليهم جميعاً الانعتاق من شواغل الدنيا التافهة. ولا نزاع في أن خيال روجييه قد انشغل طويلاً بهذه الشخصيات الدينية السامية، وتصوّرها كما يتصوّر المثّال منحوتاته معزولة عن بيئتها حتى بزّ كل معاصريه في ابتكار أنماطها. وأجتزئ هنا بصورة مريم المجدلية التي كساها بزي العصر غير متقيد بأية قواعد سوى ما يمليه عليه خياله، وبدت جالسة أمام المنظر الطبيعي الزاخر بالتفاصيل. وبرغم العناية التي بذلها الفنان في تنسيقه إلا أنه في حقيقة الأمر مجرد حشو للخلفية (لوحة 406).
وقد جرت العادة أن يعمل الفنانون تحت مظلة رعاة الفن الذين كانوا عادة من الطبقة الموسرة في المجتمع الجديد التي تتوق دوماً إلى تخليد ذكراها. وما أكثر ما استخدمت البورتريهات وسيلة ناجعة من وسائل التعريف والتعارف بين الشخصيات البعيدة عن بعضها ولا يتاح لها اللقاء، كأن يقدّم ملك تبوّأ العرش حديثاً نفسه إلى البابا من خلال صورة له، أو أن يرسل أمير صورته إلى إحدى الأميرات كي ترضى بالزواج منه أو تتخلص من المأزق بأسلوب لا تعوزه اللباقة. وكانت البورتريهات الفلمنكية تسجل النظرة الدقيقة المحكمة للشخص أثناء التصوير دون أن تعبأ كثيراً بتسجيل الشخصية الفردية التي قد ينكشف عنها النقاب فيما بعد.
لقد عاش روجييه فان در ويدن حياة هادئة عكف خلالها على أداء رسالته بمنتهى الأمانة، وتزوّج في الخامسة والعشرين من عمره زواجاً موفّقاً دام أربعين عاماً مؤسّساً أسرة سعيدة، كما شارك في أعمال البر في مجتمعه، ولم يغادر موطنه إلا مرة واحدة للحج إلى روما في عام 1450 ومات في عام 1464. وإذا كانت حياته قد اتسمت بالدعة والهدوء فإنها قد حفلت أيضاً بالتكريم، فقد ذاع صيته منذ كان في سن الخامسة والثلاثين وظفر من صوره بثروة طائلة.

روجيه فان در ويدن: إنزال المسيح من على الصليب.  متحف برادو بمدريد.

روجيه فان در ويدن: إنزال المسيح من على الصليب. تفصيل.

روجيه فان در ويدن: لوقا الرسول يصوّر مريم العذراء والطفل يسوع. متحف الفنون الجميلة. بوسطن.

روجيه فان در ويدن: لوحة ثلاثية الطيّات. متحف اللوفر

روجيه فان در ويدن: مريم المجدلية. تفصيل من لوحة ثلاثية الطيّات. متحف اللوفر.

هانزمملنك

هانزمملنك

(1430- 1494)

وثمّة مصوّر فلمنكي آخر ذو شهرة ونباهة هو هانز مِملنك Hanz Memlinc، يُقال إنه من أصل ألماني، والراجح أنه كان تلميذاً لفان در ويدن، استقر به الحال في مدينة بروج حيث حظي بمستقبل باهر مترف أتاحه له إنتاجه الخصيب للصور الدينية الفائقة الجمال وبورتريهات الشخصيات الجليلة المرهصة ببورتريهات هولباين الألماني ذات الروعة المتميزة والقيمة العالية. وكان مملنك مصوّر البورتريهات الأثير لدى رجال الأعمال الثراة، إذ كان يمتلك المزايا نفسها التي كان يتمتّع بها فان دايك وجينز بورو ومصورو البورتريهات في شتّى العصور. ولا أعني بذلك أنه كان يجامل عملاءه على حساب فنّه بل أقصد القول إنه كان يتمتّع بقدرة وكياسة يخفّف بهما من حدّة العيوب الخلقية. وعلى الرغم من استقائه بعض عناصر أسلوب فان إيك وفان در ويدن – ولا سيما أشكال الأشخاص الأنيقة الوادعة والإيماءات المحسوبة – فقد كان له فوق ذلك كله حسّ رهيف بالجمال هو الذي طبع كل شخوصه برقّة سابغة جعلت منه أستاذاً بلا ضريب، على أنه مع ذلك تمثل كل التجديدات التقنية لمعاصريه وأحسن استغلالها في إبداعاته حتّى ليمكن القول دون انتقاص من قدره بأنّه كان فناناً انتقائي الأسلوب(43) الانتخابية أو التلفيقية أو التجميعية أو الانتقائية أو الاصطفائية Eclecticism نزعة مؤداها انتقاء الأفضل من بين المذاهب والأساليب والآراء الفلسفية أو الدينية أو الأدبية والفنية، وكذا أعمال الأساتذة، وضمها بعضها إلى بعض بعد تشكيلها تشكيلاً جديداً في إطار موحد والخروج منها بمذهب جديد، وهي نظرية شاعت في أواخر القرن 16 على يد المصور لودوفيكو كاراتشي Lodovico Carracci مؤسس أكاديمية الفن بمدينة بولونيا بإيطاليا (1585). ومثال التلفيقية مذهب مدرسة الإسكندرية خلال العصر المتأغرق، وما عرف عن المصور البندقي تنتوريتو Tintoretto من أنه اتخذ شعاراً له: “ألوان المصور تتسيانو وتصميمات ميكلانجلو”. ويؤمن أصحاب هذه النزعة أن التاريخ قد استوعب الحقائق جميعاً ولم يترك السابق للاحق شيئاً يأتي به، ومن ثم فحسب الفنان أو الفيلسوف أو الأديب التوفيق بين العناصر السابقة عليه ليخرج منها بمذهب أو اتجاه موحد. ويحمل هذا الاصطلاح في لفظه أحياناً معنى الاستهجان. [م. م. م. ث]. .

وما أكثر ما يخلط البعض بين أعمال هانز مملنك وأعمال تلاميذ مدرسته، وهو موقف بعيد عن الإنصاف، فما أكبر الفارق بين عمله المتميّز عن أعمال أتباعه. وقد بقي كمّ كبير من إنتاجه الغزير في الإطار نفسه الذي كانت تزخرف به بيئة العصور الوسطى، وهو ما أتاح لنا أن نتعرّف على فنّه وننفذ إلى أعماقه أكثر من غيره. وإذا كان النسيان قد غيّم على اسمه فترة طويلة فقد كان أحد القلائل الذين أنصفهم القرن التاسع عشر فرفعهم إلى القمة بين مصوري المرحلة الفلمنكية المبكرة، غير أن النقاد المحدثين انتقصوا من قدره وجعلوا فنّه في مرتبة تالية للمرتبة التي يشغلها ديريك بوتس وهوجو فان در خوس وجوستوس يان جنت، متهمين إياه بالإملال والرتابة والتكلّف. والحق إن مملنك كان قصير النفس لكنه كان مدركاً لحدود قدراته حقّ قدرها ويعرف عن يقين أنه لا يمتلك روح الجمع بين أطراف الموضوع في وحدة متجانسة، كما كان يتجنب تصوير العنف وينفر من كل أشكاله التعبيرية، ومع ذلك فقد تمكن من الإفصاح عن مراده وإن لم يحقق ذلك طفرة واحدة. وإذا ما تناول موضوعاً أثيراً لديه عكف على تصويره في تنوّعات شتّى لا تشكّل تقدّماً ولا نكوصاً، فمنذ بلغ تقنيته المتميّزة ظلّ أسيرها دون أن يضيف إليها تطوّراً جديداً، حتى إنه يستعصي على المرء أن يعرف أي لوحتين أقدم من الأخرى إذا كانا يمثّلان نفس الموضوع.

ومن بين أعماله الشهيرة “الزواج الصوفي للقديسة كاترين السكندرية” المحفوظة بمتحف اللوفر (لوحة 412) حيث تبدو العذراء حاملة الطفل الذي يدسّ الخاتم في أصبع القديسة كاترين التي كانت قد حلمت بأن المسيح عقد قرانه عليها لوفق الأسطورة المعروفة(63) Danse macabre: ترجع فكرة قيام ممثل أو عازف بأداء يستنهض فيه الناس على الرقص الرامز إلى الموت إلى عهد زمني ممعن في القدم. وكان الموسيقي الذي يرمز إلى الموت وهو يعزف بينما الناس من كل فئة ونوع يرقصون على أنغامه أمراً مألوفاً في الكثير من بقاع أوروبا خلال العصور الوسطى. وقد عكف المصور هولباين الأصغر على نشر مجموعة تصاوير عن رقصة الموت مطبوعة بطريقة الحفر على الخشب Woodcut في عام 1538 بمدينة بازل السويسرية لقيت نجاحاً منقطع النظير. وثمة باليهات وقصائد سيمفونية تنبني على هذا الموضوع الرهيب. وقد قامت فكرة تحريك رمز الموت في صورة حية أمام مشاهدي العروض الفنية على هدف أخلاقي سام هو حتمية لقاء الموت الذي لا مفر منه والذي يتساوى أمامه الجميع دون تفرقة بين فئة اجتماعية وأخرى. وهو ما يمكن أن يشكل نوعاً من الوازع الروحي لحث الناس على السعي نحو الخير والتحلل من شرور النفس وآثامها. على أن الكتاب والفنانين قد أفادوا من هذا الإطار ليشيعوا في أعمالهم الأدبية والفنية نوعاً من السخرية بنماذج من الشعب لا تحظى برضائهم وخاصة من القادة والحكام، وهو ما أضفى على هذه الأعمال بعداً اجتماعياً إضافياً منحها قدراً كبيراً من الثراء. [م. م. م. ث]. . وقد بدا خلف العذراء بستان من الورود والزهور تحيط به خضرة كثيفة بهيجة، والتفت حولها القديسة أنييس Agnes برفقة حملها، والقديسة شيشيليا عازفة على الأورغن، والقديسة لوسي ممسكة بالطبق الذي يحوي عيني زوجها الشهيد، والقديسة مرجريت الأنطاكية مصطحبة تنّينها. وفي أمامية الصورة وبالمجانبة تجلس القديسة برباره أمام برجها ذي النوافذ الثلاث. ويلفتنا في هذه اللوحة ثراء الألوان وبساطة التكوين المتمحور حول الشكل الرأسي للعذراء وسط الصورة ليجعل من هذه اللوحة “النموذج الأصلي” للصورة الكلاسيكية الفلمنكية خلال القرن الخامس عشر.

ولقد كان مملنك فنّاناً موهوباً غزير الإنتاج كثيراً ما يضعف أمام إغراء الكسب المادي، كما كان حريصاً على تصوير جوانب الترف الدنيوي حتى في مشاهده الدينية الشديدة الورع. ونستطيع القول إن مملنك الذي اختار منذ أولى خطواته في عالم الفن وضع شخوصه أمام خلفيات من الأشكال الزخرفية المتألقة تتيح لها نوعاً من الوضوح الجذّاب قد اتجه إلى حلول تضفي على مناظره الطبيعية استقلالها وتفرّدها، حتى باتت شتّى مشاهده نابضة باللطف والخضرة والتنسيق، فقد صاغ أشجاره في صفوف منتظمة وعمائره في نسق هندسي بديع، كما انسابت المياه في جداوله كسولة تناجي خفقات أجنحة البجع السابح فوقها. وتثير لوحات “مطاردة القديسة أورسولا(74) St. Ursula من قديسات القرن الخامس ولدت بإقليم بريتاني في شمال غربي فرنسا ابنة لملك مسيحي. وقد وهبها الله جمالاً فائقاً وذكاء بلا حدود فأخذ يتقدم إليها الخاطبون من كل حدب وصوب فكانت تردهم حتى إذا أرسل ملك إنجلترا يخطبها لابنه وولى عهده كونون Conon أبلغت سفراءه قبولها الزواج منه على أن يحقق لها شروطاً ثلاثة: أولها أن يخصها بعشر وصيفات عذراوات من النبيلات على أن يكون لكل واحدة منهن ألف جارية، كما طلبت لنفسها ألف جارية. وثانيها أن يمهلها ثلاثة أعوام تزور خلالها مزارات القديسين المسيحيين. وثالثها أن يعتنق الأمير كونون وحاشيته المسيحية لأنها لا تستطيع الزواج من وثني. وقد قدمت هذه الشروط الغريبة مؤمنة بعدم استجابة أحد لها. غير أن جمالها وذكاءها تركا أثرهما في السفراء إلى الحد الذي جعل كونون وأباه يقبلان شروطها، فاجتمع لها أحد عشر ألف عذراء تكوّن حاشيتها، وعزم كونون أن يلقاها أثناء حجها لروما. وعند وصولها إلى كولونيا كانت قبائل الهون تحاصرها فإذا أورسولا وحاشيتها تسقط في أيدي الهون الذين أعملوا في الحاشية الذبح والتقتيل حتى أتوا عليها جميعاً. وبعدها عرض قائد الهون على أورسولا أن ينقذ حياتها مقابل قبولها الزواج منه، وإذ رفضت عرضه سدد إليها ثلاثة سهام أودت بحياتها. وتمثل أورسولا في الفن أميرة متوجة رمزها السهم وقد أمسكت بعصا الحجاج التي يرفرف عليها بيرق أبيض ذو صليب أحمر، وعادة ما تبدو محاطة بحاشيتها. [م. م. م. ث]. ” في الأذهان صورة دقيقة وبارعة لمعمار البلدان التي وقعت أحداث قصتها فيها، كما تتراءى فيها جاذبية وصيفات القديسة اللاتي يفضن أنوثة وسحراً ورقّة إيماءات وحركات بشعورهن الشقراء المتنوّعة التصفيفات وثيابهن الرائعة الألوان، فنرى على سبيل المثال في لوحتي “وصول القديسة أورسولا إلى ميناء بازل وميناء كولونيا” (لوحات 413، 414) أشهر عمائر المدينتين من خلف الصواري وأشرعة السفن المصفوفة بامتداد رصيف المرسى النهري.

هانز مملنك: الزواج الصوفي للقديسة كاترين السكندرية . متحف اللوفر.

هانز مملنك: وصول القديسة أورسولا إلى ميناء بازل. متحف مملنك بمستشفى سان جان. بروج.

هانز مملنك: وصول القديسة أورسولا إلى ميناء كولونيا. متحف مملنك. بروج

جوستوس فان جنت

جوستوس فان جنت

(1435- 1475)

وقُدّر لجوستوس Justus Van Gent أن يلعب دوراً هاماً في تاريخ الفن الفلمنكي، فهو البشير الذي أرهص بفان در خوس وأسهم في تكوينه وتدريبه وكان يكبره بعدّة سنوات. تلقّى تعليمه ودراسته بمدينة أنفرس التي كانت وقتذاك في فجر رخائها ولم تكن قد نضجت بعد للاحتفاء بالموهوبين من الفنانين. فطاف بعض الوقت بالفلاندر والأراضي الواطئة واستقرّ فترة في جنت حيث التحق بنقابة المصورين عام 1464. وأيّاً يكن المكان الذي التقى فيه بديريك بوتس فلقد بقي يستوحي أعماله ويأخذ عنها، ومن الثابت أن صداقة قد ربطت بينهما إلى أن ارتحل إلى إيطاليا. وإذا لم نكن نعرف على وجه اليقين إن كان قد مرّ بروما فإنّنا نعرف بالتأكيد أنه قد اتجه إلى أوربينو عام 1473 حيث تسلّم أول قسط من ثمن لوحته الضخمة “العشاء الربّاني” التي ما تزال محفوظة بهذه المدينة. ولا شك أيضاً أنه قد مرّ بفلورنسا حيث أن أحد أعماله الجديدة ذات الأسلوب غير المعتاد في الفلاندر مستلهمة من تكوين فنّي استخدمه فرا أنجيليكو مراراً في تصاويره بدير القديس مرقص. ومن الثابت أن عمله في بلاط فردريك ده مونتفلتر قد استغرق بعض الوقت، إذ استدعاه الدوق لزخرفة قصره وعهد إليه بتصويره صورة شخصية وتزيين قاعة مكتبته ببورتريهات متخيّلة لكبار الشعراء والفلاسفة وآباء الكنيسة، وما تزال كثرة هذه البورتريهات باقية، وإن كان من العسير التمييز بين لوحات جوستوس واللوحات التي أنجزها غيره في تلك المجموعة من الصور التي توافرت عليها أيدي العديد من المصورين. ولقد قام متحف اللوفر مؤخّراً بعرض صور قاعة مكتبة دوق أوربينو، إذ يحتفظ المتحف بثمانية وعشرين من بورتريهات تلك الشخصيات اللامعة التي صوّرها، أما النصف الآخر الذي استعير من قصر باربريني بروما فقد أعيد ثانية ليظلّ معروضاً بمدينة أوربينو نفسها. وقد انتقيت من بين أعمال جوستوس لوحة “موسى يحيل مياه ينبوع مارّه المُرّ عذباً بعد أن أراه الرب شجرة طرحها في الماء(75) مارّه اسم عبري معناه مرارة وهو موضع في برية شور وإيثام على بعد ثلاثة أيام من موضع عبور بني إسرائيل البحر (سفر العدد. إصحاح 33 : 8 و 9)، وكان فيها ينبوع مرّ جعله موسى عذباً بطرحه فيه شجرة أراه الربّ إياها (سفر الخروج. إصحاح 15 : 23-25). ويظن بعضهم أن مارّة عند عين حواره في وادي الإمارة، وماء هذه العين شديد المرارة، ويظن آخرون أنها عيون موسى حيثما توجد عيون مرة وعيون حلوة. [قاموس الكتاب المقدس. بيروت مجمع الكنائس في الشرق الأدنى 1971]. ” المحفوظة بكاتدرائية سان بافون بمدينة جنت (لوحة 415).

جوستوس فان جنت: موسى يحيل مياه ينبوع مارّه المرّ عذباً. كاتدرائية سان بافون. جنت.

كونتين ماسيس

كونتين ماسيس (1465- 1530)

وُلد كونتين ماسيس (أو ميتسيس) Quentin Massys (Metsys) بمدينة لوفان لكنه استقر بمدينة أنفرس. وإذا كانت بروج وبروكسل هما العاصمتان الفنيتان في مستهل القرن الخامس عشر فإن أنفرس التي كانت مدينة ثريّة تعجّ بالنشاط مع دول الجنوب قد تحوّلت بدورها إلى مركز فنّي جاذباً المصوّرين الشبّان. وقد أمضى ماسيس حياته عازفاً عن تولّي المناصب المرموقة غير معني إلا بإرضاء عملائه من الخاصّة ومن المؤسّسات الموسرة. وكان أسلوبه عفويّاً متحرّراً ولم يكن على غرار فناني الجيل السابق يميل إلى إظهار شخوصه في وضعات الورع والخشوع الجامدة بل كان ينزع نحو تصوير الحركة والحيوية. وبهذا كان ماسيس وصلة الانتقال بين القرن الخامس عشر المستمسك بالشعائر الدينية وبين القرن السادس عشر المشغول بأمور الحياة الدنيا ملتصقاً أكثر ما يكون بشواغل الإنسان وحياته. وقد اكتشف في جمال “الطبيعة الساكنة” ما يتيح له إبراز الفروق بين الأشياء حين ينسكب عليها الضوء – وفق نهج فان إيك -، وتتجلّى براعته في تصوير الإيماءات الموشكة على الحدوث أو الانتهاء، وكذا في رسم الأشياء متراكمة إلى جوار بعضها البعض، فكان ذلك إرهاصاً بمكتشفات القرنين السادس عشر والسابع عشر من حيث بثّ الحركة والحياة النابضة في الصورة. وكان موضوع الصرّاف أو المرابي وزوجته في حانوته الذي تناوله بيتروس كريستوس من قبل هو أحد الموضوعات الفلمنكية الشائعة خلال القرن الخامس عشر، وكان في الوقت نفسه ذريعة لتصوير الطبيعة الساكنة والأدوات الجميلة التي تلتقط الضوء فيكسبها تألّقاً وسطوعاً. ولوحة “الصراف وزوجته” (لوحة 430) صورة واقعية من الحياة اليومية نرى فيها الزوجة وقد انصرفت عن مطالعة كتاب “الساعات” إلى التطلّع نحو الميزان الذي حملت إحدى كفّتيه نقوداً ذهبية يزنها الصرّاف بحرص وعناية وبين يديه اللآلئ والجواهر والحلي الذهبية. وتبلغ الصورة ذروتها في المرآة المحدّبة التي تذكّرنا بمرآة كريستوس في لوحة القديس إيليجيوس St. Eligius . (لوحة 411) ومرآة فان إيك في بورتريه أرنولفيني وعروسه (لوحة 396)، ويستدل منها على وجود شخص ثالث بالحانوت لعله المشتري، كما تعكس المنظر الخارجي من خلال النافذة. وقد نالت هذه اللوحة نجاحاً وذيوعاً في عصرها وما أكثر ما استنسخت، كما ظلّت فترة ما ضمن مقتنيات الفنان روبنز الأثيرة.

كونتين ماسيس: الصراف وزوجته. متحف اللوفر

بيتر بول روبنز

بيتر بول روبنز
(1577-1640)

في جوّ مشحون بالتوتّر صاحب بعث الكاثوليكية من جديد في أعقاب حركة الإصلاح الديني نشأ بيتر بول روبنز Peter Paul Rubens الذي ظلّ طوال حياته كاثوليكياً لا يشوب إيمانه العميق تعصّب أو ضيق أفق. وعلى نهج الطبقة الأرستقراطية المثقّفة بمدينة أنفرس اعتنق روبنز تقاليد التسامح الإنساني التي نادى بها إرازموس في الأراضي الواطئة، مؤمناً أن في الإمكان التوفيق بين مبادئ المسيحية وبين حكمة العصر الكلاسيكي القديم والإفادة من معارف اليونان وروما في خدمة الكنيسة، فبعد أن زالت عن الآلهة اليونانية هالات التقديس الأسطورية لم تعد بالنسبة للمؤمنين أكثر من رموز طريفة تؤنس الأفراد في رحلة الحياة. وعندما بلغ روبنز الثالثة عشرة من عمره عمل بضعة شهور وصيفاً بأحد قصور النبلاء حيث لقن أصول التعامل وقواعد السلوك بين هذه الأوساط وهو ما جعله في مستقبله موضع الترحيب في بلاط الملوك، غير أن رغبته العارمة في أن يكون فناناً كانت أصيلة، فما لبث الوصيف أن أصبح تلميذاً منتظماً في مرسم فنان لا يباريه أحد من زملائه في يقظة ضميره ودقّة نهجه. ومع أن مواهبه الفذة قد أفصحت عن نفسها مبكراً إلا أنه كبح جماحها بعزيمة جبّارة معاهداً نفسه على أن يلقن سرّ المهنة ويستوعب تقنيتها قبل أي شيء آخر. وكان بوسع روبنز أن يقنع بما تلقّاه عن مهنة التصوير في بلاده، لكنه كغيره من فناني شمال أوربا كان ينظر إلى إيطاليا باعتبارها الينبوع الثر للفن، وآثر أن يواصل مهمة التحصيل في موطن الحضارات الكلاسيكية القديمة التي كان يعرفها حق المعرفة فيما طالعه من مؤلفات، فغادر أنفرس في ربيع عام 1600 قاصداً إيطاليا حيث قضى سنوات ثمان من حياته يدرس النماذج الكلاسيكية وأعمال كبار مصوري عصر النهضة وينسخها كاشفاً عن براعة فائقة أكسبته شهرة واسعة في كافة أنحاء أوربا. وكانت تلك الأعوام التي قضاها في إيطاليا حاسمة بالنسبة لتطور أسلوبه الفني فقد انغمر في أعماق الحضارة الكلاسيكية التي قدر لها أن تبثه الإلهام خلال حياته، كما تمثّل أساليب الحركة الإيطالية المناهضة للإصلاح التي بلغت ذروتها بروما في عهد البابا سكستوس الخامس وخلفائه، حيث شاهد روائعها في الكنائس والأديرة وقصور الكرادلة على أيدي معاصريه من المصورين أمثال كاراتشي وجيدو ريني وكارافاجيو. وكانوا جميعاً يسعون إلى إيجاد حل للمشكلة التي كانت تشغل بال روبنز حينذاك وهي التخلّص من سمات الأسلوب المتكلّف، ومحاولة تقديم الموضوعات التقليدية وقصص الكتاب المقدس المتداولة بأسلوب يتميّز بالبساطة والتلقائية. ووقع روبنز بعد سنوات من الجهد الشاق والتجارب المتّصلة على الحلّ الذي كشف عمّا يتمتّع به من مواهب خارقة، فأثار بتصاويره الدينية عواطف الناس واستمال نفوسهم بمنحنياته المندفقة وألوانه الرفافة الموزعة خير توزيع، وأشكاله المتميزة ووضعاتها غير المألوفة في هذا النوع من التصوير، حيث تنبض صوره بغزارة وتنوع بغير حدود يملكان التعبير عن كل شيء سواء كان درامياً محزناً مثل لوحة “طعنة الحربة في جنب المسيح” (أو المسيح مصلوباً بين لصّين) (لوحة 453)، تلك اللوحة الضخمة الرائعة المحفوظة بمتحف أنفرس والمثيرة للشجن بشخوصها ذات الحجم الطبيعي التي كانت وما تزال تهزّ مشاعر من يتطلّع إليها، أو متوهّجاً مرحاً متدفّق الحيوية مثل لوحة “تقديم الملوك المجوس الهدايا للمسيح” (لوحة 454) التي فرغ منها روبنز في عام 1652 قبل وفاة زوجته الأولى إيزابيلا براندت بوقت قصير والتي يشيع كل تفصيل فيها المتعة. وأي تأمّل جاد لأحد تكوينات روبنز الفنية الضخمة يفتح أمام المرء آفاقاً فسيحة تحتشد بالعديد من البورتريهات والشخوص والانفعالات تجاذباً وتنافراً.
ولو أنعمنا النظر فيها نجدها تتميّز بسمة من سمات الطراز الباروكي الذي اعتلى روبنز قمته، وتلك السمة هي الواقعية التي تتجلى أكثر ما تتجلى إذا وضعت إلى جانب المثالية فإذا ما بينهما من تباين يجلوهما. وهو ما نشهد معه اجتماع الوجه الواقعي للشيخ المجوسي القريب من العذراء إلى جوار الوجه المثالي للغلام إلى يمينه، فضلاً عمّا تحتشد به رؤوس شيوخ المجوس من طاقة ودينامية وهم يقدمون الهدايا إلى الطفل يسوع، كما نشهد في وجه العذراء جمالاً يفيض حناناً وقدسية وعذوبة لم نعتده من قبل. وكذا يلفتنا أن الطفل يسوع بعيد كل البعد عن الطفل التقليدي الذي اعتاد أسلاف روبنز من الفنانين تصويره منذ ما ينوف عن قرن ونصف، وهو نفس الانطباع الذي نحسّ به حين نتأمّل لوحة “العائلة المقدسة” (لوحة 455) حيث يتواشج الوجه المثالي للعذراء ويسوع الطفل مع الوجه الواقعي ليوسف النجار وإليصابات والطفل يوحنا.

وتكمن قوة روبنز الخارقة في قدرته على التعبير المباشر من خلال لغة اللون ومن خلال الواقعية المطلقة المعبّرة عن شتى العواطف الإنسانية، على نحو ما نرى في لوحة “الطفل والعصفور” (لوحة 456) ولوحة “الكهولة والشباب والطفولة حول الموقد” (لوحة 457) اللتين يتجلّى فيهما المغزى المراد فلا يحتاجان معه إلى تفسير. غير أن روبنز كان فناناً متعدّد البراعات طليق الحركة لم يشأ أن يحصر فنّه في الموضوعات الدينية والتعبير عن العواطف الإنسانية فحسب، فإذا كان تتسيانو فنانه الأثير قد تفوّق إلى جانب ذلك في رسم البورتريهات والموضوعات الكلاسيكية الأسطورية، فهو ليس أقل منه موهبة أو طموحاً فنياً.
وعلى غرار لوحة تقديم المجوس الهدايا إلى المسيح كانت لوحة “شمشون ودليلة” (لوحة 458) حُبلى بثمار الرحلة إلى إيطاليا؛ إذ تكشف عضلات ظهر شمشون وذراعه المفتولة عن دراسة روبنز لأشكال ميكلانجلو التي رسمها أثناء إقامته في روما فوق سقف مصلي سيستينا، فهي نسق فريد من العضلات ابتدعه ميكلانجلو لشخوصه شغف به روبنز وأطال التأمّل فيه. كذلك يدين روبنز بوضعة “دليلة” إلى ميكلانجلو إذ تحمل تقويسة جسدها صدى تقويسة جسد ليدا في لوحته “ليدا وطائر البجع”، كما أنها شديدة القرب من جسد تمثال “الليل” في ضريح جوليانو ده مديتشي الذي حرص روبنز أيضاً على دراسته ورسمه وتسجيله. ولقد اقتبس روبنز هذه الأفكار وصاغ منها النموذج الأصيل بالغ السحر الذي أضفاه على “دليلة”. ومما يضاعف من حسية موضوع الصورة ما أسبغه عليها روبنز من ألوان سخية ولمسات فرشاة رحبة عريضة. وما من شك في أن بؤرة الصورة هي “دليلة” التي يُشعل صدرها العاري الوجدان بقدر ما يشدّ وجهها الجميل العين. وبرغم أنه قناع جمالي تقليدي إلا أن روبنز وفّق في التعبير عن المشاعر المتضاربة لامرأة لا تزهو بالانتصار الذي حققته على بطل لا يقهر بقدر ما تحنو عليه مشفقة على مصيره المفجع. ولا يكتفي روبنز بذلك بل لقد أكّد إحساسها بالشفقة بوضع يدها في رفق على ظهر شمشون، كما أضاف بياض كفّها على سمرة ظهره لمسة حسية رقيقة. وقد يتساءل المرء عن سر اختيار روبنز لهذا الموضوع الذي أودت فيه شهوانية بطل عملاق إلى الهاوية، ولعل مردّ ذلك إلى أنه يتيح أن يمارس كل ما تفرّد به من مهارة بارعة وتقنية حاذقة منذ عودته من إيطاليا، فاستعرض ذلك كله من خلال امرأة بضة فاتنة وبطل أسطوري وقاعة فسيحة تتوهّج بالأضواء.
ولم يكن فنانو القرن السابع عشر مع ذلك يملكون زمام أمورهم، فعلى الرغم من أن إنجازات عظماء أسلافهم ساهمت في رفع مستواهم الاجتماعي إلا أنهم ظلوا مجرد حرفيين يعتمدون على ما يعهد به إليهم رعاة الفن مستنيرين كانوا أم غير مستنيرين، وكان روبنز سعيد الحظ براعيه الأول فنشنزو دوق مانتوا الذي واصل تقاليد أسرة جونزاجا في رعاية الفنون بحماسة وبذخ ملحوظين. وكان الدوق قد اكتشف أثناء زيارة له لمدينة البندقية في عام 1600 تصاوير روبنز فطلب إليه العمل في قصره حيث عهد إليه بمهام تصويرية باعثة على الضجر وإن أجزل له العطاء، وأتاح له عقد صداقات اجتماعية رفيعة، وفوق كل شيء هيأ له فرصة لا مثيل لها للدراسة. وكانت مدينة مانتوا في مستهل القرن السابع عشر كنزاً فنياً يثير الغيرة والحسد، حفلت بأعمال جوليو رومانو ومانتنيا ورافائيل وتتسيانو وتنتوريتو وكوريجيو وفيرونيزي التي ما فتئ  روبنز يتأملها ويدرسها ويقضي بينها كل أوقات فراغه. على أن روبنز لم يصرف كل وقته بإيطاليا في مانتوا وحدها، فقد أذن له الدوق – الذي لم يكن يكف هو الآخر عن الترحال – لا بزيارة بقية مدن إيطاليا فحسب بل أوفده كذلك إلى إسبانيا محمّلاً بالهدايا إلى الملك فيليب الثالث وإلى دوق ليرما صفي الملك المولع بالفنون. وأتاحت رحلة إسبانيا لروبنز أن يتأمّل على مهل مجموعة صور تتسيانو التي يحتفظ بها الملك في الإسكوريال، كما فتحت له الباب على مصراعيه ليؤدّي دوراً سياسياً ودبلوماسياً بارزاً. وقد استرعى روبنز نظر دوق ليرما الذي عهد إليه برسم بورتريه له فصوره الفنان فوق صهوة جواد بالمواجهة (لوحة 459) على العكس من التقليد المتبع في رسم هذا المشهد بالمجانبة. وقد أثبتت هذه العلاقات الحميمة التي أنشأها روبنز في إسبانيا فائدتها في المستقبل حين أنيط به تمثيل حكومته في مباحثات دبلوماسية بالغة الأهمية. وكان فيليب الثاني قبل وفاته قد عهد إلى ابنته إيزابيلا وزوجها الأرشيدوق ألبرت من أسرة هابسبورج حكم أقاليم الأراضي الواطئة التابعة لإسبانيا والتي ظلت تعتمد على المساعدة الإسبانية في كفاحها ضد الأقاليم البروتستانتية المتمردة في الشمال، فلقد كانت الروابط وثيقة بين البيت الملكي الإسباني والبيت الملكي في بروكسل عاصمة الأقاليم الجنوبية من الأراضي الواطئة.
وعلى الرغم مما كان يلقاه روبنز من ترحيب وإقبال من مجتمعات الأقاليم الموالية لملك إسبانيا، إلا أنه كان يشعر أن وطنه الحق وأسرته الكبرى هي مملكة الفنون والآداب، وكانت اللغة اللاتينية ما تزال وقتذاك هي اللغة المشتركة في أوربا على الرغم من أن اللغة الإيطالية كانت بدأت تحل محلها، وكان روبنز يكتب رسائله بالإيطالية لا باللاتينية أو الإسبانية وإن لجأ أحياناً إلى الفرنسية أو لغته الفلمنكية القومية التي كان يعتز بها كل الاعتزاز. وما من شك في أن زيارته لمدينة جنوا في عام 1607 قد ذكّرته بمدينة أنفرس الأثيرة لديه، فلقد كانت جنوا بالنسبة لعالم البحر المتوسط مثل أنفرس بالنسبة لدول شمال أوربا قبل الحرب مركزاً للتجارة الدولية والاقتصاد وميناء واسع الثراء تحكمه أرستقراطية موسرة. وقام روبنز بتصوير أفراد الطبقة العليا بجنوا في الوقت نفسه الذي عكف فيه على دراسة تصميمات العمارة السكنية الفسيحة التي كانوا يخلون إليها في حياتهم المترفة، فأوحت له هذه البيوت توّاً بنماذج تصلح للمحاكاة في مدينته أنفرس. وما كاد يعود إلى بلاده في عام 1608 حتى اشترى بيتاً أجرى عليه من التعديلات ما جعله مشابهاً للبيوت الإيطالية التي أعجب بها في جنوا، ونشر في عام 1622 مجلّداً يضم تصميمات وصوراً مطبوعة بطريقة الحفر لبيوت جنوا. على أن مدينة أنفرس كانت تعاني في مطلع القرن السابع عشر من المشكلات ما هو أجدر بالالتفات من التفكير في تحويلها إلى جنوا الشمال بعد أن استقطبت مدينة أمستردام المنافسة في شمال الأراضي الواطئة معظم التجارة، كما نما اقتصاد الأقاليم الشمالية البروتستانتية المتحدة على حساب الأقاليم الجنوبية الكاثوليكية الموالية لإسبانيا والتي أخذت في التحسّن الجزئي تحت الحكم الرقيق السمح لإيزابيلا وألبرت، وطالما ظلت إسبانيا تمارس حربها الضروس ضد المقاطعات الشمالية الثائرة فقد مضى التحسن بطيئاً. وفي عام 1609 أسفر الإنهاك والاستنزاف المتبادلان عن هدنة استغرقت اثنتي عشرة سنة، ومع أن شروط الهدنة لم تساعد أنفرس كثيراً على تحسين موقفها الاقتصادي إلا أن السلام منح الأقاليم الجنوبية المتهالكة فترة التقطت فيها أنفاسها فاندمجت في قومية شديدة الاختلاف عن قومية الجمهورية الهولندية الوليدة التي غدت دولة بروتستانتية نشطة ذات حكومة أوليجاركية من التجار كما أسلفت، تعتبر الحرية والتسامح الديني من العناصر الأساسية للازدهار الاقتصادي، على حين تمسكت الولايات التابعة للتاج الإسباني في جنوب الأراضي الواطئة بالقيم التقليدية، فكانت ملكية أكثر منها جمهورية، كما كانت أرستقراطية أكثر منها بورجوازية، وقبل كل شيء كانت كاثوليكية متعصبة. وإذا سلمنا بالازدهار الاقتصادي معياراً للنجاح الاجتماعي لقلنا إن الجمهورية الهولندية قد حازت قصب السبق، أما إذا وضعنا الفنون الحضارية مقياساً كان علينا أن نعترف بتوازي الكفّتين. على أن الازدهار الثقافي في الجمهورية الهولندية، ذلك المجتمع الذي أنجب هالس ورمبرانت وفيرمير، قد حجب إلى حد ما إنجازات الجنوب الرائعة، وإذا كان ثمة فنانون يُعزى إليهم علوّ كعب أقاليم الأراضي الواطئة الإسبانية من الناحية الحضارية والفنية لأتى على رأسهم بيتر بول روبنز من غير جدال.
وما كاد روبنز يعلم في عام 1607 بنبأ تدهور صحة أمه حتى بادر بالرحيل عن إيطاليا إلى وطنه، عاقداً النية على العودة من جديد إلى إيطاليا. وكان صيته الذائع قد سبقه إلى الأراضي الواطئة، فسارع ألبرت وإيزابيلا إلى عرض منصب مصوّر البلاط عليه، وهو المنصب الذي شجّعه على الاستقرار في أنفرس. وما لبث أن تزوج من إيزابيلا براندت (لوحة 460) ابنة أحد المحامين، وبعد أن رزقا بطفلهما الأول استقرّوا في منزل زوده روبنز بمرسم فسيح، وتلت ذلك سنوات خصبة بالإنتاج الغزير، فتقاطرت عليه عقود التكليف من بلاطات الملوك ومن الكنائس والأنظمة الدينية كاليسوعيين على سبيل المثال لزخرفة كنيستهم في أنفرس، هذا إلى التكليفات المتزايدة من المعجبين به في شتى الدول حتى غدت أنفرس المركز الفني الجديد لأوربا بفضل شهرته وعبقريته الخلاقة. وتوافد على مرسمه العديد من الفنانين الواعدين، يتقدمهم المصور أنطوني فان دايك وجماعات لا حصر لها من المعجبين بفنه وجامعي التحف الذين أخذوا يترددون على منزله في تقدير وخشوع لمشاهدة الفنان العظيم مستغرقاً في نشاطه. وكان روبنز يفي بكل وعد يقطعه على نفسه، ولم يكف الأمراء وأثرياء أوربا عن التنافس والإقبال على اقتناء منجزاته التي لم يكن مغالياً في أثمانها. وإذ كان بطبعه يميل إلى المشروعات الضخمة الجريئة، لذا لم يتردّد كثيراً حين استدعته ماريا ده مديتشي(81) ماريا ده مديتشي (1573 – 1642) ابنة فرنشسكو الأول ده مديتشي دوق توسكانيا. وقد وقع عليها اختيار هنري الرابع ملك فرنسا للزواج بها كي تنجب له بعد أن طلق زوجته العاقر، لعل مهرها الباهظ الصادر عن آل مديتشي أثرياء فلورنسا ينعش الاقتصاد الفرنسي. وقد تم عقد القران في فلورنسا بالتفويض عام 1600، فأنجبت له ستة أطفال. غير أن خيانات هنري الغرامية ما لبثت أن أفسدت العلاقة الزوجية. ومع ذلك جرى تتويجها بوصفها ملكة فرنسا في 13 مايو 1610 قبل يوم واحد من اغتيال زوجها. وكان من الطبيعي أن تعين وصية على ابنها الصغير لويس 13 على الرغم من أن فريقاً من أفراد البلاط اشتم رائحة التآمر من جانبها في مصرع الملك. وكوصية على العرش سلكت سبيلاً مضاداً لسياسة زوجها، فإذا هي تصادق إسبانيا بعد أن كان هنري يعاديها، كما بددت إيرادات الدولة، وعاملت الأمراء المتمردين بقسوة متناهية. وبالرغم من أن ابنها لويس 13 كان قد بلغ السن القانونية التي تخول له مباشرة سلطاته استمرت أمه تمارس الحكم نيابة عنه، وكان مستشارها الأول ريشيليو الذي آزرته للحصول على لقب كاردينال ثم ما لبثت أن انقلبت عليه في عام 1628 حتى غدت أشد خصومه بعد أن فسرت خدماته المخلصة للويس 13 بمثابة خيانة لها ونكران لجميلها. ولم تكف عن دسائسها ومؤامراتها إلى أن نفيت إلى كومبيين، ففرت عام 1631 لاجئة إلى بروكسل في الأراضي الواطئة التابعة لإسبانيا وقتذاك، ولم تعد بعدها قط إلى فرنسا وماتت معدمة معوزة في مدينة كولونيا عام 1642. الملكة الوالدة وأرملة هنري الرابع والوصية على عرش الصبي لويس الثالث عشر إلى فرنسا لتعرض عليه أن يعد لها سلسلة من اللوحات تزين بها قصر لوكسمبور (ج) الذي أعدّ لإقامتها وكان قد أوشك على الانتهاء على نهج يواكب طراز عمارته الإيطالية الباروكية، وذلك تخليداً لذكراها ولذكرى زوجها الراحل الملك هنري الرابع. وإذ كانت ماريا ده مديتشي تفتقر إلى الموهبة الفنية فقد تطلب المشروع من روبنز قدراً كبير من اللباقة والخيال حقّق بهما مجداً فنياً ارتقى به هو دون الملكة إلى الذروة. وكانت ماريا ده مديتشي تنحدر من سلالة لورنزو مديتشي العظيم، لذا كانت تعلم حق العلم أن شهرة الملوك والأمراء بعد موتهم تتوقف على حسن اختيارهم لشعرائهم ومصوّريهم أكثر مما تتوقّف على حسن إدارتهم لشؤون الدولة. وجاءت لوحات روبنز الواحدة والعشرون الكبيرة الحجم لتخليد حياة ماريا ده مديتشي الخاملة والحافلة بالتقلبات في أسلوب رمزي خيالي أكثر من اتفاقها مع الوقائع التاريخية، غير أن المشروع الآخر الخاص بتخليد ذكرى زوجها هنري الرابع أصابه الإخفاق. وكانت ماريا ده مديتشي قد ترامت إليها شهرة روبنز على لسان شقيقتها دوقة مانتوا التي قضى الفنان في بلاطها سنوات ثمان في شبابه. والأمر الجدير بالتقدير والإعجاب هو قدرة روبنز على إطلاق العنان لحريته في الرسم دون أن يخرج على القيود التي كانت تفرضها مراسم البلاط، وهو ما أتاح له الظفر بإعجاب الملكة بأعماله التي كانت تشبع رغبته في الإبداع الفني المتميز، وذلك في أسلوب تشكيلي ضخم يتميز بانفساح رقعة تكويناته وشدة الوضوح، يغشي الجدران في تناغم بارع وإيقاع محسوب بتكوينات تتعاقب فيها الديناميكية والستاتيكية، تروي السيرة الرمزية لماريا ده مديتشي، تقريظاً وتمجيداً على لسانها، وتأكيداً لما كانت تتمتع به من سلطان مكين. ولم يحدث قط أن اختلط فن التصوير بالسياسة بمثل هذه الألفة والسلاسة، كما تذهلنا هذه السلسلة المصورة بكثرة التكوينات الرمزية الشائعة في المشاهد التاريخية، وبالمزج بين الآلهة الإغريقية والشخوص الحية المعاصرة.
وكانت الفكرة الرئيسة المسيطرة على مشروعه هي أن آلهة الوثنية القديمة قد آثرت أن تهجر موطنها الروحاني بجبل الأولمبوس كي تأوي إلى مدينة باريس الساحرة الأضواء وتستقر بها، كما تخيل أن جوبيتر كبير الآلهة وزوجته جونو قد طلبا إلى ربات القدر الثلاث قبل مولد ماريا ده مديتشي أن ينسجن لها مستقبلاً مشرقاً، فأبين إلا أن تتولى الربة منيرفا تعليمها أصول القراءة والكتابة، وأن ينفرد الإله أبوللو بتلقينها أصول الموسيقى، وأن تستقي بلاغتها وأسلوبها من الإله ميركوريوس، على ألا تبخل عليها “ربات الحسن” الثلاث بإضفاء كل ما هي جديرة به من مفاتن أنثوية، وهو ما نراه في لوحة “تثقيف ماريا ده مديتشي” (لوحة 461)، حتى إذا ارتقت ماريا قمة السمو الفكري والخلقي والجمالي أشرف الثالوث الإلهي المكون من جوبيتر وجونو ومنيرفا على مشهد الملك هنري الرابع وهو يتلقى صورة ماريا ده مديتشي (لوحة 462) حيث نرى منيرفا ربة الحرب والسلام تهمس بحكمتها في أذن الملك، بينما أضاف الفنان لمسة خيال شارد خفيفة حين رسم اثنين من ولدان الحب يلهوان بحمل درع الملك وخوذته. ولكي يؤكد الفنان أن عقد القران قد جرى في السماء صوّر في الجزء الأعلى من الصورة جوبيتر برفقة نسره وجونو برفقة طاووسها وهما يمنحان الزيجة بركتهما الإلهية.
وقد صاحب إعلان نبأ القران رسميّاً بفلورنسا إقامة احتفالات شتى متنوّعة بينها تقديم أوبرا “يوريد يكي” للموسيقي بيري وهي أولى الأوبرات في الوجود، غير أن روبنز لم ير ما يربط هذا الحدث العظيم بالقران الملكي فلم يشر إليه، مؤثراً تصوير مشهد وصول ماريا ده مديتشي إلى ميناء مرسيليا (لوحة 463، 464). فما تكاد قدماها تطآن الشاطئ حتى تنحني أمامها الشخصية المجسّدة لفرنسا مرحّبة بها، بينما تنفخ شخوص تمثل “المجد” في أبواق النصر معلنة نبأ مقدمها. ولم تقتصر البهجة على البشر وحدهم بل شاركهم آلهة البحار، فنرى الإله نبتون يصدر بنفسه أوامر إرساء السفينة التي تقل الملكة بينما يرقص أرباب البحر وحورياته وعرائسه على القاع أنغام الأمواج في مرح وفرح. وتتأود أجساد عرائس البحر وتتحوى بطاقة لا عهد للبشر بها، بل يثبن من جوف المياه تحية لملكة فرنسا المقبلة. ويتضح لنا من الإضاءة الشديدة والحركة المتموجة أن الفنان قد أولى هذا الشطر من الصورة أعظم اهتمامه، كما يؤكد المتخصصون أن عرائس البحر وحورياته من رسم روبنز شخصياً، إذ تشي أجسادهن بعشقه المفرط لشكل المرأة البضة الملداء. وإذ كان على روبنز أن يغشي مساحات رحبة من هذه اللوحات الضخمة نجده في هذه اللوحة التي يقارب حجمها أربعة أمتار في ثلاثة أمتار يلجأ بنهم وإصرار إلى الأشكال الأنثوية الكفيلة بملء اللوحة والعين معاً. وإلى جوار هذه اللوحات الثلاث أعرض أيضا لوحة “تتويج ماريا ده مديتشي” (لوحة 465) ولوحة “تهنئة ماريا ده مديتشي بمناسبة توليها الوصاية على عرش ابنها الصبي لويس الثالث عشر” (لوحة 466). وقد اضطر روبنز أمام ضخامة هذا المشروع الجريء إلى استخدام مائتي مساعد للعمل معه في مرسمه بأنفرس ابتداء من عام 1622. وكعادته في مثل هذه المشروعات كان روبنز يرسم الهيكل العام للتكوين الفني الخاص بكل لوحة، ويعهد بالأعمال التحضيرية إلى أحد المساعدين، وبالخلفية المعمارية إلى آخر، وبالمنظر الطبيعي ورسوم الحيوان إلى أخصائيين في هذه المجالات محتفظاً لفرشاته بمواقع معينة ينتقيها بنفسه. وعندما تم تعليق اللوحات بقصر لوكسمبورج نهائياً في عام 1625 وضع روبنز بنفسه اللمسات الأخيرة عليها في حضور الملكة ماريا التي فتنت بما أدّاه وسعدت بحوارها معه.
وإزاء الضغط المتزايد على روبنز زاد اعتماده على معاونيه، ومع ذلك بقي مسيطراً على التكوينات الفنية بعبقريته الملهمة وعقله المدبّر. وكان روبنز شغوفاً بكل ما يتصل بالحضارة بصلة، فنجده في رسائله إلى أصدقائه من أصحاب المذهب الإنساني ينتقل في يسر وسهولة من مناقشة الأحداث الجارية إلى تفاصيل آخر الإنجازات التي يضطلع بها، ثم إلى وصف مسهب لرصيعة رومانية تم العثور عليها مؤخّراً، معلّقاً على كل موضوع بذكاء ودراية وروح تفيض إنسانية وتسامحاً. وإلى جوار هذا كان يستمتع بحياة أسرية حانية إلا أن وفاة زوجته إيزابيلا في عام 1626 قطعت عليه سكينته التي ما لبث أن استعادها خلال العقد الأخير من حياته عندما اقترن بهيلينا فورمان الفاتنة (لوحة 467) التي كانت تصغره بسبعة وثلاثين عاماً والتي أنجبت له خمسة أطفال في عشر سنين، ومع اعتزازه بذاته وبفنه فقد عاش جم التواضع حتى آخر أيامه. ولقد أضرمت الأعوام الثمانية التي قضاها روبنز في إيطاليا شهيته نحو تطوير عنصر الضوء حتى غدا أصدق تعبير عن هوسه الباروكي، ثم إذا هو يحقن لوحاته بأعاصير الشبق الحسي الذي جاوز به الحدود التي بلغها تتسيانو أحد أساطين المصورين الذين اتخذهم روبنز قدوة له. وما من شك في أن زواجه وهو في سن الثالثة والخمسين من الصبية الملداء هيلينا فورمان قد أشعل هذا الشبق الحسي إلى أقصى مداه. وكانت لوحة “معطف الفراء القصير” Het Pelsken (لوحة 468) هي الوحيدة من بين صور هيلينا فورمان العارية التي أبقت عليها ولم تعدمها بعد وفاة زوجها. واللوحة لامرأة عارية بالحجم الطبيعي، تكرس بوضوح غريزة العطش الجنسي والارتواء الجسدي، واقفة بخيلاء فوق سجادة حمراء أمام خلفية داكنة. ويلفتنا التفاف ذراعيها حول جسدها البض محاولة الحؤول بين الفراء الأسود الذي يكاد لا يستر شيئاً من مرمرية الجسد وبين أن ينداح وكأنها خارجة من الحمام توّاً، الأمر الذي يؤكد مجازية تسمية هذه اللوحة أحياناً باسم “أفروديتي”. ولقد تحرّرت هذه اللوحة تماماً من كافة ضوابط الجمال الكلاسيكي، فضلاً عن أن طغيان لون البشرة المرمري الذي يؤجّجه السواد والحمرة المحيطان به يجرّد التكوين الفني من أيّة صبغة كلاسيكية، كما يوحي باطراح الحياء.
وكانت الهدنة بين إسبانيا والأقاليم الهولندية المتحدة قد انتهت في عام 1621 وعادت الحرب إلى الأراضي الواطئة الإسبانية، وبمرور الوقت صارت جزءاً من صراع أوسع وأشدّ عنفاً بين البروتستانت والكاثوليك هو حرب الثلاثين سنة. وكان البؤس والخراب الناجمان عن الحرب مصدر قلق شديد لروبنز وهو رجل سلام بطبعه يود لو يعيش العالم كله في سلام “العصر الذهبي” لا نزاع “عصر الحديد”، ولكنه عاش عصر الحديد كارهاً وعلى مضض، فلم يكن بوسعه تجنّب الأهوال التي جرّتها الحرب الضروس. وفي عام 1620 حاولت الأرشيدوقة إيزابيلا وأمبروزيو دي سبينولا القائد الجنوي لجيوش إسبانيا في الأراضي المنخفضة كل ما بوسعهما لتخليص المقاطعات الجنوبية من حرب عوان كانت تهددها بالفناء. وإذ كانت الحكومة في بروكسل موصولة بمدريد المتورطة إلى أذنيها في هذا الصراع الدولي فلم تكن أمامها فرصة كبيرة للمناورة المستقلة، ولم تجد أمامها غير جس النبض من خلال الجهود الدبلوماسية مؤملة في توطيد دعائم السلام إذا ما حققت بعض التقارب بين إسبانيا وإنجلترا. وكانت الأرشيدوقة في مسيس الحاجة إلى وسيط يظفر بثقتها التامة ولا تثير تحركاته الشك لإجراء تلك المساعي الدبلوماسية البالغة الدقة.
ولم يكن أمامها من تفتح له القصور في أنحاء أوروبا أبوابها مرحبة غير روبنز الذي يمكنه ممارسة حنكته الدبلوماسية الهادئة تحت ستار نشاطه الفني المشروع، فيبذل مساعيه الحميدة لإطفاء حرائق الحروب وإخماد ألسنة النيران، منشئاً بدلاً منها حدائق السلام غارساً أشجار الزيتون ليتناجى في ظلالها هديل الحمام الوادع. وما أحرانا ونحن نتناول هذه المرحلة من حياته أن نشير إلى أنه لم يكن فناناً مبدعاً يحلق في آفاق الخيال فحسب بل كان فضلاً عن ذلك شخصية واقعية متعددة المواهب والقدرات، فكما كان رجل القلب الكبير كان أيضاًرجل العقل الكبير. ومن ثم شرع روبنز بالترحال من جديد، فالتقى في باريس في عام 1625 براعي الفنون الدوق باكنجهام الأثير لدى ملك إنجلترا تشارلس الأول، وفي عام 1626 تفاوض مع مبعوث الدوق الذي كان يتوق إلى شراء مجموعته من التحف الرومانية. وفي عام 1627 أثناء زيارة له لهولندا جمع بين الفن والدبلوماسية والتقى بالسفير الإنجليزي في لاهاي. وما لبث أن استُدعي إلى إسبانيا كي يعرض ما توصل إليه من نتائج، وكان قد انقضى ربع قرن منذ زيارته الأخيرة لإسبانيا فوجد الكثير مما يعرفه قد لحقه التغيير، فاحتل دوق أوليفاريس العنيف عند الملك الجديد فيليب الرابع المكانة نفسها التي كان يحتلها دوق ليرما الرقيق عند الملك فيليب الثالث. وامتدت المباحثات بين روبنز ودوق أوليفاريس مما أتاح له أن يصور الملك والأسرة المالكة، وأن ينشئ صداقة وثيقة العرى مع دييجو فيلاسكيز مصور البلاط الجديد، وتطوع بأن يبسط أمامه في مرحلة حاسمة من حياته الفنية أحدث التطورات التي بلغها التصوير الأوربي، كما قام باستنساخ كل لوحات تتسيانو التي كان يحتفظ بها فيليب الرابع، وكانت النتيجة مزيداً من التحرر بأكثر مما شهدته لوحاته المبكرة. وبعد أن قضى روبنز ثمانية شهور في إسبانيا عاد إلى بروكسل عن طريق فرنسا ليشهد من جديد لوحاته التي رسمها لماريا ده مديتشي وقد استقرت نهائياً بقصر لوكسمبورج. وفي عام 1629 ارتحل في مهمة دبلوماسية إلى بلاط الملك تشارلس الأول الذي اكتشف فيه روبنز حسّاً جمالياً رفيعاً مرهفاً. وبلباقته وسلوكه ودرايته الواسعة بالفنون استحوذ روبنز على تقدير الجميع، فعاد بشهادة دكتوراه فخرية من جامعة كمبردج كما نال أعلى الأوسمة، وظفر بتكليف فني ينطوي على تحد شديد لقدراته، وهو زخرفة سقف قصر الحفلات العظيم الذي شاده المعماري إنيجو جونز في هوايت هول بسلسلة من اللوحات تتناول موضوعاً لا يقل صعوبة وإثارة للحيرة عن موضوع تخليد حياة ماريا ده مديتشي، وهو تخليد عهد الملك جيمس الأول الراحل. ولا نزاع في أن الإلمام بجهود روبنز كدبلوماسي وكرجل بلاط هو ضرورة لإدراك الروح التي أملت عليه رسم لوحته الرمزية “السلم والحرب” (لوحة 469)، حيث نرى رمز “السلام” في الوسط تعصر ثديها طلباً لغذاء الطفل الرضيع بلوتوس Pluto إله الثروة، بينما تحميها منيرفا (أثينه) إلهة الحكمة من بطش مارس إله الحرب الذي يرتدي شكة قتال مدرعة سوداء وتقوم على خدمته إحدى ربات الانتقام. ونشهد كيوبيد إله الحب وهايمن Hymen إله الزواج يحمل شعلة مضيئة وهما يقودان صبيتين نحو قرن الوفرة والرخاء. وثمة فهد مروض وساتير وراقصة تقرع الدف وامرأة تحمل كنزاً يمثّل مباهج السلام، كما نشهد ملاك حب يحمل إكليلا من غصن الزيتون وصولجاناً رمزين للسلام يحوم فوق المرأة رمز السلام. وقد أهدى روبنز هذه اللوحة إلى تشارلس الأول ملك إنجلترا في عام 1630 ربما احتفاء بنجاح مهمته الدبلوماسية في إنجلترا.
والثابت الأكيد أن السلام الذي استتب عام 1630 بين إنجلترا وإسبانيا مردّه إلى الكفاءة الدبلوماسية التي مارسها روبنز في مفاوضاته التي كانت خاتمة مساعيه السياسية. وفي عام 1633 ماتت الأرشيدوقة إيزابيلا، ولم يعد خليفتها الطفل في حاجة إلى خدمات روبنز الذي كان قد ضاق ذرعاً بمكائد البلاط وآثر دفء الحياة الأسرية في حضن الريف الأخضر، ومن ثم اشترى أحد القصور Chateau de steen هروباً من صخب مدينة أنفرس، وفي عزلته الوادعة قضى الساعات الطوال في اكتشاف جمال المناظر الطبيعية الفلمنكية وتصويرها. وعلى الرغم من إصابة يده اليمنى بالتهاب المفاصل بقيت قدراته الخلاقة وإبداعاته المتعددة الجوانب سليمة إلى آخر أيام حياته حتى قضى نحبه في 30 مايو عام 1640 بعد أن هيمن بزخمه الفني على مدى جيل كامل على الحياة الفنية في أوربا بأسرها. وكان في عمله مثلما كان في مسلكه يدرك الحدود الفاصلة بين المتناقضات أو الأضداد، فكان مسيحياً استجاب بكل كيانه لحضارة العالم الوثني القديم، وكان كاثوليكياً فتح له البروتستانتيون قلوبهم، وكان بورجوازياً صادق الملوك والأمراء، وكان أوربياً شمالياً استوعب حضارة البحر المتوسط وتمثلها، وكانت حيويته الفيّاضة المتدفّقة لا يباريها غير صفاء ذهنه. ولقد أبدع روبنز في حياته لوحات يزخر بها عصر الباروك لما انطوت عليه من طاقات تموج بالطموح الفائق الذي لا يعصمه غير موهبة فنان مقتدر. واستطاعت عناصر لوحاته المترابطة الأجزاء والتي تتغنّى جميعاً بنشيد تمجيد الحياة أن تنقل إلينا بنبضها الدافق تلك القوى المصطخبة المتفجّرة التي يخضع لها كل شيء، تتدفّق بلا انقطاع في اندفاع جارف عام للفرشاة على سطح اللوحة وكأنها تركض وتقفز في كافة أنحائها في وقت واحد. فلقد كان اللون قبل خادماً للواقعية يحدد هوية الأشكال المصورة، شأنه شأن الضوء الدال في الصورة، ثم ما لبث اللون أن غدا عنصر التصوير الأكثر استقلالاً عن الواقعية، فعلى حين أن الشكل والكتلة قابلان للقياس ويمكن التعبير عنهما بأبعاد ونسب محددة، فإن اللون عصي على التقييم بوصفه لوناً إلا من خلال الحس، اللهم إلا إذا كان محدوداً ضمن حدود خطّية جليّة.
وتكشف لنا تصاوير روبنز عن عالمه المرئي في وضوح وقوة، ذلك أنها تحتشد بادئ ذي بدء باللون الأحمر القاني المسيطر الموحي على الفور بالدماء الدفاقة مثلما رأينا في لوحة شمشون ودليلة (لوحة 472) وبالأجساد المتناكبة والحيوية النابضة فضلاً عن تلك التموّجات المدوّمة الشبيهة بالسيل العاتي، والتكوينات الفنية القائمة على الخطوط المفعمة بالطاقة تبث إيقاعها الصاخب في الفراغ المصور. ثم هناك الموضوع المصور ذاته من إنسان ونبات وحيوان، تنبض جميعاً بقوى طاغية من أجساد نسائية شبقة ينبثق عنها كل ما يحرّك الرغبة، وأجساد ذكور مفتولة العضلات. فكل شيء في صوره تغمره الحيوية، وكل شيء يستجيب لشهوات الحياة العارمة ويزدري كل ما هو غير واقعي في الحياة، على نحو ما نرى في لوحة “سوسنة وشيخا السوء33) قصة سوسنة أو شوشنة جاءت في أحد الأسفار المنحولة في العهد القديم. ويقال إنها بينما كانت عارية في حمامها وقع عليها نظر شيخين حاولا استدراجها للمضاجعة فأبت، ومن ثم ادعيا زوراً أنهما قد رأياها ترتكب الزنا مع أحد الشبان في البستان فصدر الحكم بإعدامها. غير أن النبي دانيال كشف عن براءتها حين استجوب الشيخين كل واحد على حدة عن نوع الشجر الذي جرت جريمة الزنا في ظلاله، وإذ اختلفت رواية كل منهما اتضحت براءة سوسنة [م. م. م. ث]. ” (لوحة 470) ولوحة “أنجيليكيا والناسك” (لوحة 471) المحفوظة بمتحف تاريخ الفنون بفيينا، والتي اقتبس اسمها عن رواية “رولان غاضباً” Roland Furieux لأريوستي. فقد كان ثمة ناسك معروف بأنه زير نساء رغب في أن يقع على أنجيليكا فأصابها الذعر حتى أغمي عليها، ولم ينل منها مراده، وجرت العادة على تصوير الناسك وهو يحاول أن ينزع عن الفتاة رداءها. وكان روبنز قد كتب مقالاً عن “محاكاة التماثيل الكلاسيكية” أشار فيه على المصورين أن ينهجوا نهج المثّالين، فيشكلون اللحم الحي بديلاً عن الحجر. وفي الحق إنه ليس مثل روبنز باستثناء تتسيانو ثم رينوار فيما بعد من مجّد جسد المرأة بمثل هذه الحسية المتفرّدة.
وإذا كان برويجل قد أوحى بفكرة “السرعة” كما رأينا في لوحته “السفينة الغارقة” (لوحة 436) مستوحياً ميكلانجلو وتنتوريتو رائدي تصوير الباروك الإيطالي، فقد مضى روبنز إلى أبعد مما ذهب إليه برويجل فأدخل “الحركة” على عناصر التكوين الفني ذاتها. وحتى عصر روبنز لم تكن الخطوط سوى تعبير عن حد دائري يحاول إضفاء الجمال على النموذج المصور، وإذا روبنز لا يحتفظ إلا بالإيقاعات المتموّجة للخطوط التي تسجّل حركات النماذج المصورة وإيماءاتها، وكانت الألوان وسيطاً أكثر ملاءمة لتسجيل مثل هذه الحركة من الخط وحده. وفي هذا المجال أيضاً لعب برويجل دور الريادة بينما جعل روبنز من حركة الفرشاة سجلّاً للعمل الفني الخلّاق وشهادة تصويرية لقوة هذا الخلق وما يتضمنه من عناصر وجدانية. كذلك أصبح تكوين الصورة هو الآخر حركياً، فبعد أن كان في الماضي بناء مكوّناً من خطوط ولا يعتمد إلا على الخطوط فحسب، ما لبثت الخطوط أن اكتسحت التكوين بحركتها فغدت خطوطاً مشحونة بالطاقة، ناجمة عن قوى متعددة تندفع عبر اللوحة كتيارات المحيط حتى نكاد نتخيل إمكان قياس قوة اندفاعها وتتبع سرعتها. وفي الحق إن الصورة لا يتحرك فيها شيء، ولكنها العين هي التي تتطلع إليها محملقة في سلسلة من الحركات يتراقص البصر معها تنقّلاً وتجوالاً، وما يلبث الخيال الذي يستثار في أعقاب الرؤية أن يلهث مبهوراً وهو أسير قوى كامنة في الصورة، جيّاشة نابضة بالحياة.
وفي لوحة “عواقب الحروب أو رمز الحرب” (لوحة 472، 473) التي اعترف روبنز بأنه استوحى موضوعها من مطالعاته لفرجيل ولوكريشيوس، نرى مارس إله الحرب مغادراً معبد يانوس(82) Janus أحد آلهة إيطاليا القدماء وحارس الأبواب والنوافذ ورب البدء، مثل الشهر الذي تبدأ به السنة وهو يناير المشتق من اسمه Januarius، وكذا بدء الشهر وبدء الساعة وبدء الخلق. ويروي فرجيل أنه كان ملك لاتيوم الذي شيد قلعة جانيكولي فوق التل المعروف باسمه في روما. ويمثل دائماً ذا وجهين، كان أحدهما أولاً ملتحياً والآخر حليقاً رمزاً للشمس والقمر، ثم أصبح فيما بعد هذان الوجهان ملتحيين، وفي يمينه مفتاح وحين سكّت النقود صوّرته بوجهين مستديرين. [م. م. م. ث]. مهدّداً بالويل والثبور، تستحثّه ألكتو Alecto البشعة الوجه ربّة النقمة والغضب على شن الحرب وخوض القتال، في حين تحاول فينوس العارية بمعاونة أحد ولدان الحب ثني عزيمته دون جدوى. ومن وراء فينوس امرأة تجسد أوربا الشقية بحروبها. وإلى يمين ألكتو وحشان يجسد أحدهما الطاعون والآخر المجاعة. ومن ورائها على الأرض ثلاثة شخوص أحدها امرأة تحمل عوداً محطّماً تمثّل الوفاق، وثانيها امرأة مذعورة تحمل طفلاً باكياً تجسّد الأمومة والخصوبة، وثالثها معماري يحمل فرجاراً يرمز إلى التعمير بعد الدمار. وهي من غير شك صورة رمزية أتاحت لروبنز الفرصة كي يستعرض ملكاته لإبداع أحد روائعه في المرحلة الأخيرة من حياته.
ونحن نستطيع إدراك كنه الحركة من خلال رقّة لمسات الفرشاة أو عنفها. فهناك بعض التصاوير تفتقر إلى الحركة كأنها سطح بركة ساكنة ينعكس عليها الضوء ولا يعكر صفوها شيء، وهناك صور أخرى تضفي لمسات الفرشاة عليها رقة تنهدة يئن بها الصدر، وثمة نوع ثالث من الصور تبدو اللوحات فيه كأنّها تتفجّر بما تضمّه مثلما ترتج الأرض بالزلازل، وثمّة نوع رابع من التصاوير تغلي وتفور بما يصطخب في أعماقها من دوامات وتيارات مصطرعة. والمعروف أنه لا يمكن الفصل بين سرعة انطباع الصورة وبين الإيقاع الكامن فيها، فلقد كان هالس وروبنز من أسرع المصورين في تسجيل انطباعهم، إلا أن هالس تميز بالاندفاع والحركة المباغتة على حين كان روبنز كالموجة تغمر كل ما يصادفها، فلكل مصوّر حركاته التي يتميّز بها عن غيره فتتنقل إلى عيون النظارة متعة من الكمال الفني تبدو وكأنها خلت من أي جهد مفتعل شاق. فالفن الرفيع يوحي ويشي ويهمس ويسر ويسري ويوشوش منسرباً إلى أعماق الوجدان في عفوية ويسر، وهو حال من الوجد الصوفي تتناغم فيها العذوبة والعذاب. وقد يكون البناء العام للتكوين الفني متحرّكاً “ديناميكياً” أو ثابتاً “استاتيكيا”، وليس من المحتم أن تكون خطوط البناء العام هي نفس الخطوط التي تحدد الشكل، بل قد تكون الخطوط التي تحدد اتجاه القوى التي يوحي بها الحدث المصور هي التي تحدد الشكل. وهذه اللوحة مثال للتكوين الحركي المجتاح الذي يبدأ من يسار اللوحة بحركة فينوس وهي تحاول إيقاف مارس دون أن يلتفت إلى توسّلاتها، فتجد نفسها مندفعة في إثره.
ولا يكتفي روبنز بهذا فيروح يؤكّد هذه الحركة الجانبية بحركة أخرى رأسية لتنتقل محاور الشخوص في اللوحة من الرأسية إلى الأفقية، فإذا الحركة – التي تشكل قاعدة العمود في الركن الأسفل الأيسر مركزها – تأخذ شكل المروحة بينا تنبسط، ويبدأ الانتقال من الاتجاه العمودي بالمرأة التي تجسّد أوربا وهي ترفع ذراعيها يأساً. ويزداد هذا الاتجاه وضوحاً في فينوس وفي مارس الذي يتخلّص منها مبتعداً، وتشكّل ذراعه التي يرفع بها درعه الخط المائل، على حين تشطر ألكتو زاوية اللوحة. وتكاد سحب الدخان ومجموعة الأمهات المذعورات التي تنتهي بالمعماري المنبطح في الركن الأيمن الأدنى تتخذ اتجاهاً أفقياً. وعلى حين تختتم الحركة الأولى باندفاعة إلى أعلى تختتم الحركة الثانية بالسقوط إلى أسفل موحية بالموت.
وإذ كان الخط المنحني هو أقرب الخطوط إلى تجسيد الحياة فقد استعذب روبنز الخطوط المنحنية فجعلها محور تكويناته، غير أنه حرص على ألا تكون منحنياته جامدة مغلقة الاستدارة حتى لا يتسرب إلى المشاهد ملل الدوائر المغلقة الموحية بالثبات وبالحركة المقنّعة، فإذا هو يرسم منحنياته فسيحة حلزونية غير منتظمة لتوحي على الدوام بأنها أشكال آخذة في الاتساع والدينامية، مثال ذلك لوحة “العذراء وطفلها بين صغار الملائكة” بمتحف اللوفر (لوحة 474) حيث نكتشف أن يدي العذراء هما نقطة انطلاق لمنحنى لا يكفّ عن الاتساع، ينطلق خلال جسد يسوع الطفل، ثم يستمر عبر الملائكة الصغيرة اللاتي يرفعن التاج فوق رأس العذراء، ليستعيد انطلاقته من جديد عندما يدور حول مجموعات الأطفال المتحلقة إلى أن يفلت من حدود اللوحة عبر فراغ الركن الأعلى الأيسر. ويقال إن روبنز قد استوحى موضوع هذه اللوحة من الأسطورة اليونانية القائلة إن طريق المجرة قد تشكل في الفضاء من قطرة اللبن الإلهي المنبثقة من ثدي الربة هيرا زوجة زيوس كبير الآلهة.
كذلك تكشف لوحة معركة الأمازونات (لوحة 475) عن منحنيات وأقواس متحلّقة تدور في حركات سريعة متعاقبة حول محاورها متماوجة فوق سطح اللوحة. ويبدو أن الفنان قد قصد أن يذكّرنا بالشكل الهندسي الثابت حين تعمّد رسم قوس الجسر، ليجعل في مقابله حركة الخيل المنقضّة. وتكمن المفارقة في أن اندفاعها للأمام يتجلى من خلال وضع الثبات المتكرر الذي اتخذته الجياد أثناء انتصابها على قوائمها الخلفية تمهيداً لكبوة الجواد الذي سقط راكبه في أقصى اليمين بعد أن استنفذت موجة الحركة جميع قواها. ويكاد الموضوع المصوّر برمّته يزحف في أعقاب هذه الحركات المنحنية المقوّسة التي تتأبى على استكمال شكل الدائرة. كذلك كان روبنز يلجأ إلى التوزيعات الفنية المائلة حين يقصد الإيحاء بعدم الاستقرار، حتى أننا نراها في لوحة “رفع الصليب” (لوحة 476) تؤازر الجهد العضلي الشاق الذي تبذله الشخوص في رفع الصليب وفوقه المسيح.
ويعرف الفنان حق المعرفة أن العناصر التي يختزنها في ذاكرته وتلك التي يستعيرها من الطبيعة وأدوات إنجاز عمله الفني تتيح له حين تجتمع كلها في لوحة مصورة أن ينقل إلى غيره الأحاسيس التي يبغي تحريكها في نفوسهم. غير أننا على حين نجد فناناً مثل “بوسان” يضع مسبقاً تنظيماً دقيقاً محدّداً يهزّ به أعماق المشاهد، يكتمل مثل هذا التنسيق تلقائياً دون وعي عند روبنز.
وهنا وهناك ترتسم معالم شخصية الفنان، فعلى حين يحرص بوسان على التعبير عن عواطف بذاتها تجيش بين جوانحه ويصبو إلى نقلها إلى لوحاته، يبسط روبنز كيانه كله على لوحاته. وهكذا تلتقي التلقائية والوعي في الإبداع الفني، غير أن كلاً منهما يسهم بنصيب يختلف باختلاف الفنان، على نحو ما نرى في لوحتيهما “اختطاف السابينات” (لوحة229) و(لوحة 477) على سبيل المثال. فيكشف لنا الفحص الدقيق للوحات روبنز عن وحدة خفية وتناسق سحري آسر لكأن عالمه يخضع لقوانين مكنونة صارمة يصعب تحديدها ويتعذر علينا اكتشافها. فثمة نهج خاص به ينسق الأشكال والكائنات ويحدد الزمان والأعمار والفصول والمواسم لا نملك إلا أن ندعوه نهج روبنز، يغدق علينا فيضاً لا ينضب من كنوز الطبيعة الوفيرة وعطاياها الثرة. وعلى حين تلفتنا غزارة الثمار في لوحات روبنز فإننا نلحظ ندرة ما تضمّه من زهور، إذ يبدو أن أريج الزهور لم يكن يشدّ هذا الفنان الذي كان يفضّل رسم الثمار الناضجة يشكّلها في عناقيد وأكاليل تزخر بها لوحاته، كما أنه عادة ما يكون ضوء روبنز هو ضوء الظهيرة في رائعة النهار، وموسمه هو الصيف حين تبلغ ثماره النضج توطئة لجنيها في الخريف.

وكان روبنز يستعير عناصر تكوينه الفني من الحياة سواء تناول موضوعاً دينياً أو دنيوياً، مجنّباً تصاويره كل ما يباعد بين الصلات، مؤثراً أن تتوحّد الأشكال كلها في قوّة محرّكة واحدة شبيهة بتلك القوة التي تدفع أمواج السيل إلى التعانق والتعاقب كل منها إثر الأخرى، حتى لتملك لوحاته المترابطة الأجزاء أن تنقل إلينا تيار الحياة الدافق، على نحو ما نرى في لوحة “ربات الحسن يحطن بربة الطبيعة” (لوحة 478)، وفي لوحة “عيد فينوس” (لوحة 479) التي كانت زوجته هيلينا فورمان فيها مصدر وحيه، وكانت هي نفسها النموذج الذي احتذاه الفنان حين رسم الحورية في أقصى اليسار، فنرى ولدان الحب يتسلقون الأشجار ويتدلون منها ويتواثبون في كل مكان خلال هذا الاحتفال الماجن، كما تتبدى أيدي الحوريات والساتير وهم يرقصون في أقصى يسار الحديقة اثنين اثنين رقصة عارمة محمومة، ينصهرون ويذوبون معها دفئاً ونعومة ومجوناً نكاد ندركها لمساً.
ويصافحنا الثراء الباروكي الطليق مرّة أخرى حين نتأمّل إلى لوحاته في أخريات أيامه وهي “حديقة الحق” (لوحة 480) التي تقع أحداثها في حديقة قصره بأنفرس، الذي ما يزال مدخله المزين بالزخارف المعمارية قائماً حتى اليوم. ويتجلّى موضوع الحفل الماجن في خط مائل يبدأ من ملاك الحب الريان في أدنى يسار اللوحة، كما نرى روبنز نفسه يدعو زوجته هيلينا فورمان – التي ظهرت في العديد من لوحاته اللاحقة – للانضمام إلى الضيوف في حديقة الحب. وتكشف بقية اللوحة عن سلسلة من الحلزونيات الصاعدة والهابطة صوب فينوس التي تشرف على الحفل من فوق النافورة. ولكي يضفي الفنان الحيوية على المشهد ويجسّد البناء التصويري غمر مساحات واسعة من اللوحة بألوان أصلية ساخنة منها الأحمر والأزرق والأصفر. وإذا كان روبنز قد جمع في هذه اللوحة بين ألوان تتسيانو الفياضة والتوتر الدرامي لتنتوريتو، فقد أضاف إليهما طاقة بلا حدود ونبضاً تفرّد روبنز وحده بإبرازه هو نبض الحياة الحقيقية الذي يفيض في شرايين كل فن جيّاش رفيع.
ومن بين مشاهد المجون والعربدة التي ولع روبنز برسمها مشهد سيلينوس العجوز راعي الإله باكخوس نشوان ثملاً خلال حفل الباكخانال، وقد احدودب ظهره حتى كاد يسقط فاتكأ على اثنين من الساتير والحوريات يشاغبنه فيطاردهن، ويهربن منه ثم يعدن يعاكسنه، وحين يسقط فوق الأرض تهلّل جوقة الساتير والحوريات من حوله: قم: انهض يا أبانا سيلينوس(83) انظر أوفيد. فن الهوى. ترجمة كاتب هذه السطور. الهيئة المصرية العامة للكتاب. الطبعة الثالثة 1992. . ولا تخلو اللوحة من بعض لفتات روبنز المميزة وسماته من أجساد عارية ومختلف أنواع الثمار والفاكهة، كما نلمح في أقصى يمين الصورة وجه زوجته الأولى إيزابيلا براندت (لوحة 481).
وفي لوحة أرتميس (ديانا) نشهد ربّة الصيد العذراء وربّة الخصوبة والحياة والإنجاب تتجول في الغابات والسهول والتلال تحمي الحيوان وترعى الصيادين وتحنو على النبات والحيوان، وتحتشد اللوحة كعادة روبنز بالطير والحيوان والثمار دون الزهور (لوحة 482). وفي لوحة “التحكيم” نشهد باريس يقضي بالتفاحة الذهبية جائزة الجمال لفينوس اعترافاً بتفوّق جمالها على جمال جونو ومنيرفا (لوحة 483). وفي لوحة “اختطاف بنات لوكيبوس” نشهد انقضاض اثنين من أنصاف الآلهة هما كاستور وبوللوكس على امرأتين في تكوين باروكي مدوّم واستعراض سخي للبضاضة الأنثوية. ويلفتنا أن الأجساد العارية التي تغطي أكبر مساحة من الصورة والتي تتبدى فيها ثنياتها وغمّازاتها بكل وضوح تكاد تكون هي مصدر الضوء في اللوحة حتى لكأنها نسيج من الديباج (لوحة 484).
وفي لوحة “أركان الدنيا الأربعة” (لوحة 485) تخيّل روبنز لقاء بين شخوص تجسّد قارات أوربا وأفريقيا وأمريكا وآسيا في صحبة شريكات حياتهم وكأنهم جميعاً في رحلة خلوية، وبينما يسترخي الكبار يلهو الأطفال مع تمساح مستأنس. ومع ذلك تكشف هذه الصورة الرمزية الخيالية عن عين روبنز الدائبة السعي وراء التفاصيل الواقعية، فقد كان معنياً على الدوام بتسجيل التباينات اللمسية اللافتة للنظر كتلك التي تتجلى لنا بين نعومة جسد الطفل وخشونة جلد التمساح. ومع أن روبنز قد نقل في الغالب صورة التمساح من أحد الكتب المصورة أو الصور المطبوعة بطريقة الحفر على الحجر فالراجح أنه رسم النمرة وأشبالها نقلاً عن الطبيعة، فلقد حرص دائماً على رسم عجالات للحيوانات التي يحتفظ بها أصدقاؤه الأرستقراطيون في حظائرهم.
كذلك تميّزت تصاوير روبنز بالمسحة الحماسية الملحمية التي تميّزت بها تصاوير ميكلانجلو وإن خلت من انطوائية روحه وافتقرت إلى حسّه بالتزام الحدود. وعلى حين يذكّرنا تنسيقه لعناصر تصاويره في الفراغ وإطلاقه العنان لحرية الحركة بإلجريكو فإن شخوصه تتميز بالقوة والضخامة على عكس شخوص إلجريكو النحيلة ذات الاستطالة المسرفة. وما من شك في أن نجاح روبنز في تصوير الموضوعات الدينية والمشاهد الإنسانية والمناظر الطبيعية فضلاً عن الموضوعات الميثولوجية و”الباكخانالية” التي كانت تلقى هوى من نفسه تكشف عن قدراته التصويرية الغزيرة، فيندر أن نظفر بفنان يبزّه في تنوّع ابتكاراته واتقاد خياله وقدرته المذهلة الخارقة على تحقيق المنجزات العظمى. وليس ثمة فنان عظيم أعطى هذا القدر من الاهتمام لدراسة أعمال أسلافه مثلما فعل روبنز، وكانت النماذج التي أخذ عنها عُراته هي نماذج العصر الكلاسيكي وميكلانجلو وماركو أنطونيو، كما حاكى تتسيانو في ألوانه دون أن يحاكيه في أشكاله، ومنهم جميعاً تعلّم القواعد الصارمة التي ينبغي خضوع تصوير الجسد العاري لها فضمن لأعماله الخلود. لقد ظل يحاكي الأشكال الكلاسيكية وروائع أسلافه إلى أن استقر في النهاية على مثل أعلى للكمال الجسدي أخذ يخضع له ما يصوره من عناصر الطبيعة.
ففي لقائنا مع روبنز نجد أنفسنا في حضرة أستاذ لا يبارى في تصوير “فينوس الدنيوية” التي تفور فيها الحيوية ويتدفّق الحماس وتتجلّى دقّة التنفيذ. وإذا كان البعض قد قَصُر عن فهم روبنز فاتهمه بالابتذال والتخصّص في تصوير النساء المكتنزات، فمردّ ذلك إلى عدم فهم هؤلاء لطبيعة روبنز وما تحلّى به من انضباط فنّي ارتقى به إلى مكانة الأستاذ المتفرّد. وهو ما يتجلّى في مقارنته بمعاصره جاكوب جوردانز الذي قد يبدو لأول وهلة مشابهاً له، غير أننا ما نكاد نتطلّع إلى أعماله حتى تتكشّف لنا نظرته البهيمية إلى الجسد الأنثوي رغم كل ما تتخفى وراءه من جاذبية مظهرية حتى لتبدو لنا نساؤه العاريات سوقيات مبتذلات، فلقد كان روبنز قبل كل شيء أعظم مصور ديني في زمانه حتى ليعجز المشاهد عن التفريق في لوحاته بين الحسية والإحساس الديني اللذين نجح في صهرهما في بوتقة واحدة. وفي لوحة “ربات الحسن الثلاث” (لوحة 486) تترنّم خصلات الشعر الذهبية والأثداء المكتنزة بفكرة “الوفرة” التي يقدّمها لنا روبنز ممتزجة بنشوة ساعة الحصاد، وهو ما يسبغ البراءة على نسائه العاريات اللاتي يمثّلن أكثر عناصر الطبيعة إبهاجاً، بعكس ما تمثّله العاريات الكلاسيكيات العصيات وسط الرعود والبحار مطاردات بنزوات الآلهة الغضبى، بينما لا يهدد نساء روبنز غير انقضاض مفاجئ لأفواج الساتير فيبدون وكأنما يتحرّقن شوقاً إليهم.
لقد كان روبنز حريصاً على رسم شخوص على قدر من الاكتناز، وهو ما فعله فنانو عصر النهضة وإن اختلف نهجه عن نهجهم. فعلى حين كانوا يوحون بثقل وزن المرأة من خلال الأشكال محددة المحيط لإبراز صلابة كتلتها، سعى روبنز إلى تحقيق الغرض نفسه من خلال تراكب الحواف المحوطة والعناية بتجسيم أعضاء الجسد، وهو ما يشحن لوحاته بالامتلاء والوفرة والحركة الدافقة. ولم يكن ذلك عن ولع منه بالنساء المكتنزات فحسب بل وعن تقديره للأثر الجمالي للأجساد البضة. فذلك الإيحاء بالحركة الذي يسري في جذع الجسم الأنثوي الذي بثّه الفنان الإغريقي عبر الأردية اللصيقة الواشية توصّل إليه روبنز من خلال ارتعاشات البشرة المعبّرة عن حالات التوتّر أو الاسترخاء. موجز القول إن فنه لم يتوقف عند حد العناية بالخطوط والاستدارات بل امتد إلى التعبير عن صلابة الجسد المصور وما يغمر سطحه الخارجي من انفعالات. ولقد أخذ البعض على روبنز اهتمامه أكثر من أسلافه بتصوير اكتناز اللحم الأنثوي وملمس البشرة، إذ ساد الفن الأوربي وقتاً ما اعتقاد بأنه كلما كشف الشكل المصوّر عن المكنون الداخلي كان جديراً بالتقدير. لكن هذا المفهوم لم يجد صدى لدى روبنز فانبرى يقدم الأشكال الصلبة والأجساد ذات الوزن الجيّاش بالحركة المتألّقة بالبريق المنعش، وهو ما يتطلب إضافة إلى الحس الرهيف قدرة فذّة على التصوير من خلال الاستحواذ على تقنية عالية، وقديماً اتهم ديدرو المئات من المصورين بأنهم أمضوا أعمارهم دون أن يصلوا إلى الإحساس بروعة “الجسد الأنثوي”. ولعل الأقرب إلى الصواب أن نقول إن المئات من المصورين الذين يحسّون روعة هذا الجسد لا يملكون القدرة على تصويره، ذلك أنه مادة لا نظير لها في الكون كله. إنه نسيج فريد يجمع لونه بياض اللبن وحمرة الورد، ويرقّ ملمسه عن الحرير والمخمل، ترتشف بشرته قطرات الضوء المتساقط عليه وتحيله وهجاً يجتذب إليه العين والوجدان، فإذا مشاهده أسير فتنته الهادئة الطاغية. من أجل ذلك كله كان تصويره مشكلة عصيّة عكف كل مصوّر نابه على محاولة الاهتداء إلى حل لها من خلال استخدامه العجائن اللونية اللزجة التي تجري بها فرشاته. ولعلّه لم يتح لغير ثلاثة من المصورين فحسب أن يكونوا على ثقة بما حققوه في هذا المجال وهم تتسيانو وروبنز ورينوار.
وفي النهاية فإن عظمة روبنز لا تكمن فيما حقّقه من تقنية فنية بقدر ما تكمن في اقتدار خياله، فلقد تناول جسد الأنثى الممتلئ الرخي الريان المتشح بالثياب فأحاله بخياله نمطاً أنثوياً فريداً دون التضحية إلا بأقل القليل من معالم واقعه الحسّي خلاصة القول إن روبنز قد أدّى للجسد النسائي العاري ما أداه ميكلانجلو لجسد الرجل العاري.

روبنز: الطفل والعصفور. متحف برلين.

روبنز: تقديم المجوس الهدايا للمسيح الطفل. متحف أنفرس.

روبنز: صورة ذاتية للفنان. متحف تاريخ الفنون بفيينا.

روبنز: طعنة الحربة في جنب المسيح. متحف أنفرس.

أنطوني فان دايك

عصر الباروك

أنطوني فان دايك
(1599-1641)

ولا نستطيع ونحن نستعرض نخبة المصوّرين الفلمنكيين أن نغفل سير أنطوني فان دايك Antoon Van Dyck المولود بمدينة أنفرس والذي برز أستاذاً لفن البورتريه والتكوينات الباروكية، وتتلمذ في سن التاسعة عشرة على يد روبنز حتى غدا بعد عامين اثنين أقرب تلاميذه إلى قلبه وأشدّهم قرباً إلى أسلوبه. زار إنجلترا في شبابه ثم رحل إلى إيطاليا حيث تأثّر بأسلوب مدرسة البندقية وخاصّة تتسيانو، وعاد إلى أنفرس ليؤسّس مرسمه الخاص ويغدو منافساً لروبنز. وبأنفرس أخرج مجموعة الصور المطبوعة بطريقة الحفر المعروفة باسم “إيقونوغرافيا” التي تضم صوراً شخصية لعلية القوم من معاصريه وبعض الموضوعات الدينية في أسلوب باروكي خاص به، إلى أن دعاه تشارلس الأول ملك إنجلترا في عام 1632 ومنحه لقب “سير” وتزوّج بإنجليزية من الطبقة الأرستقراطية، ومن ثم شرع في سلسلة تصاويره للملك تشارلس الأول وأفراد الأسرة المالكة والطبقة العليا التي خلّفت برقّة أسلوبها وعذوبة ألوانها ورصانتها آثاراً باقية، بل مدرسة انتهجها رعيل غفير من أساطين التصوير الإنجليزي. وكان فان دايك يرسم أبطاله وبطلاته بأسلوب رفيع مميز سواء كانوا من الطبقة العليا أم من جماهير الشعب، وسواء كانوا يتّصفون بالقبح أو الجمال فيكشف عما في سرائرهم من استعلاء أرستقراطي ونظرات متعالية أو ما يضمرونه من حزن رومانسي، ثم يضيف إلى ذلك ما هو كامن في وجدانه هو. وهكذا استطاع بسحر فرشاته أن يخلع على أبطاله وبطلاته طابعاً مميّزاً، حتى وصف مؤرّخ الفن الفرنسي هنري فوسيون(84) Focillon, Henri. Vie des Formes, 1934. أعماله بأنها أشبه بالمرآة، يمكن لمتحذلقي الإنجليز أن يتطلّعوا إليها جيلاً بعد جيل فيروا انعكاس أشكالهم فيها، بل إن من يجلسون اليوم إلى مصوّري البورتريهات ليتوقون إلى أن يصوروا مثلما صور فان دايك أسلافهم منذ أكثر من ثلاثة قرون.
ويعدّ بورتريه الملك تشارلس الأول المحفوظ بمتحف اللوفر أجمل الصور الشخصية التي رسمها فان دايك لهذا الملك الوسيم أثناء توقّفه خلال إحدى رحلات الصيد بعد أن ترجّل عن جواده الذي أسلمه لتابعه وسائسه (لوحة 488). ونراه وقد خطا بضع خطوات تتيح له تأمّل المشهد الطبيعي البديع المنبسط أمامه دون أن يتخلّى حتى أثناء هذه الوقفة عما كان يتسم به من تعال وخيلاء. فلقد التقط فان دايك من نموذجه سيماء الملكية وما تنطوي عليه نفسه من زهو وكبرياء تجلّيا في لفتة رأسه وفي حركة يده التي مدّها في تيه للإمساك بعصاه. وفي الوقت نفسه سجّل للملك ما اشتهر عنه من أناقة رصينة جعلت منه أول “المتأنقين(85) Dandyism الغندورية هي المبالغة في التأنق والتكلف. (معجم المصطلحات الأدبية للدكتور مجدي وهبة). ” في التاريخ الإنجليزي إذ كان حريصاً دائماً على أناقة ملبسه ومظهره، ولا غرو فقد كان فان دايك سريع النفاذ إلى السمة المميزة لأي شخصية يصورها. وثمة مفارقة تاريخية تسترعي الانتباه لازمت هذا البورتريه، فالمعروف أن صاحب هذه الصورة قد فقد رأسه تحت نصل المقصلة، ثم تشاء الظروف أن يعجب لويس السادس عشر بهذا البورتريه فيقتنيه ليلقى بدوره المصير نفسه بعد بضع سنين.
وما من شكّ في أن الفنان حين يكشف عن ذاته في لوحاته يكشف من حيث لا يدري عن كل تجاربه في المجتمع الذي يعيش بين ظهرانيه. وإذا كان المؤرّخ الفيلسوف هيبوليت تين قد أكّد هذه العلاقة إلا أنه قد فاته أن الفنان العظيم مهما بلغ تأثّره ببيئته فإنه لا يأخذ منها إلا المادة الخام الضرورية التي لا يلبث أن يطبعها بطابعه الخاص قبل أن يحيلها إلى إنجاز مرئي، وهكذا يتفوّق الفنان العظيم على الفنان الرديء بما يسهم به من قيم ذاتية. ولقد أدرك الشاعر الفرنسي الرقيق تيوفيل جوتييه هذا الفارق الدقيق بأكثر مما أدركه الفيلسوف تين، وذلك حين ذهب في كتابه “تاريخ الرومانسية” إلى أن كبار الأساتذة قد يبدون لنا منعزلين عن مجتمعهم، لكننا إذا تطلعنا إليهم عن كثب نجدهم قد شاركوا في حياة مجتمعهم وتلقوا عنه بقدر العطاء نفسه الذي قدّموه تقريباً مستلهمين الأفكار الشائعة في عصرهم. غير أنه ما يلبث أن يضيف ما يحدّد قصده بقوله: “لكنهم خلّفوا بصمات واضحة، فصاغوا من المعدن الذي قدمه إليهم عصرهم أوسمة خالدة، ذلك أن النحل والزنابير تلتقط الرحيق نفسه، غير أن النحل وحده هو الذي يحوله إلى شهد فيفرز العسل المصفى ويضفي عليه من حلاوته.” وهنا يكمن الفارق الجوهري الذي يميّز الشاعر المبدع عن الصانع الحاذق، فنحن إذا جمعنا بين مصورين من أسرة واحدة ومن وسط واحد ومن عصر واحد، بل إذا انتقينا اثنين من العباقرة كان أحدهما تلميذاً للآخر نشأ في مرسمه وترعرع، لوجدنا كلاً منهما ينفرد بعالم خاص به وحده. ذلك هو موقف روبنز وتلميذه الأثير فان دايك، فعلى حين تميّز روبنز بالثراء والمرح الصاخب تميّز تلميذه فان دايك بالحزن والاكتئاب، فاحتل مكان ألوان روبنز القانية الساخنة نزوع فان دايك إلى اللونين الأبيض والأسود وألوان الخريف الفاترة حيث يختلط الذهب النحاسي والأحمر القاتم والأصفر الباهت المشوب بالزرقة، كما اختفى قيظ ظهيرة الصيف عند روبنز لتحلّ محلّها روعة احتضار الغسق حين تمتد الظلال لتخنق بقايا ضوء النهار.
وفي هذا السكون الظليل تفقد الأشكال إيقاعها وثقتها بنفسها ولا يعود الرسم المحتشد المتماسك يزحف زحف أفعوان ضخم بل يسترخي وينساب في خمول كشريط دخان يتبدّد متطامناً، وتفقد الشخوص عنفوانها العضلي فتبدو نحيلة ممدودة تهيم بالرشاقة أكثر مما تسعى وراء القوة وتعكس حركاتها روحاً جديدة. فبينما ولع روبنز بعرض أجساد شخوصه متزاحمة وهي تشق طريقها متدافعة بالمناكب، استبدل فان دايك بقوة الأجساد الرخاوة الدالة على الأرستقراطية، فتبدو بسيخي الغافية لا تكاد تلامس الأرض وكأنها تطفو فوق سطح الماء، وإيروس رب الحب لا يمس الأرض إلا بإبهام قدمه التي تحمل جسده، قانعاً بأن يحوّم بأصابع كفه فوق جبين بسيخي (لوحة 489)، فالتلامس الرقيق هو لغة الأطراف عند فان دايك. وهو ما يطالعنا أيضاً في لوحة “استشهاد القديس سباستيان” بعد أن حكم عليه دقلديانوس بالموت رمياً بالسهام فإذا بأم أحد أصدقائه الشهداء تكتشف أنه ما تزال تدبّ فيه الحياة فتتعهّد جراحه بالرعاية حتى يبرأ منها، لكنه ما يلبث أن يجاهر أمام الإمبراطور بإيمانه بيسوع المسيح فيأمر بضربه بالعصا حتى يهلك.
ويجسد فان دايك هذا المشهد الدرامي في أسلوب عذب رقيق، فيرسم القديس وما يزال رمق الحياة ينبض فيه وإلى جواره درعه، وقد اكتست ملامح وجهه بطهارة الامتثال لقضاء الله والاستهانة بالموت. وتخيل الفنان الملائكة يهبطون عليه يخففون عنه آلامه ويستخرجون السهام من صدره وكتفه ويفكّون القيود التي تغلّل قدميه في حنان بالغ ورقّة فيّاضة تهوّن عليه ما يكابد من معاناة (لوحة490). وهكذا يتجلّى لنا التباين بين روبنز وفان دايك اللذين كان أولهما يشدّد قبضة شخوصه على ما يمسكونه بأيديهم بينما يكتفي ثانيهما بمجرّد اللمس الحاني الرقيق. على أن فان دايك لم يفته أيضاً تسجيل الأساطير اليونانية القديمة ومن أبرع لوحاته التي حاكى فيها أستاذه روبنز لوحتاه “نشوة سيلينوس” و”سيلينوس ثملاً” (لوحة 491، 492) اللتان تمثّل فيهما وصف أوفيد لمربّي الإله باكخوس في كتابه “فن الهوى”.

فان دايك: سيلينوس ثملاً. متحف درسدن.

فان دايك: نشوة سيلينوس. ناشونال جاليري بلندن.

فان دايك: استشهاد القديس سباستيان. المتحف القومي بروما.

فان دايك: إيروس وبسيخي. هامبتون كورت.

فان دايك: بورتريه الملك تشارلس الأول. متحف اللوفر

جاكوب جوردانز

جاكوب جوردانز
(1593-1678)

وثمّة مصوّر فلمنكي حاذق هو جاكوب جوردانز Jacob Jordaens برع أيضاً في تصوير الموضوعات الدينية والأسطورية والبورتريهات ومشاهد الطبيعة الساكنة والحياة اليومية وتصميم رسوم النسجيات المرسّمة. وكان قد قضى فترة تدريبه ومرانه بمرسم روبنز واشتهر بالأصالة والابتكار على الرغم من تأثّره بكارافاجيو وروبنز. وبعد وفاة الأخير تزعّم ريادة مدرسة الباروك الفلمنكية، وكان غزير الإنتاج، فقد بلغ عدد لوحاته المصوّرة المنوّعة الخمسمائة من بينها موضوعات مكرّرة، أسوق من بين أعماله المتميّزة موضوع “نخب الملك” (لوحة 495) الناضح بالمرح وخفّة الظل.

هوجارث


هوجارث: الزواج على نهج العصر. هروب العشيق من النافذة بعد أن طعن الزوج المخدوع بسيفه. ناشونال جاليري. لندن.
هوجارث: الزواج على نهج العصر. انتحار الكونتيسة. ناشونال جاليري. لندن.
296


هوجارث: الصباح في سوق الخضار بكوفنت جاردن. مجموعة بيرستيد. آبتون هاوس.

هوجارث: بورتريهات خدم هوجارث الستة. تيت جاليري لندن.

هوجارث: الزواج السعيد. الخياط يحكم ثوب الرقص على جسد زوجة أحد ثراة الريف. تيت جاليري. لندن.

هوجارث: الزواج السعيد. الحفل الراقص. كامبرويل جاليري. لندن.

هوجارث: الزواج السعيد. الحفل الراقص. ( تفصيل).

هوجارث: الحفل الراقص. خط الرشاقة والجمال. عن كتاب “تحليل الجمال”.

هوجارث: بورتريه هوجارث وكلبه “البج” الأفطس الأنف (1745) تيت جاليري. لندن.

مدرب الرقص وأنتينوس.

هوجارث: خط الجمال والرشاقة. تفصيل.

هوجارت

وليام هوجارث

(1697 – 1764)

يعدّ المصوّر وليام هوجارث أكثر الفنانين البريطانيين شعبيّة في عصره، إذ طبع الفن الإنجليزي أثناء حياته بطابعه الشخصي. وكان لاعتزازه بأسلوبه الفريد صداه في خلود صيته، فلقد كانت موضوعاته المتـّـسقة مع روح العصر، أو بمعنى آخر “رواياته المصوّرة” – كما كان يُطْـلـَـق عليها في زمانه وفي القرن التالي – أهم ما أبدعته قريحته حتى ذهب الأديب وليام هازلت إلى أن مقام هوجارث يأتي في المرتبة التالية لشكسبير باعتباره أكثر الفنانين إدراكاً لجوهر الملهاة الإنسانية. فقد ابتكر هوجارث – من خلال تنسيق مشاهده المصوّرة في سلسلة متـّـصلة تروي قصة مكتملة مستمرة من الحياة المعاصرة – لوناً جديداً من الفن انطوى شأن معظم مسرحيات عصره على حبكات مسرحية بالغة الإتقان، ومواجهات درامية عميقة، وعناصر تراجيدية متكاملة، وديكورات متنوّعة، فضلاً عن تناول أحداث اجتماعية معاصرة. وما من شك في أن الكثير من السوابق الفنية التي تناولت مثل هذه العناصر كانت متوفـّـرة، تأتي في مقدمتها سلسلة تاريخ ماري ده مديتشي لروبنز بمتحف اللوفر، وكذا الصور الهولندية الحاضّة على التمسّك بالفضيلة، واللوحات الفرنسية المصوّرة والمطبوعة بطريقة الحفر التي تسجّل السلوكيات المعاصرة بحذق شديد وخفـّـة ظل ملحوظة. والثابت أن مردّ ابتكار هذا النمط التصويري الذي يضم هذه العناصر جميعاً هو “المسرح”، ثم الأدب الروائي والشعر الهجائي الإنجليزي.

ولقد أثبت هوجارث جدارته الإبداعية بتقديم هذا اللون الجديد من التصوير الذي أطلق عليه اسم “الموضوعات الأخلاقية المعاصرة المشابهة لما يُقدَّم فوق خشبة المسرح”، إذ كان دائم التطلّع إلى الظفر بصفة المؤلف المسرحي على الرغم من أن ممثّليه كانوا يؤدون أدوارهم ضمن إطارٍ مسرحي صامت. وقد عُرضت لوحاته الأصلية ونسخها المطبوعة بطريقة الحفر للبيع في مجموعات تنتظم تفاصيل يتكرّر بعضها في كل مشهد بغية إضفاء قدر من الوحدة على السياق الفني للمجموعة بكاملها. ويبقى هوجارث أكثر المصوّرين الإنجليز شعبية بما قدمه من نمط جديد في فن التصوير، فلقد كان شديد الوضوح في تحديد أهدافه، كما انطوى إنتاجه على سمة أدبية لا تكاد تُـلحظ تُرهص بأعمال الفنان الفرنسي جروز، ومع أنه لم يقصد أن تنهج صوره نهج الرواية المسرحية تماماً إلا أن العنصر السردي تجلّى بوضوح في أعماله. ومن الإنصاف أن نقرّ بأن كافة الأحداث السّردية التي انتظمتها مجموعات صوره المطبوعة بطريقة الحفر والتي تـُـبرز مخاطر الجشع والعلاقات مع العاهرات أن مساوئ الانتخابات إلى غير ذلك، جعلته يتبوّأ عن جدارة مكانة الفنان الرائد في هذا المضمار، لقدرته الفذّة على التصوير الدرامي لسلوك الأنماط المختلفة الشائعة في مجتمعه. وشأنه شأن مصوّري طراز الروكوكو المعاصرين له كان يعرض لوحاته وكأنها منصّات مسرحية منمنمة لا يدور فوقها إلا ما يبعث على السخرية من حماقات قومه والتنديد بها. وكان هذا الاتجاه الثوري الناقد قد سبقه إليه جون جاي John Gay (1685 – 1732) حين قدّم على خشبة المسرح مسرحية “أوبرا الشحاذ(36)Beggar’s Opera مسرحية موسيقية للكاتب المسرحي والشاعر الإنجليزي جون جاي، شخوصها الأساسيون هم بيتشام وزوجته وابنته الجميلة بولي. وكان يتاجر في البضائع المسروقة كما يتكسب من إبلاغ السلطات عن نشاط زبائنه. ثم هناك لو كيت مدير سجن نيوجيت الشهير بلندن وابنته لوسي، والكابتن ماكهيث قاطع الطريق ومحبوب النساء. وتقع بولي في حب ماكهيث فيتزوجها. وعندها يجن جنون أبيها لإقدامها على هذا الزواج المشين فيعقد العزم على أن يجعل منها أرملة، وذلك بإرشاد السلطات عنه فتعتقله وتودعه سجن نيوجيت. وهنالك يغزو قلب لوسي، ومن ثم ينشب صراع حاد بين بولي ولوسي المتنافسين على الاستحواذ على قلبه، فينشد ماكهيث أغنيته الشهيرة: “أنى لي أن أعيش سعيداً بين امرأتين … إلا بإضافة حسناء ثالثة؟” وعلى الرغم مما تحس لوسي من غيرة فإنها تدبر خطة لهروب ماكهيث. وقد لقيت هذه المسرحية – وما تزال إلى اليوم – نجاحاً منقطع النظير، ويقال إن جاي ربح من ورائها ثمانمائة جنيه استرليني. ” التي ظفرت بإعجاب هوجارث لأنها كانت من ناحية الشكل والمشاعر تمثـّـل نموذجاً فنياً يـُـتيح لمواهبه الإفصاح عمّـا تتطلـّـع إليه، إذ قامت على الهجاء والسخرية والفكاهة وإثارة العواطف واستمالة النفوس. وكلها عناصر ذات جاذبية شديدة بالنسبة لكافة طبقات المجتمع الإنجليزي، فضلاً عن أنها كان تنتظم العديد من الألحان والأغاني والمواقف القائمة على المفارقة بهدف السخرية من تقاليد الأوبرا الإيطالية – وهى الصيغة الموسيقية لطراز الروكوكو – وحوارها المحشو بالعبارات الطّنانة الرنانة المثيرة حيث يبدو المغنّي الخصي(37) (Castratus) Castrato صوت مغنّ من طبقة السوبرانو أو الكونترالطو من الذكور. وهو صوت قوي مرن واسع المدى لا يمكن توفره إلا بعد إخصاء الصبية قبل سن البلوغ. وظهر الصوت الكاستراتو لأول مرة حين حرم على النساء المشاركة في الغناء بجوقات الإنشاد في الكنائس والمسرح الأوبرالي. وكان أغلب مغني الأوبرا الإيطالية خلال القرن 18 من الخصيان “الكاستراتي” حتى بلغ عددهم في كنائس روما وحدها مئتي مغن، وأعظمهم شهرة فارينيللي Farinelli . وتقوم النساء اليوم بتأدية كافة الأدوار التي ابتدعها كل من جلوك وموتسارت للمغنين الكاستراتي. والمغنيَّة الأولى “البريمادونا” ينشدان أغنية حب لا ينتهي بالنهاية السعيدة المنشودة ببن العاشقين، أمام جمهور تشدُّه الواقعية غير مكترث بالرومانسية المثيرة للسخرية، فإذا هوجارث يسارع إلى تسجيل مشهد ماكهيث بطل المسرحية محاصراً بين زوجته وعشيقته، وقد ضمَّن المشهد الممثّلين والمتفرّجين على السواء.

وتقوم المسرحية على سلسلة من المفارقات، فماكهيث قاطع طريق ضال، لكنه في الوقت نفسه بطل رومانسي ينحدر من أرومة النبلاء. وعلى حين نرى اللصوص عصبة متآخية يتبادل أفرادها الوفاء والإخلاص يبدو المحامون وزبانية السجون أوغاداً محتالين. ثم تبلغ المفارقة ذروتها في النهاية على لسان المؤلف الشحّاذ حين يعلّق قائلاً: لقد تبيّن لنا خلال الأوبرا من بدايتها حتى ختامها تشابه العادات بين أفراد الطبقتين العليا والدنيا حتى بات من الصعوبة بمكان حين نتأمل الرذائل الشائعة معرفة ما إذا كان “الجنتلمان” هو الذي يقلّد رجل الشارع أم أن رجل الشارع هو الذي يقلّد الجنتلمان، فللطبقة العليا أيضاً رذائلها شأن أفراد الطبقة الدنيا. وقد أدرك هوجارث منذ البداية أن جمهور المتفرجين جدير هو الآخر بنصيب من السخرية فجعله يشكّل جزءاً من الدراما الموسيقية، وإذا هو يصوّر في النسخ المبكرة للوحة “أوبرا الشحاذ” (1728) جمهور المتفرجين في صورة كاريكاتورية غير مبال بمتابعة العرض المسرحي (لوحة 254).

ويقع المشهد الذي سجّله هوجارث قبيل خاتمة المسرحية عندما أخذت كل من لوسي – ابنة السجان في يسار اللوحة – وبولي – ابنة التاجر المخادع في يمين اللوحة – بالتوسّل إلى أبويهما للإفراج عن قاطع الطريق ماكهيث، فثمة مأزق عويص سيترتب على الإفراج عن ماكهيث، الذي يقف متوسّطاً اللوحة حائراً لا يدري أيتهما يختار من المرأتين الوفيّتين… زوجته أم عشيقته؟ وهنا تتباين الشخصية الجذّابة لقاطع الطريق مع تحجّر قلبي السجّان والمحامي المتلهّفيُن إلى مشاهدة ماكهيث وقد تدلـّـى جسده من حبل المشنقة. غير أن المؤلف يحاول الإفلات من هذا المأزق بحلٍّ يحسم الموقف، فيقضي بشنق ماكهيث، فإذا الممثـّـل يعترض المؤلف قائلاً: “إنك بهذا الحل تحوّل المسرحية إلى مأساة مع أن المفروض أن تنتهي الأوبرا نهاية سعيدة حتى نظفر برضاء الجمهور”.

وكان جون ريتش منتج هذه المسرحية قد اشترى من هوجارث النسخة الأولى من هذه اللوحة، وطلب منه أن يعدّ نسخة أكبر حجماً وأحكم تفصيلاً لتعليقها في مسرحه، وهي النسخة الخامسة الموجودة حالياً بجامعة ييل بنيوهافن (1729) والتي يحتفظ التيت جاليري بنسخة منها مطابقة (1731) (لوحة 255). وهاتان النسختان الأخيرتان أشدّ إتقاناً وصقلاً من النسخ المبكّرة. وفضلاً عمّا أضافه هوجارث إلى هذه النسخة من تنقيحات إذا هو يضمّـن جمهور المتفرّجين شخصيات معروفة في المجتمع بعد أن أضفى عليهم مسحة كاريكاتورية، فرسم في أقصى اليمين “دوق بولتون” وهو يتطلّع في اشتهاء إلى “لافينيا فنتـوم” التي تؤدي دور بولي (لوحة 256) موحياً بما كان معروفاً لدى العام والخاص من علاقته بها، كما استند طرفا منصة المسرح يمنة ويساراً علي تمثاليْن لساتيرSatyri جنس خرافي من الذكور أنصاف الآلهة في حالة سعار جنسي دائب، صوّرهم الفنانون الإغريق والرومان على هيئة البشر وإن اختلفوا عنهم نوعاً فتحورت بعض أعضائهم إلى صورة أعضاء الحيوانات كذيول الخيل مثلاً، واتخذ بعضهم هيئة تيس له قرنان دقيقان وأذنان منتصبتان وقوائم ذوات حوافر. وقصص الساتير “أو الفون Fauni” لا تحصى، فهم دائما مشحونون بالشهوة مغرمون بالرقص والعربدة “م. م. م. ث”. يشير أحدهما إلى دوق بولتون. وكان للنجاح الذي استـُـقبلت به لوحة “أوبرا الشحاذ” ما أقنع هوجارث بأن مشاهده المصوّرة المستمرة من الحياة اليومية الساخرة لأنماط المجتمع السائدة آنذاك ستظفر بإعجاب كاسح. ومن هنا يرجع الفضل إلى جون جاي في ظهور أسلوب تصويري جديد مبتكر ما لبث أن شاع في كافة الدوائر الأدبية والفنية بأوربا، فإذا هو يخلّف أثره في فرنسا على ديدرو، وفي البندقية على الكاتب المسرحي كارلو جولدوني والمصور بييترو لونجي كما أسلفت، وفي ألمانيا على جوتولد لسنج ورفاقه من الأدباء والفنانين. غير أن هوجارث سبقهم جميعاً حين انتقل من نطاق المسرح المستوحَى من مشهد “أوبرا الشحاذ” إلى تصوير البورتريهات و”صور اللقاءات الودّية ومجالس الألفة(38) Conversation Pieces “. وهي صور لبورتريهات جماعية تضم أفراداً رفعوا الكلفة فيما بينهم كأفراد أسرة أو مجموعة أصدقاء موزعين أمام خلفيّة من الأثاث والمقتنيات المألوفة داخل الدور بينا يتسامرون أو يشغلون أنفسهم بالحكايات والنوادر والشائعات المتداولة (لوحات من 257 إلى 261). وعادة ما كانت هذه الصور صغيرة الحجم. وترجع النماذج الأصلية لهذا النوع من الصور إلى الفن الفلمنكي والهولندي في القرن السابع عشر. وقد شاع هذا النوع من الصور وتألّق بصفة خاصة في البورتريهات الإنجليزية خلال القرن الثامن عشر على يد هوجارث وغيره، فقد وجد الفنانون في تصوير مجالس الألفة ما يتفق وميولهم. ومن أروع صور اللقاءات الودية مشهد الأطفال وهم يمثّلون مسرحية درايدن “الإمبراطور الهندي أو غزو المكسيك” أمام جمع من فتيان الأسر المالكة (لوحة 262)، فإذا هوجارث ببراعته الفائقة في استخدام المنظور يعثر على الحل المنشود لمشكلة إسباغ الأهمية على المشاهدين والممثلين في آن معاً، بحيث ينال الجميع من العناية ما يتفق ومكانته وسنّه.

وقد قدّم هوجارث عدداً وفيراً من صور اللقاءات الودّية التي اعترف أنه كان يؤثرها على رسم البورتريهات لأنها كانت تمنحه فرص استثمار خياله، وتـُـتيح له إمكانيات التعبير الفكاهي أو التعليق الساخر من حماقات البشر، على نحو ما نشاهد في لوحتيه “بيت من أوراق الكوتشينة(39) The House of cards ” [أو البيت المتهاوي] (لوحة 263، 264) حيث نرى مجموعة من الأطفال يؤدون أدواراً يحاكون فيها آباءهم وذويهم، بينما يوحي المشهدان بالتهاوي والانهيار، إذ ما يلبث البيت المشيّد من أوراق الكوتشينة في اللوحة الأولى أن يتهاوى، كما نرى في اللوحة الثانية كلباً يقلب منضدة الدّمى رأساً على عقب، وكان هوجارث يرمز بتقليد الأطفال سلوك الكبار إلى عبثيّة الطموح البشري القائم بدوره على أسس واهية.

وفي الوقت نفسه الذي ظهرت فيه مجموعة صور اللقاءات الودّية قدّم هوجارث لوناً آخر من التصوير مختلفاً في نمطه وروحه تحت عنوان “قبل” و”بعد”، حيث ينتقل الحَـدَثُ من صورة إلى أخرى تجاورها، واعتاد هوجارث أن يُضفي على أداة من الأدوات المصوّرة سمة رمزية على نحو ما نشهد في الصورتين المعروضتين (لوحة 265، 266)، فأثناء محاولة الفتى اغتصاب الفتاة، تقاومه بمدّ يدها إلى منضدة مجاورة تلوذ بها، لكنها ما تلبث أن تستسلم. وينعكس الموقف في المشهد التالي فتنقلب المنضدة على جانبها، وتبدو المرآة مشدوخة مثلما شـُـدخت بكارتها، وبطبيعة الحال لم يكن خافياً على هوجارث الأصول الفرنسية السابقة على صور اللقاءات الوديّـة التي قدّمها، وكذلك الأمر فيما يتصل بمجموعة “قبل” و”بعد”.

ولم يلبث هوجارث أن انتقل إلى تصوير مجموعات مصوّرة مسلسلة متكاملة قام هو نفسه باختيار موضوعاتها الداعية إلى الالتزام بالفضيلة ومراعاة القيم الأخلاقية، وقد كشفت جميعها عن قوة ملاحظة لا تبارى مقرونة بسخرية لاسعة وإيمان راسخ بأن الفكاهة والهزل وسيلتان تربويّتان إيجابيَّتان لإصلاح عيوب المجتمع، وذلك بأن يدفع الناس إلى الضحك من حماقاتهم ويسخرون من رذائلهم، موضحاً أن جذور الشرور كلها تكمن في الجشع والرغبة في اكتناز المال. على أن حسّ هوجارث الخاص بما يبعث على السخرية امتد إلى ما هو أبعد من الاهتمامات الخلقية، فنراه يسخر في لوحاته من الأجانب الوافدين ومن السيدات المتبرّجات والراقصات الماجنات، إلى أن اكتشف في نهاية الأمر أن النوازع البشرية المتأصّلة في النفوس هي بالتحديد الجديرة بالسخرية، ويسترعي انتباهنا أن المغزى الأخلاقي هو العنصر الثوري في فنه، فلقد سبقه مصوّرو القرن السابع عشر والثامن عشر كما أسلفت إلى تصوير الحياة اليومية المصطبغة إما بفكاهة خافتة أو بإثارة للعواطف أو استمالة للقلوب. وعلى الرغم من حرص هوجارث علي إسباغ الطابع العصري على قصصه المصوّرة فإن المغزى الأخلاقي الذي انطوت عليه بورجوازي محافظ للغاية، إذ كان هوجارث ضد كل تطرف سواء الثراء الفاحش أم الفقر المدقع، وسواء الأدب المتكلّف في إسراف أم الوقاحة الفظّـة، ويتعذّر علينا أن نتبيّن أي الأمرين كان في رأيه أشد سوءاً. وقد عُـني هوجارث بتسجيل تفاصيل لوحاته بدقة شديدة حتى غدت كل صورة من صوره كنزاً من “اللقطات” الذّكية الزاخرة بالتلميحات والتعريض.

وعلى حين كان هوجارث مرحاً خفيف الظلّ مفعماً بالحيوية والاقتدار على التأثير القوي الفعال كلما اتصل الأمر بتسجيل المعايب، إلا أنه لم يُعن العناية الكافية بتقديم السلوك السويّ المنشود. فلقد كانت وسيلة مسرحيات هوجارث المصوّرة في الدعوة إلى تقويم المجتمع والتخلّق بالسلوك السويّ مقصورة على تسجيل سلوك الأنماط البشرية المعيبة والسخرية منها، فإذا هو يقدّم في مجموعة “مسيرة بغي” A Harlot’s Progress على سبيل المثال قصة فتاة ريفية تفد إلى لندن فتقع فريسة لإغراءات المدينة المعاصرة، أو يعرض لمساوئ الانتخابات وما يصاحبها من زيف وتدليس ورشوة، أو للطبقة الأرستقراطية المعربدة التي لا تعيش إلا لإشباع شهواتها المفرطة، فيتزوج رجالها من نساء موسرات ينحدرن من مستوى أدنى منهم من أجل الاستحواذ على ثرواتهن التي سرعان ما تتبدّد على أيديهم. ففي مجموعة “سيرة الماجن أو زير النساء” Rake’s Progress يطالعنا الزوج الشاب المتلاف وقد أوغل بشراهة في الشراب ومغازلة النساء، كما حفلت مشاهدها المصوّرة بالإشارات والتلميحات الذكية المعبّرة التي قد لا تستوعبها إلا صفحات عديدة من إحدى الروايات إلى أن تنتهي حياة الماجن بالجنون.

ويسترعي انتباهنا أن لوحات هوجارث الناقدة اللاذعة التي تصوّر عبث المجتمع ومجونه قد حظيت بإعجاب الجماهير وتقديرها وحماستها لا بسُخطها وانصرافها عنها كما قد يتوّقع المرء. وما من شك في أن هوجارث قد جمع بين جانب من ومضات فاتو المتألقة وأسلوب يان ستين السّردي الساخر قاصداً الترفيه عن عشّاق فنّه بحيث يستمتعون بسخريته اللاذعة دون أن يُـثـقل عليهم بإلقاء المواعظ، ولعله كان أول مصوّر في إنجلترا يغدو ناقداً اجتماعياً.

وقد طُبعت كافة هذه المجموعات بطريقة الحفر على النحاس التي أتقنها حين تعلّم أصول فن الحفر على المعادن حين كان يعمل في صباه لدى أحد صائغي الفضة. وقد أقبل الجمهور على شراء هذه الصور المطبوعة إقبالاً واسع النطاق من خلال نظام “الاشتراكات” مما كان له أثره في شيوعها وذيوع صيتها حتى شبّهها هُوراس والبول بمسرحيات موليير، وقال عنها تشارلس لام Lamb: “غيرُها من الصور نشاهدها، أما صور هوجارث فنقرؤها”. وتؤيد كتابات هوجارث في المرحلة الأخيرة من حياته التي تناول فيها تحليل أسلوبه الفني موضوع أهمية الأداء الدرامي الذي تشرّب أسلوبه خصائصه وهو يرسم أوبرا الشحاذ.

ومن هنا كان المدخل الأول إلى عالم صور هوجارث الأخلاقية هو دراسة مجموعتيه الأوليين “سيرة بغيّ” 1731 التي لم يحفظ لنا الزمن منها إلا صورها المطبوعة بطريقة الحفر على النحاس، و”سيرة الماجن” 1735 المحفوظة بمتحف سير جون سونْ، باعتبارهما سرداً مصوَّراً لقصّـتين كان لهما صدى واسعاً في أوساط معاصريه.

وتبدأ مجموعة “سيرة بغيّ” بصورة سيّدة مُسنّة وقور ترتدي فاخر الثياب وتدير حانة سيئة السمعة تحنو على فتاة ريفية ساذجة وقد خلب جمالها لبّها فعقدت النيّة على استغلالها لحسابها (لوحة 267). وكانت الفتاة قادمة لتوّها من قريتها قاصدة ابن عم لها مقيم في لندن، تحمل إليه إوزّة داخل سلّة هديّة له، وقد علّقت حول عنق الإوزّة بطاقة مدوَّناً عليها: “إلى ابن عمي المحبوب القاطن بشارع تمز بلندن”. أما الرجل المسنّ الواقف عند باب الحانة فيقصد به الفنان هوجارث الكولونيل شارتريس زير النساء الذي سبق أن أنقذه أصدقاؤه ذوو النفوذ من حبل المشنقة. وفي خلفيّة الصورة قسّ ريفي يمتطي بغلاً ويحمل رسالة إلى أسقف لندن يلتمس فيها ترقيته، غير حافل بما سيؤول إليه حال الفتاة القروية ورفيقاتها اللاتي لازلن في العربة، وغير آبه بشُـرُودِ بغلته وهي تخوض كومة من الدّنان والدِّلاء. وهو ما قد يكون الفنان رامزاً به إلى الكارثة المرتقبة، كما قد يكون إشارة إلى ما يهدّد بكارة الفتاة. أما الإوزة فقد تكون رمزاً لشخصية الفتاة القروية الساذجة التي تقع فريسة سهلة في أيدي أشرار أهل العاصمة. ويسترعي انتباهنا تركيز لوحة هوجارث على الشخصية الشرّيرة لا الشخصية الساذجة، فلا تبدو الفتاة أكثر ما يلفتنا إلى الصورة بل صاحبة الحانة الأم نيدهام التي تتباين هيئتها الوقور مع البثور التي تُغشَّي بشرة وجهها. واللوحة زاخرة بمثل هذه التباينات: صِـبَا الفتاة القروية وكهولة صاحبة الحانة، وحشمة ثوب السيدة سيئة السمعة وقـُـبح بثور وجهها، وأناقة ملبَس تشارتريس وشهوانية نظراته. وفي أعقاب أحداث هذه اللوحة التي يتلوها هتك بكارة الفتاة ينقلنا الفنان بغتة من عالم البراءة إلى عالم الدعارة.

وفي اللوحة الثانية (لوحة 268) نرى ماري – أو مولي هاكاباوت – توشك أن تفقد مكانتها كعشيقة لثري يهودي وإن لم يوضّـح لنا هوجارث سبباً لهذه النهاية، غير أن مقلّدي صوره فيما بعد انبروا يصولون ويجولون في عالم الفحش الذي بدأ بفضّ الكولونيل تشارتريس بكارتها ثم هجره إياها حتى استقر بها المقام في ظل الثريّ اليهودي بقصره المنيف، إلى أن انتهى بها الملل والضجر بخيانتها إياه. وتبدو مولي في هذه اللوحة وهى تحاول التستـّـر على تسلّل عشيقها الشاب هارباً، بطرقعة أصابعها في اتجاه الثري العجوز وبقلب مائدة الشاي بينما العشيق يرتدي ثيابه على عجل قبل هروبه والخادمة تحملق في اتجاهه مذهولة. ويتبيّـن لنا من محتويات الغرفة الفارق بين حياتها المنظمة كمحظية مدلّلة وحياتها السابقة كريفية فقيرة، كما ترهص اللوحة بالمصير المحتوم الذي ستؤول إليه الفتاة. ومما يشي بتعلّقها بمظاهر الحياة الأرستقراطية استخدامها غلاماً أسوداً واقتناؤها قرداً مستأنساً وما تحمله مائدة الشاي من فاخر الأوعية والأواني، محاكية بأسلوب معيشتها عشيقات رجال البلاط الذين لا ينتمي خليلها الثري إليهم. فلقد طغى ولعها المحموم بعالم العبث والمجون والحفلات التنكرية على الرويّة والحكمة، وهو ما يرمز إليه هوجارث بالقناع التنكري فوق منضدة التزيّـن، مثلما يرهص تحطّم الأواني والفناجين بالكارثة التي ستحلّ بها.

وتمثّلها اللوحة الثالثة (لوحة 269) وهي لا تزال مستغرقة في مرحها وعبثها على الرغم من فقدانها مكانتها الاجتماعية التي كانت تتمتع بها في ظل عشيقها الثري، فإذا هي تغدو إحدى مومسات حيّ كوفنت جاردن. وعلى حين تعبّـر اللوحة السابقة عن قـُـرب زوال حياة الرخاء حيث كانت تحتفظ بعشيق شاب إلى جوار الخليل الموسر تكشف هذه اللوحة عن مدى اتساع الهوّة بين ما كانت ترفل فيه من نعيم وما أصبحت عليه من فقر مدقع ومهانة، وإن خفـّـف من وطأة هذا المُـنقلب علاقة غرام نشأت بينها وبين قاطع طريق جريء تعرف سلفاً المصير الذي سينتهي إليه، وقد احتفظت فوق فراشها بصندوق يضمّ “باروكات” شعره. وبدلاً من الغلام الأسود المعمّم قامت على خدمتها امرأة سوقيّة ينهش داء الجدري بَـشَـرة وجهها، كما انحدر سلوكها إلى حد سرقة ساعة من أحد زبائنها. وتتجلّى دلائل الانحلال في وعاء مشروب “البانش” المُسكر وغلايين التبغ في الركن الأيمن من اللوحة. ويعدّ هذا المشهد نقطة التحوّل في سيرة حياتها المتجهة نحو الحضيض، فهي على الأقل ما تزال تتمتع بحريتها محتفظة باستقلاليتها التي توشك أن تفقدها على يدي سير جون جونسون خصم العاهرات اللدود، الذي نراه في يمين اللوحة يقود نفراً من الجند المسلّحين الذين اصطحبهم لإلقاء القبض عليها.

ونراها في اللوحة الرابعة (لوحة 270) بين أترابها في الإصلاحية مرتدية ما تبقّى لها من ثياب باذخة كانت تملكها أيام الرخاء التي ولـّـت، وتضطر تحت التهديد بالعقاب أن تطرق مع رفيقاتها من المومسات ومع المقامر التعس الذي فقد ثروته على مائدة الميسر ضفائر القنّب لإعداد الحبال المستخدمة لشنق المحكوم عليهم بالإعدام. ويلفتنا أن مولي ما تزال في هذه اللوحة جذابة أنيقة الملبس، غير أن ثمة دلائل مرهصة بمصيرها المحتوم قد تبدّت في وجه عاهرة من رفيقاتها تقف وراءها متحسّـسة ثوبها ويفترّ فمها عن ابتسامة ساخرة، على حين تـُـحكم خادمتها جوربها الأنيق البالي المليء بالثقوب حول ساقها رمزاً إلى تحلّل النسيج والجسد معاً.

وينقلنا هوجارث مباشرة في اللوحة الخامسة (لوحة 271) إلى بيت مولي حيث تلفظ آخر أنفاسها في رفقة خادمتها التي تتطلّع بهلع إلى طبيبيْـن مستغرقيْـن في نقاش حول جدوى أقراص الدواء الموصوفة لمريضتهم المحتضرة. وليس ثمة لوحة أخرى لهوجارث تتشابك فيها المأساة والملهاة معاً مثل هذه اللوحة، إذ تحتشد أرضية الغرفة ومحتوياتها بدلائل تعاطي البغيّ عقاقير الأمراض التناسلية، وكان الطبيب قد رأى قبل موتها الوشيك خلع ضرسها كجزء من العلاج. وثمة امرأة تتعجّل نهاية مولي فتعكف على انتقاء الثوب الذي سيُـكفـّـن به جثمان مولي من صندوق يحتوي على ثياب الحفلات التنكّرية، كما أضاف هوجارث عنصراً طارئاً لطفلٍ يظهر لأول مرة منهمكاً في شيّ شريحة لحم فوق نيران المدفأة.

والمشهد الختامي هو مشهد الوداع حول نعش مولي بعد أن قضت نحبها وقد نُـقش على التابوت: “توفّيت في الثالثة والعشرين من عمرها في 2 سبتمبر 1731″ (لوحة 272). وتطالعنا في مشهد الموت نماذج صارخة لأنانية البشر، حيث يختلس القس النظر إلى امرأة يبدو عليها الرضى والرغبة في تلبية دعوته، وفي الناحية الأخرى من اللوحة مومس مسنّة لعلها الأم نيدهام تندب حظها لما سوف يحيق بها من خسارة مادية وقد مدّت ذراعيها أمامها تظاهراً بالحزن، بينما تكشف بغيّ أخرى عن الوجه المودع بالتابوت المكشوف وكأنها تتعرّف فيه على مصيرها هي. ويجلس طفل يعابث نحلة دوّارة تحت التابوت غير مبال بكل ما يدور حوله. ومن بين جميع أفراد المشهد لم تتـّـصف بالمشاعر الإنسانية سوى خادمة مولي التي تبدو وهي تنظر إلى القس شذراً وهو يصبّ الخمر في كأس.

وإذ كانت لوحات مجموعة “سيرة بغيّ” تنتظم عناصر يستسيغها المتديّنون وعشّاق الملذّات على سواء، فقد لقيت نجاحاً منقطع النظير بين أوساط المجتمع الإنجليزي المختلفة. ولما كان استنساخ هذه اللوحات الذي أعقب ظهور مجموعة “سيرة بغي” قد شكّل تهديداً صارخاً لحقوق هوجارث المادية، لذا مضى يسعى حثيثاً وراء الحماية القانونية لأية صور سوف يُـبدعها مستقبلاً. وقد نجح مسعاه هذا بمساعدة أصدقائه ذوي النفوذ، فإذا البرلمان يقرّ لأول مرة 25 يونية 1735 قانوناً لحماية حقوق “الحفـّـارين” سُـمّي فيما بعد “قانون هوجارث”، ولعل هذا هو السبب في إرجائه نشر مجموعة “سيرة ماجن” إلى ما بعد تاريخ صدور هذا القانون الذي حفظ له حقوقه على الرغم من أنه كان قد فتح باب الاشتراك في هذه المجموعة عام 1733، إلى أن ظهرت المجموعة في منتصف عام 1734.

وتنبع مأساة الماجن في مجموعة لوحات “سيرة ماجن” من كونه ابناً لرجل شحيح. وفي عالم الشعر والدراما لا يتولـّـد عن البخل إلا سفاهة التبذير، فعلى حين قضى الأب المتوفّى عمره يكنزُ المال في شُحّ شديد، اندفع الوريث الابن في تبديد ما جمعه أبوه في إسراف مسفّ، تدفعه غريزته إلى شراء كل ما يشتهيه بالمال المتوافر بين يديه مهما ارتفع ثمنه. ونرى وسط لوحة “الوريث توم رِيكْـويل” (لوحة 273، 274) الشاب واقفاً بعد أن أخلف وعده بالزواج من ساره يونج حين كان طالباً في جامعة أكسفورد، كي يسجّـل الخيّاط مقاييس قامته لإعداد أثوابه العديدة التي أمر بها، بينما تتظاهر خادمتان بالبكاء حزناً على رحيل الأب الذي نرى صورته المعلّقة فوق المدفأة مستغرقاً في عدّ نقوده وتفقـّـد مدّخراته الثمينة، وهنا تكمن المفارقة بين شطط حرص الأب على تكديس ثروته وانزلاق الابن الوريث في تبديدها. ويسخر هوجارث من رجال القانون في شخص المحامي الموثّق الذي يبدو وهو يختلس بعض العملات الذهبية من الصحن فوق المنضدة بينما تناثرت الوثائق القانونية التي أسهمت في إنماء ثروة الأب البخيل – وثروته هو أيضاً – فوق الأرض. ويتراءى ما خلـّـفه الأب من مقتنيات نفيسة في صندوق تتكدّس فيه الأواني الثمينة، فضلاً عما يَعْمُـرُ به الصّـوان داخل الجدار من نفائس.

وبعد أن استقر المقام بالماجن في لندن استعار هوجارث حيلة من حيل الملهاة الدرامية هي حفل الصباح اليومي بعد الإستيقاظ من النوم Leve’e الذي يبدو فيه عارضو سلع الترف باهظة الأثمان التي لا ضرورة ماسة لها وهم يحرّضون الوريث الماجن على شرائها مجاراة للطبقة الأرستقراطية وتشبُّـهاً بعاداتها (لوحة 275، 276). فنراه محاطاً بنفر متعدّد الأنماط لنا أن نفترض أنه سقط في شباكهم جميعاً، حيث يؤكد المشهد مدى سذاجته وسهولة خداعه، غير أن الهدف الأساسي من اللوحة هو استعراض مشهد التبذير السّفيه الذي تمارسه الطبقة العليا، مثل استضافة الموسيقيين الأجانب الذين يرمز لهم الفنان بمؤلف موسيقي يعزف ألحان أوبراه الجديدة “اختطاف السابينات” على البيانو، وبمدرّبي المبارزة والرقص الفرنسيين، والعديد من الأجانب من مختلف الأجناس، فإذا هم يغدون بفرشاة هوجارث محطّ التهكّـم والسخرية. كما نشهد إلى يمين اللوحة الفارس الجوكي راكعاً وهو يرفع كأس فوز جواد “الوريث” في سباق الخيل. وفي النسخة المطبوعة بطريقة الحفر لهذا المشهد (لوحة 276) نرى فوق الأرض صورة تشير إلى المغني الشهير آنذاك الكاستراتو فارينيللي الذي دفع غناؤه الرخيم إحدى السيدات في الأوبرا إلى الصراخ قائلة “إله واحد وفارينيللي واحد”، والذي تلقـّى العديد من الهدايا الثمينة من عشـّـاق فنه بمن في ذلك الوريث الماجن نفسه، كما نلحظ أن مَـنْ أدّوا أدوار المغتصبين الرومان في أوبرا “اختطاف السابينات” جميعاً مغنـّـين خصيانا إيطاليين مرموقين وردت أسماؤهم في قائمة توزيع أدوار الأوبرا المتدلّـية وراء ظهر مقعد الموسيقار. وتبدو في ملامح الماجن الذي ما يزال يعتمر طاقية النوم كل معالم السذاجة وسهولة الانخداع التي لن تلبث أن تقوده إلى مصيره الرهيب بسبب تبذيره السّـفيه.

وفي مشهد “الحانة” (لوحة 277، 278) نشهد النهاية البشعة لليلة لهو ومجون عاصفة، حيث ينشب في الطريق عراك مع حارس الليل تعقبه زيارة في الصباح الباكر لأحد بيوت الهوى سيئة السمعة الشهير باسم “حانة الورد” في حيّ كوفنت جاردن حيث تسود العربدة الصاخبة. يصور هوجارث جو المرح الزائف السريع الزوال، كما يدرج تفاصيل رمزية تثير الاشمئزاز والتقزّز، مثل مشهد داعرة تبصق في وجه زميلتها عبر المائدة، ومثل قصريّة غرفة النوم في أقصى يسار اللوحة وقد أُفرغت محتوياتها في صحنين كانا يزخران بالدجاج المحمّـر. ومثل صّـف بورتريهات الأباطرة الرومان المعلـّـق على الحائط وقد طُمست معالم وجوههم باستثناء وجه نيرون، على حين تتهيّـأ المرأة الجالسة في مقدمة الصورة لأداء رقصة خليعة فوق صينية فضية [على نحو ما جاء في شرح الفنان للوحة] تنتهي بإطفاء شمعة في فرجها. وثمة مغنّية شعبية عند الباب تحمل كراسة موسيقية لأغنية فاحشة. وبرغم أن اللوحة لا تضمّ مشاهد جنسية صريحة، إلا أن هوجارث كان موفّـقاً في التدليل على أن متع بيوت الدعارة سطحية عابرة، ونرى إلى جوار الماجن الثـّـمل الذي يفوق العاهرة التي تتحسّس صدره إصراراً على أن يعبّ من اللذة أقصاها، صندوقاً فوق الأرض يحتوي على الأقراص المستخدمة في علاج الزّهري.

وفي اللوحة الرابعة بينما الماجن في طريقه إلى قصر سان جيمس ساعياً وراء تعيينه في إحدى وطائف البلاط إذا الشرطة تلقي عليه القبض بعد افتضاح أمره وعجزه عن تسديد ما عليه من ديون (لوحة 279، 280)، غير أن خطيبته السابقة الوفيّـة ساره يونج تنقذه من المصير المظلم الذي كان ينتظره فتدفع بكيس نقودها رشوة إلى المأمور القضائي لعله يطلق سراحه على الرغم من أنها لم تكن سوى خيّاطة ثياب متواضعة.

ويضطر الماجن بعد ذلك إلى الحصول على المال بأية وسيلة بعد أن اتسعت أمامه الثغرة بين الواقع والخيال، وينتهي به المطاف إلى الخاتمة المنطقية المروّعة وهي الجنون إن لم يقلع عن حماقاته ويعود إلى الحكمة والفضيلة واسترداد خطيبته السابقة التي تخلّى عنها بحماقة. لكنه مرة أخرى يؤثر المال على الحب فيتزوج من حيزبون شمطاء ثريـّة عوراء حدباء على أمل تعويض ثرائه المفقود. ويوحي مظهر القسيس عاقد القران ذي السّحنة الغريبة الشكل – والتي لا يفتأ يكرّرها بحذافيرها في العديد من لوحاته – بما أصاب الكنيسة من تدهور (لوحة 281، 282)، وثمة لوحة للوصايا العشر أمامه على حين يشي صندوق الصّـدقات الخاوي الذي تعلوه خيوط العنكبوت في أقصى يمين اللوحة بغياب طائفة المحسنين. وتبدو ساره يونج في خلفية الصورة تحاول الحيلولة دون عقد القران، بينما تتكالب بعض النسوة على طردها من الكنيسة.

على أن زواج المصلحة لم يُصلح حال الماجن المتلاف فإذا هو يلجأ إلى القمار وسيلة لمحاولة استرداد ثروته المبدّدة (لوحة 283، 284) فنرى الماجن يصبّ لعناته علي ربّـه وقد بدت على ملامحه علامات القنوط والجنون التي لا تـُخطئها عين، والتي لم تـُــلفت غير نظر الصبي الذي يقدّم كوب جعة إلى قاطع طريق تعس في يسار اللوحة، ويتجلـّـى لنا بوضوح التغيير الفاجع الذي لحق بشخصية الماجن نتيجة إدمانه الميسر، وهو ما يتجلـّـى أيضاً فيمن حوله، فالقاسم المشترك بينهم جميعاً هو هيمنة فكرة المقامرة على الأذهان حتى ظل معها المقامرون غافلين عن النار التي شبّت في كسوة الجدران.

لقد انفصم عقل الماجن تماماً عن دنيا الواقع، فنراه في اللوحة قبل الأخيرة قابعاً في سجن المدينين (لوحة 285، 286) الأمر الذي أثار الشفقة في قلب صديقته الوفيـّـة ساره يونج فسقطت مغشيـّـاً عليها بينما انطلقت زوجته العوراء تصخب صائحةً إلى جواره، وانحنى السجّان مطالباً بالحلوان، بينما يمدّ صبيّ يده مطالباً بثمن كوب جعة أتى به للماجن. وفوق المائدة مخطوطة لمسرحية ألّفها الماجن ردّها إليه الناشر معتذراً عن قبولها. ويظل الماجن غير مدرك لما يحيط به ولا يهتدي إلى ما حوله، وقد أوغل عقله في الخيال الذي تـُـمثـّـله تجارب الخيمياء في خلفية اللوحة، والتلسكوب المصوَّب نحو السماء من خلال قضبان النافذة، وكتاب فلسفي فوق الرفّ المجاور للشبّاك إلى جانب بضع هاونات. وإذا حالته تقترب من حالة زميله في الزنزانة الذي شارف الجنون، حتى إذا ما جُـنّ هو الآخر نقل إلى مستشفى بـِدْلام للأمراض العقلية المخصّص لعلاج الـفقراء.

وتبين اللوحة الأخيرة الماجن في نوبة جنون تـُـفضي به إلى الموت (لوحة 287، 288) ويطالعنا التفسير الشاعري المرافق للصورة المطبوعة بطريقة الحفر لهذه اللوحة بعبارة “انظر… ها هو ذا الموت يمسك بتلابيب القنوط”. ويعدّ مشهد الموت من أكثر مشاهد سلسلة اللوحات إثارة، حيث نرى ساره يونج تندبُ حظّ محبوبها الماجن وكأنها مريم المجدلية تنوح أمام المسيح المصلوب، وإلى جوارها سلّة وقصعة مترعة بالحساء، بينما يفكّ السجّان قيود قدميه وكأنه يحاول تخليصه من عذاب الدنيا المرير. وبقدر ما جاء مشهد موت الماجن مأساوياً كان ما يدور في القاعة ملهاوياً عبثيّاً فقد تناول هوجارث في لوحته مختلف أنواع الجنون كأنما هي انعكاس للحماقات الدنيوية، فنرى في هذه الحجرة الصغيرة رقم 55 أحد النزلاء عارياً وقد اعتمر بتاج وقبض بيده على عصا – وكأنها الصولجان – بينما يتبوّل في الوقت نفسه. كما نرى زائرة أنيقة الملبس بصحبة خادمتها تحملق مذهولة في المجنون وهو يتبوّل، وتحاول إخفاء وجهها بمروحتها مختلسة النظر إلى عري المجنون بينما تـُـسرّ خادمتها في أذنها بتعليق خبيث. وثمة مجنون آخر يرسم على الحائط كرة أرضية وهلالاً ومدفع هاون تنطلق منه قذيفة وسفينة شراعية، ولعل هوجارث كان يشير – كما يذهب أحد المفسّرين – إلى العالم هويستون الذي كان يحاول قياس خطوط طول الكرة الأرضية باستخدام قنبلة يطلقها من مدفع هاون. ونرى أمامه مباشرة رجلاً منهمكاً في التطلّع إلى النجوم من خلال أسطوانة اصطنعها من الورق المقوّى، وخـيـّـاطاً يحمل “مازورته” حول معصمه، وتعلو رأسه باروكة من القش ومن فوقها قبعة مخيط عليها رقع من أقمشة متنوّعة، ولعل هوجارث قصد به التعبير عن المثل الإنجليزي المتداول والقائل إن الخيـّـاطين يصابون بجنون العظمة من فرط اعتزازهم بمهارتهم. وإلى يمين الخيّاط موسيقي يعزف على كمان وقد غطّى رأسه بكتاب مفتوح على شكل رقم 8، وآخر يرتدي طرطوراً رافعاً صليبه مقتنعاً بأنه البابا ذاته، وثالث جُـنّ عشقاً وقد جلس ساهماً على الدَّرج وأحاط عنقه بقلادة من القش تتدلّى منها رصيعة تحمل صورة معشوقته.

وبالرغم من أن هوجارث كان يتوق إلى أن تظفر مجموعات صوره بالخلود، إلا أن أهم ما كان يُـعنى به هو الفوز بإعجاب معاصريه. ثم هو لم يدّع قط أن فنه يمكن أن يُـصنـَّـف ضمن إطار الفن العالمي اللهم إلا من الوجهة الخلقية البحتة، فلقد اقتصر عالمه الذي يدور فيه فنه على لندن بمقاهيها وصحفها ومتاجرها وبلاطها ومسارحها ومرابعها وملاهيها، ومن هنا كان مقياس واقعية شخوص هوجارث هو تأملها في سياق زمان ومكان محدّدين. ومن ناحية أخرى لا يجوز أن نغفل أن “سـِـيَر” هوجارث المصوَّرة – شأنها شأن الروايات والمسرحيات المعاصرة له – تتناول شخصيات لها نظائرها ونماذجها الأصلية في الواقع زماناً ومكاناً.

وما أكثر المذكّرات وكتب السيرة التي ذهب كتـّـابها إلى أنهم قد شاهدوا في الواقع الأحداث التي سجّلها هوجارث في لوحاته، ومنها على سبيل المثال – مشهد الحانة في “سيرة الماجن” حيث بصقت إحدى العاهرات في عين زميلتها عبر المائدة، ومنها أيضاً أن قصة الفتاة الريفية في “سيرة بغي” هي قصة حقيقية سقطت فيها فتاة بريئة ضحيّة للأم نيدهام والكولونيل تشارتريس، وأنها غدت بالفعل خليلة أحد أثرياء اليهود، وأنها عاشت في حي دروري لين إلى أن قضت المحكمة بحجزها في الإصلاحية حيث لقيت حتفها، وأن بعض هؤلاء الكتاب قد اختلفوا إلى نفس القاعة التي جلس بها العريس والعروس في اللوحة الثانية من مجموعة “الزواج على نهج العصر” Marriage a la Mode. فلقد كان هوجارث مند بداية اشتغاله بفن التصوير مدركاً لشغف الجمهور بمشاهدة أفراد حقيقيين مصوَّرين في لوحاته وصوره المطبوعة بطريقة الحفر، كما كان ما يدور من قيل وقال حول هذه الصور يساعد كثيراً على شيوعها ورواجها.

وقد ظهرت مجموعة “سيرة الماجن” عام 1732، وبدأت خطوات تنفيذ الصور المطبوعة بطريقة الحفر وبيعها عن طريق الاشتراكات عام 1733، غير أن هوجارث رأى إرجاء تسويقها إلى عام 1735 لحين صدور قانون حقوق التأليف الخاص بالحفـّـارين كما قدّمت. وكان ثمن المجموعة كاملة لا يتجاوز جنيهين إلى أن صدرت طبعة أصغر حجماً لم يتجاوز ثمنها ستة وعشرين شلناً وستة بنسات. أما اللوحات النحاسية التي تم الحفر عليها فقد بيعت لأحد هواة الفن عام 1921.

ويحتفظ متحف أشمول بأكسفورد بعدّة عجالات صوّرها هوجارث لعدد من الموضوعات الأساسية في مجموعة “سيرة ماجن” وخاصة دناءة السعي وراء الرقيّ الاجتماعي على حساب الاستقامة الخلقية مثل لوحة “عقد القران” 1732 (لوحة 289)، حيث نرى مسجّل العقود يتوسّط العروس العانس والعريس الشاب الذي ينصرف اهتمامه إلى الحديث مع الجوكي الراكع إلى جواره والذي يُفضي إليه بنبأ فوز جواده في سباق الخيل مقدّماً إليه كأس السَّبق. ويعرض خادم زنجي إلى يسار المائدة لوحة مصوّرة لزيوس يختطف جانيميديس وبعض التماثيل الرومانية النصفية المقلّدة المشتراة من أحد المزادات، على حين يقف الضيوف في البهو المؤدّي إلى الغرفة في الجانب الأيسر من اللوحة. وفى الخلفية نرى عدة لوحات مصوّرة أولاها عن “سرّ التناول(40) The Communion سر التناول في ليلة العشاء الرباني (العشاء الأخير): قدم المسيح الخبز لتلاميذه وقال لهم: هذا هو جسدي، خذوا كلوا منه واصنعوه لذكري. ثم قدم لهم كأساً به عصير العنب وقال لهم: خذوا اشربوا منه. هذا هو دمي واصنعوه لذكري. ” وثانيتها وهي المعلّقة فوق رأس الماجن لوحة من عصر النهضة تصوّر العذراء وهي تضع المسيح الطفل فوق آلة ضخمة تفرز عملات ذهبية يتسلّمها قس لتوزيعها على المؤمنين الراكعين، وثالثتها لقدم قس وطرف من سرواله. فعلى غرار شباب الطبقة الراقية العائدين من “الجولة الكبرى(41)Grand Tour ” في أوربا كان الماجن بدوره يقتني صور كبار الفنانين القدامى. وتضم هذه اللوحة بعض العناصر المُـرهصة بمجموعة “سيرة الماجن”، لاسيما مأساة السعي وراء النجاح الاجتماعي على حساب النزاهة والاستقامة والفضيلة، فإذا بعض عناصر هذه اللوحة قد أعيرت إلى لوحات أخرى، مثل موضوع الجوكي والضيوف الواقفين في البهو إلى اليسار الذي نُقل بحذافيره إلى لوحة “حفل الصباح بعد الاستيقاظ من النوم” من مجموعة “سيرة الماجن” (لوحة 275)، كما نرى موضوع الزواج من العانس في لوحة أخرى عندما استقر عزم الماجن على عقد قرانه على عجوز ثريّة شمطاء لاسترداد ثروته وتسديد ديونه (لوحة 281).

ونعرض من مجموعة “الحملة الانتخابية” المكوّنة من لوحات أربع لوحتين، حيث يصوّر هوجارث في هذه المجموعة تزوير عمليات الانتخاب سنة 1754 بعد أن وقع اختياره على موقع انتخابي اشتهر بالتهريج والفساد والعبث في أكسفوردشر باعتباره صورة مصغّرة لما يجرى في إجراءات الانتخاب بصفة عامة، ففي الركن الأيمن من لوحة “الوليمة” التي يقيمها المرشّح لناخبيه (لوحة 290) نرى رجلاً جالساً إلى المائدة العامرة وقد سقط على رأسه قالب طوب فاستلقى مغشيّـاً عليه في مقعده، وجاء تصوير قالب الطوب والأطباق المليئة بالطعام على غرار أسلوب الفنان شاردان في تصويره للطبيعة الساكنة. وفي الجانب الأيسر من المائدة نرى امرأة بدينة تطبع قبلة على وجه المرشـَّـح الشاب على حين يُـفرغ رجلٌ ثمل غليونه فوق رأس المرشـّـح، بينما تتفحّـص صبيّـة صغيرة خاتمه في إعجاب. وما أشبه هذه اللوحة وغيرها بلوحات الفنان برويجل من حيث البراعة في أداء التفاصيل وسرد المواقف الإنسانية المتنوّعة بدقة وصراحة. وقد تعمّـد هوجارث ألا يضمّـن لوحته أية أنماط بشرية تتصف بالبراءة أو الطهارة كما كان يفعل من قبل، إذ تحولت سخريته السابقة في سنيه الأخيرة إلى استسلام وامتثال أمام عالم الشرور التي لا سبيل في رأيه إلى الحدّ منها أو تحاشيها. وفي لوحة “فوز المرشـّـح” الساخرة (لوحة 291) يرسم المرشّح الفائز الذي لا يستمتع بفرحته طويلاً إذ ما يلبث مقعده الذي يحمله الناخبون أن يسقط إثر اعتراض قطيع الخنازير المندفعة نحو موكبه، بينما يقع بصره على مشهد رمزي يمثّل عظمتي ساعدين وجمجمة يقوم منظّف مداخن عابث بتثبيت عوينات عليها.

وفي مجموعة “الزواج وفق نهج العصر” يربط هوجارث بين النهج الفرنسي وبين الحياة المرحة العابثة للبيوتات الكبيرة في حي “وست إند” في لندن. ولا تقلّ هذه المجموعة المكونة من ست لوحات والتي كشف بها عن عورات عصره وتقاليده بلا مواربة – وإن هوّنت من وقعها رشاقة أسلوبه وخفة ظلّه – شأناً عن “أوبرا الشحاذ” لجون جاي وعن “كانديد” لفولتير. وعلى نحو ما فعل إميل زولا والمصوّر جويا والمصوَّر دومييه خلال القرن التاسع عشر، “مَسْـرَح” هوجارث أعراف مجتمعه متحدّياً إياه وهادفاً إلى تطويره نحو الأفضل الذي يصبو إليه، شأن الفـنان الملتزم في كل زمان ومكان. وفي هذه المجموعة يتناول هوجارث من أسماه “صفقة عقد القران” (لوحة 292) يقدّم شخوصه مثلما يقدم المؤلف المسرحي شخوصه في الفصل الأول من مسرحيته؛ فيطالعنا الكونت المصاب بداء النقرس في يمين اللوحة بزيّه الأنيق مزهواً بعلو محتد أسرته بينما هو على وشك التفريط في مرتبته الاجتماعية من خلال صفقة زواج ابنه كي يسدّد قرضاً لتحرير ضيعته الرهينة. وعلى الطرف الآخر من المائدة يبدو التاجر في ثوب بسيط مستعداً لتسليم ابنته بدوره وهو يفحص بعويناته عقد الزواج بالدقة نفسها التي يفحص بها بنود عقد صفقة تجارية. ويبدو العريس في الجانب الأيسر متحذلقاً متفرنساً شديد التأنّق دون أن تتجلّى على أساريره أية مشاعر إلى جوار خطيبته حيث يجلسان متدابريْن كحجري شطرنج لا حول لهما ولا قوة، بما يشي بغياب أية عاطفة تجمع بينهما بعد أن دفعهما الأبوان رغماً عنهما إلى القيام بدوريْهما الشاذّين، أحدهما ماجن عربيد والآخر فتاة عابثة. وعلى حين يطري المحامي الموثّق جمال الكونتيسة سكاوندرفيلد – عروس المستقبل-  يخفي العريس ضيقه باستنشاق مسحوق النشوق. وثمّة بورتريه ضخم لشخصية اللورد معلّق على الحائط يحاكي بورتريهات البلاط الفرنسي في عهد لويس الرابع عشر تمثّله في وضعة لا مبالاة متكلّفة في ساحة الوغى. ويسترعي انتباهنا أنه على حين جاءت الأزياء والوضعات الأرستقراطية فرنسية الذوق فإن كافة الأعمال الفنية المعروفة إيطالية الطابع ولا علاقة لها البتة بالذوق الإنجليزي.

وتكشف اللوحات الخمس الأخرى من هذه المجموعة عما أسفرت عنه هذه الزيجة الفاشلة من نتائج مدمّرة، بادئة بالضجر والملل منذ “الإفطار الأول” (لوحة 293 أ، ب) ثم الرعونة والطيش في “حفل الصباح” (لوحة 294)، عبوراً بالخيانة الزوجية وانتهاء بالمبارزة حتى الموت. وفي لوحة غرفة جلوس الكونتيسة تستضيف الليدي سكواندرفيلد بعض أصدقائها من عِلْية القوم بينما تأخذ في زينتها الصباحية بعد الصحو من نومها. ونرى عشيقها سلفر تانج الطَّليّ الحديث الذّرب اللسان يشبّب بها وهو يتلو على مسامعها آخر قصائده الغزلية على حين يقوم حلاقها الإيطالي بتصفيف شعرها، ويدور الخادم بأقداح الشوكولاتة الساخنة على الجميع بينما استغرق مدرّب المبارزة في النوم والشخير، ويشير غلام زنجي في جذل إلى قرنيْ دميته. ويضيف مغن بدين وعازف مصفار نحيل المزيد من الصخب. وكان هوجارث يرمز بالمغني إلى الخصيّ المشهور وقتذاك كاريستيني الذي كان يؤدي الأدوار النسائية في أوبرات هيندل الإيطالية. ونشهد على الحائط لوحتين مثيرتيْن إحداهما لجوبيتر وإيو للفنان كوريجيو والأخرى للوط وابنتيه معلّقتيْن على الحائط في مستوى يعلو الكونتيسة وعشيقها، وعلى الجدار المقابل لوحة اختطاف زيوس للغلام جانيميديس التي تشير بصورة مقنّعة إلى النزعات الجنسية الشاذة للشخصيات المخنّثة أدناها. ويعلو هذه اللوحة بورتريه رصين لأحد رجال الدين تخفيفاً لأثر اللوحات الأخرى الفاضحة. ونلحظ أن كل القائمين بتقديم خدماتهم هم من الأجانب باستثناء المحامي العاشق سلفر تانج. ولا يفوتنا أن نلمس من خلال مجموعة الصور الست الصلة الوثيقة التي تربط بين الذوق المتحيّز للفنون الأجنبية وبين النزوع إلى العربدة وكل ما هو لهو عابث. وتحتشد مجموعة “الزواج وفق نهج العصر” بالكثير من المنجزات الفنية التي يستخدمها هوجارث كمدخل إلى الحدث والتعليق عليه في آن معاً. كما يلفتنا أن اللوحات الفنية المعلّقة على الحائط في بيت اللورد تمثّل ذوق عشّاق الفن الشغوفين باللوحات الداكنة لكبار المصوّرين القدامى. وعندما يلقى الكونت الشاب حتفه بطعنة سيف بيد العشيق سلفر تانج يُدهشنا ألا تتبع الكونتيسة عشيقها الذي ولّى فراراً من النافذة بل تُهرع راكعةً إلى جوار زوجها المحتضر هلعة (لوحة 295). وهكذا ينتقل بنا هوجارث من مشهد استقبال الكونتيسة لأصدقائها في الصباح بما ينطوي عليه من مساخر وعلاقات محرّمة إلى مشهد الموت المأساوي. أما موتها انتحاراً في اللوحة الأخيرة فلا يقع وسط عالم الأزياء والموضة المتغيّر وإنما في بيت أبيها الشحيح الذي لا يعنيه – وابنته في دور الاحتضار بعد انتحارها – إلا انتزاع خاتم الزواج الثمين من إصبعها ليحتفظ به لنفسه (لوحة 296).

وكان حيّ كوفنت جاردن حيث سوق الخضر والفاكهة في لندن يضم إلى جانب المواطنين الصالحين والمهاجرين الهيوجونوت [الكاثوليك] وأصحاب الحرف، العديد من الرعاع والدهماء، كما كان الحيّ أيضاً بؤرة اللهو والترفيه والمجون بمدينة لندن. وحول الحياة في هذا الحَيْ رسم هوجارث مجموعة فريدة دعاها “أوقات اليوم” Times of the Day هي الصباح والظهيرة والغروب والليل. وفي لوحة “الصباح” (لوحة 297) نشهد بعض الريفيات يستدفئن فجراً بحرارة حطب مشتعل، بينما تعابث فتاتان من بنات الهوى اثنين من السّكارى وهما في طريق عودتهما بعد قضاء سهرة عربيدة. وتسير وسط الصورة عانسٌ عجفاء في طريقها إلى الكنيسة يتبعها غلام يحمل كتاب الصلوات وهي تنظر إلى الفتاتين باستعلاء. ويبدو في خلفية المشهد مقهى توم كنجز أشهر بيوت لندن سيئة السمعة وقتذاك.

ومع أن هوجارث لم يتوقف عن رسم البورتريهات طوال حياته، إلا أنه لا يعدّ من بين كبار مصوّري الوجوه بالمعنى المتداول خلال القرن الثامن عشر. وفي معظم الأحوال كانت البورتريهات التي يرسمها لأصدقاء ومعارف لم يَعنِهم أن تكون بورتريهاتهم ناطقة بالجلال والوقار المأثور وقتذاك، وإنما كانوا ينشدون صوراً واقعية تنبض بالحياة (لوحة 298). وكان هوجارث يحاول دوماً التقاط ملامح الوجه أثناء الحديث عندما تبدو الرأس في كامل حيويتها خلال المناقشة، الأمر الذي يكشف معه عن أكثر السّمات الدالة على الشخصية المصوّرة.

وتقاعد هوجارث منذ عام 1751 معتكفاً في داره ليتفرّغ لإصدار كتابه الشهير “تحليل الجمال” Analysis of Beauty الذي عرض فيه القيمة الجمالية لشكل حرف S ودعاه “خط الجمال” Line of Beauty، ذلك أن القوس بصفته جزءاً من الدائرة التي هي أكمل حركة في الوجود يشكّل نصف حرف S الصاعد لأعلى ونصفه الآخر الهابط لأدنى. وتتجلّى في حرف S أيضاً صفة تواصل الخط والامتداد أفقياً أو رأسياً إلى جانب صفة تقوّس الدائرة، مبدعةً بذلك الخط الحلزوني المتحوّي Serpentine spiral الذي دعاه هوجارث “خط الرشاقة” Line of Grace والذي يدور حول مركز وهمي صاعداً إلى أعلى في حركتين كاملتيْن هما الدوران والصعود، فيستغرق وقتاً أطول مما تستغرقه العين في رحلتها البصرية مع الخط المستقيم. ويمكننا متابعة أثر هذا الخط الحلزوني المتحوّي في الأنماط الزخرفية التي تميّز بها طراز الروكوكو لاسيما “طراز لويس الخامس عشر”.

على أن ثمّة تطوّراً طرأ على أسلوب هوجارث في التصوير لا صلة له بنظريته عن الفن. إذ يتضح من مجموعة عجالاته الزيتية المصوّرة التي حفظها لنا الزمن أن أسلوب هوجارث غدا أشد ميلاً إلى “التكوير” Painterly Pictural، أعني تصوير الأشكال ذات الحواف المتمازجة، بحيث يكون قوام الأشكال هو الألوان المتداخلة بدرجاتها فلا تبدو محدّدة، وتندمج الحواف فيما يحيط بها من فراغ اندماجاً موصولاً غير مقطوع. ومن بين هذه العجالات لوحة “الخيّـاط” التي أعدّها هوجارث لمشروعه الذي تناول موضوع “الزواج السعيد” The Happy Marriage. وكان يعقد العزم على تقديم هذا الموضوع بعد نجاح مجموعة صوره المطبوعة بطريقة الحفر على النحاس “للزواج وفق نهج العصر” عام 1745، كما كان يزمع أن تكون صوره هذه المرّة معبّرة عن الريف لا المدينة، وأن يقابل فيها بين فضائل الماضي وبين شطحات العصر التي تناولها في مجموعاته السابقة. ولا ندري طبيعة الحبكة الدرامية التي أعدها لهذا العمل، وإن كان أمكن الاستدلال على مضمونها من بعض العجالات الزيتية التي خلّقها وراءه دون البعض الآخر، والتي تساوت في أحجامها وطريقة التناول والموضوع المستخدم.

وتُمثّل أولى هذه العجالات لوحة زوجة أحد أثرياء الريف الشابة وهي تختبر ثوب الرقص الذي سترتديه في مشهد “الحفل الراقص” (لوحة 299). فنرى الخياط يُحكم الثوب على جسدها بينما هي تتطلّع إلى مرآة تحملها خادمتها. وفي يمين الصورة نرى الزوج جالساً على أريكة مرتدياً جلباب النوم ورداءً وطاقية مداعباً طفله الأصغر الذي تحمله مربيّـة حانية تُقبّل عجزه بينما يبدو الطفل الثاني معتمراً قلنسوة مزيّنة بشريط معقود قابضاً على سيف وهو يخطو خطوة الجند، على حين يصبّ شقيقه الثالث اللبن للقطط في قبعة الخيّاط. ويتضح من ثياب الأطفال المنشورة على الحبل الممدود فوق المدفأة أن هذه الوقائع تدور في غرفة الأطفال.

وتكشف العجالة الثانية المعروفة باسم “الحفل الراقص” (لوحة 300) عن أن الاهتمام الأول لهوجارث كان شَغل الفراغات. ولما كان المشهد يقع ليلاً فقد اتجهت عنايته إلى التلاعب بتقنية الضوء والعتمة “كياروسكورو”، فإذا الثريّات هي أكثر ما ظفر من عناصر المشهد بالاكتمال. ويتناول المشهد حفلاً راقصاً في قصر ريفي على الطراز القديم، ويتشكّل المشاركون في الحفل من طبقات مختلفة: من السادة المتأنّقين في أقصى اليمين إلى الريفيين البسطاء على امتداد القاعة، ونرى أحد الضيوف وقد أرهقته حرارة الجو يخلع وفرة شعره لكي يجفّف صلعته التي انعكس عليها ضوء القمر في ليلة قارصة البرد وهو يطلّ عبر النافذة المفتوحة على الحديقة، حيث يتباين ضوء القمر الفضي مع الأضواء الدافئة للثريّا التي تتوسط القاعة المرسومة بعناية فائقة، ويُلفت أنظارنا أن هذين المصدرين للضوء هما العنصران الوحيدان المكتملا الإتقان في اللوحة (لوحة 301)، وتَحُدُّ جمهرة الراقصين والراقصات في مقدمة الصورة مساحة داكنة، وتعلوهم إلى اليسار غرفة الشعراء المنشدين، ومن تحتها مجموعة شخوص “شبحيّـة” الأشكال تضمّ سيدة وقسّيساً يتأهّبان للعب الورق، أما الغلام الجالس القرفصاء وسط الصورة فهو المكلّف بالعناية بقبعات الضيوف المصطفّة على الأرض إلى يمينه. وقد مسّ هوجارث حركات الراقصين والراقصات بفرشاته في رفق، محدّداً ألوان كل فرد، مُضْفياً على سائر عناصر اللوحة التناغم والانسجام دون أن نلمس أثراً للخطوط المحوّطة في التشكيل الفني كله، وإنما هي لمسات فرشاة تخلّـف بقعاً بيضاء متوهّجة.

وقد ظلّت لوحة “الحفل الراقص” ترافق هوجارث في مرسمه حتى يوم وفاته، والدليل على افتتانه بها أنه حاكاها عندما رسم الشكل الثاني الذي أورده في كتابه “تحليل الجمال” (لوحة 302) المنشور عام 1753، بعد أن استبدل بالمبنى ذي الطراز القديم مبنى وفق طراز بالاديو، وحوّل زوج الراقصين الأوّليْن إلى شخصيتيْن أرستقراطيتين، [وفي بعض الطبعات إلى أمير وأميرة ويلز]. ولم يقصد هوجارث من هذا “التصميم” أن يُشكّل به حلقة ضمن مجموعة سرديّة شأن سائر أعماله المصوّرة بل أعده ليكون رسماً تعليمياً لتوضيح نظريته عن الخط المتحوّي بوصفه خط الرشاقة والجمال The Line of Grace and Beauty، وأنه أساس كل ما يرضي العين، حيث تتجلّى الخطوط المتمايلة للرقصات الريفية ورشاقة الراقصيْـن الرائديْن. والثابت أنه كان شديد الاعتزاز بنظريته هذه التي طرحها من خلال لوحته التي صوّرها خلال عام 1745 حتى إنه اختص هذا الخط المنحني بموقع ظاهر في تصويره لنفسه مع كلبه الأفطس (لوحه 303) الذي رسمه في السنة نفسها.

ويعدّ كتاب “تحليل الجمال” Analysis of Beauty لهوجارث كتابه الوحيد المكتمل. وقد بدأت إرهاصات نظريته تلك عام 1733، غير أن الكتاب لم يصدر إلا عام 1745، وذلك بعد أن رسم البورتريه الشخصي لنفسه المحفوظ حالياً بالتيت جاليري (لوحة 303)، حيث تبدو الصورة لأول وهلة وكأنها بورتريه عادي، بينما نحن في الواقع نتطلع إلى بورتريه داخل بورتريه، حيث نشهد لوحة بيضاوية مستندة إلى كومة من الكتب. ويحيط بالبورتريه من أسفل اليسار وأعلى اليمين قماش أشبه بالعباءة الفضفاضة ذات الطيّات على نهج بورتريهات عصر الباروك. وثمة كلب يستند إلى ساقي الفنان في يمين مقدمة الصورة في بورتريه ينافس بورتريه صاحبه الذي يستند إلى كتب لشيكسببر وسويفت وميلتون ترمز إلى شدّة اهتمام هوجارث بالكتّاب الإنجليز أكثر من اهتمامه بالكتّاب الكلاسيكيين، كما يوحي كتاب ميلتون برغبة هوجارث في الاعتراف به أستاذاً للملاحم. ويلفتنا في هذه اللوحة وِضْعة الكلب التي يؤكد بها هوجارث “خط الجمال والرشاقة ” The Line of Grace and Beauty. غير أن تفسيره لهذا الخط لم يظهر إلا بعد سنوات ثمان في كتابه “تحليل الجمال”، إذ ذكر في مقدمة الكتاب أنه قصد برسم هذا البورتريه الشخصي إثارة فضول المشاهدين، وإذا المصوّرون والمثّالون يفدون إليه من كان حدب وصوب لاستبيان المعنى المقصود من رسمه. وعلى حين كان كتابه “الدفاع عن المصورين” Apology for Painters محاولة للكشف عن أهداف الفن وصلته بالمجتمع، تناول كتاب “تحليل الجمال” الأثر الجمالي والسيكولوجي للتصوير، فلم تكن نظرة هوجارث إلى الآن باعتباره هدفاً في حدّ ذاته، لأن إنجازاته الفنية جميعاً برهان ساطع على أن تصوير الحياة اليومية والتركيز على الأهداف الخلقية يحمل الأهمية نفسها. ونحن إذا نظرنا نظرة متعاطفة إلى محاولة هوجارث تحديد معايير الجمال بعبارات جليّة لا يشوبها غموض لا يجوز لنا أن نتناسى عزلة موقفه النظري منذ عام 1750، ذلك أن مذهبه التجريبي الذي يربط المعرفة بما تدركه الحواس، ومحاولته قصر المثل الأعلى الجمالي على أسلوب الملاحظة بالعين وحدها لم يلق تأييداً من الفنانين المتأثرين بالمثاليّـة الرومانية الكلاسيكية، كما أن ذوّاقة الفن ذوي الدراية الواسعة والإلمام الشامل أبوا إضفاء أية أهمية على الأعمال الفنية التي ترضي العين فحسب، وإن لم يعن هذا أن هوجارث لم يكن يحظى بتأييد عدد من الفنانين والذوّاقة المؤثرين، وكذا بإعجاب شباب الفنانين.

وكتاب هوجارث شأنه شأن صوره المطبوعة بطريقة الحفر لم يكن موجَّهاً في الأصل إلى أولئك الضالعين في تاريخ الفن، فلقد كان يستلهم معظم موضوعاته من الحياة اليومية العادية بعد تزويدها بعناصر مسلّية مثل تغيير مواضع بعض أعضاء الجسد الآدمي بهدف استثارة انتباه المُشاهِد وإضحاكه، أو رسم رجل مسنّ في ثياب الأطفال، إلى غير ذلك. وقد ضم هوجارث كافة صوره الإيضاحية المعبّرة عن وجهة نظره في لوحتيْن، تصوّر أولاهما (لوحة 304 أ) ساحة تحتشد بتماثيل متنوعة من المنحوتات الكلاسيكية والعصرية، للتدليل على أن أكثر الوضعات رشاقة وقرباً من شكل جسد الإنسان الطبيعي هو أن يبدو الجسد مقوّساً بعض الشيء لا أن يبدو منتصب القامة تماماً، وهو ما عبّر عنه في صورة مدرّب الرقص المعتدّ بنفسه الواقف وقفة مستقيمة متصلّبة إلى جوار تمثال أنتينوس الكلاسيكي (لوحة 304 ب). أما اللوحة الثانية (لوحة 302) فتمثـّـل حفلاً راقصاً في الريف الإنجليزي، وهي صورة معدّلة لصورة الحفل الراقص الشهيرة في مجموعة “الزواج السعيد” كما سبق القول. والفكرة الأساسية في نظر هوجارث هو أن المعيار الحقيقي للجمال تهيّـؤه الطبيعة لا الفن مهما بلغت روعته، ولذا ينبغي على متذوّق الفن أن يتمتـّع بموهبة قوة الملاحظة دون أن يصرفه وميض أضواء الفن وحده، فحتى المتعصّب للفن الكلاسيكي – في رأيه – لا يستطيع إنكار أن بصره قد وقع المرة تلو المرة على وجوه وأعناق وأذرع وأياد وسيقان بين الأحياء من النساء تبزّ أية محاولة لمحاكاة فينوس الكلاسيكية. ذلك أن المنبع الأساسي للمتعة في الطبيعة هو التنوّع المتناسق، وهو ما ينبغي أن ينطبق بدوره على العمل الفني الجيّد. وتقوم فكرة هوجارث على مدى القدرة المحدودة للعين على تحصيل المعرفة، وعلى التقمّص الوجداني لانطباع العين بحركة الطبيعة، فالعين التي تتطلّع إلى امرأة وهي ترقص إنما ترقص معها في الوقت ذاته. وهكذا يحوّل هوجارث فكرتي التنوّع وتقمّص العين الوجداني إلى خط أساسي على شكل قوس متحوّ يمكن رؤيته في الطبيعة والفن على السواء، كما يعدّه القاعدة الأساسية لكل الأشكال الجميلة مسمّياً إياه “خط الجمال”. ويضم كتابه “تحليل الجمال” نماذج بارعة للأشكال التي تقفو إثر هذا “الخط الجمالي”، وتلك التي تخرج على القوس الجمالي بدرجات متفاوتة ابتداء من مشدّات الخصور النسائية إلى أرجل المقاعد.

ويعترض هوجارث على النمط الكلاسيكي الذي يفترض إلى أن الجمال الحقيقي يعتمد على البساطة وتماثل الأجزاء وتناظرها، موضحاً أن البساطة ليست صفة أساسية لكنها صفة قد يلجأ إليها الفنان لتوصيل فكرته إلى المُـشاهد بمزيد من اليُسر، كما أن البساطة دون تنوّع تغدو فاقدَة عنصر الجذب والتشويق خالية من المذاق والنكهة. ويمضي هوجارث رافضاً تكلّف التماثل والتشاكل والانتظام والاتساق، ضارباً المثل بكاتدرائية سان بول في لندن مُثنياً على مصمّمها كريستوفر رِنْ واصفاً إياه بأمير المعماريين، مقارناً بين مبناه وبين التماثل المملّ في طراز المعماري الإيطالي بلاديو.

كان هوجارث من الفنانين المولعين بتدريس الفن، غير أن وسيلته إلى الفن كانت تختلف عن غيره من معاصريه. وقد حاول أن يضع نظرياته موضع التنفيذ، غير أن خصومته الشديدة للأكاديميات الرسمية التي أنشئت على غرار الأكاديمية الملكية الفرنسية باعدت بينه وبين زملائه الفنانين. فلقد كان مؤمناً – شأنه شأن فولتير – بأن الأكاديميات الرسمية هي السبيل الأمثل للقضاء على العبقرية، وكانت الأكاديمية الملكية الفرنسية هي النموذج الصارخ لهذا النهج من التعليم الذي رفضه، لاقتناعه العميق بأنه ليس ثمة مجتمع يستطيع أن يفرز أكثر من اثني عشر فناناً موهوباً خلال حقبة بعينها، في حين كانت تلك الأكاديميات تخرّج كل عام أعداداً غفيرة من نمطٍ بعينه يفتقر أغلبهم إلى الموهبة. وبطبيعة الحال لم يكن هوجارث معادياً للتعليم، لكنه كان يؤمن في قرارة نفسه باستحالة اكتساب السّجايا الجوهرية التي تشكّل معدن الفنان العبقري إلا عن طريق القدرة الفطرية النفّاذة على استشفاف التعبيرات و”ملاحظة” السمات والتنوّعات، وهذه جميعاً مردّها إلى الطبيعة وحدها. وبمعنى آخر كان هوجارث يعارض المنهج التقليدي للتعليم الفني القائم على استنساخ أعمال كبار الفنانين نحتاً وتصويراً، والذي لا يغرس في الطالب إلا أدنى الأمور أهمية في الفن. وإذ كان الفن الحقيقي في نظره هو ما يتناول الحياة الواقعية، لذا كانت المقدرة على “الملاحظة” هي أول ما ينبغي غرسه في طلبة المعاهد الفنية، فليس هدف الدراسة – كما كان يرى – هو الدراية بملامح فينوس المجرّدة من التعبير بقدر ما هو الدراية بما تبدو عليه فتاة نضرة الخدّيْن في الخامسة عشر من عمرها تقع عليها أبصارنا، وهو النموذج الذي تمثّله في بورتريهه الطليق المتحرّر “الفتاة بائعة الجمبري” (لوحة305) الذي يُعد بكل المقاييس تحفة بالغة الروعة.

ولم تقتصر لواذع هوجارث الساخرة على الطبقة العليا وحدها، فقد تناولت صوره الهزلية الطبقة الدنيا أيضاً، مثل لوحة “مسيرة العسكر إلى فنشلي” (لوحة 306 أ، ب، ج) فإذا نحن أمام مفارقة بين أناقة أزياء الجنود الزاهية الألوان وسلوكهم البهيمي الفظ، وبين بيت الدعارة الذي تطلّ المومسات من شبابيكه التسعة المفتوحة مرحّبات بالجنود من ناحية، وبراءة جمال الغلام الشارد في محاولة النفخ في مصفاره من ناحية أخرى. مثلما تعرّفنا على مدرب الرقصة في لوحه “حفل الاستقبال بعد الاستيقاظ من النوم” (لوحة 275) من خنوثة هيئته وملامح وجهه الناعمة وشعره المصفّف في خُصل مضفورة إلى مثبّتات الشعر وارتشافه القهوة من الفنجان برقّة أنثوية ملحوظة بينما يتحسّس معدته بكفه مداراة لآلام المغص الذي انتابه. ويعلّل هوجارث إقحامه هذا التفصيل على موضوع اللوحة بأن المتعة التي يشعر بها المتأمِّـل أمام هذا التنوّع يشكّل عامل تحرير له على استنباط مغزى القصة بنفسه، فضلاً عن أن سريان الخط المتحوّي في التكوين الفني كله يربط الأشكال بعضها بالبعض الآخر، كما يتيح للعين الزحف بسلاسة من المغنّي إلى المحامي سلفر تانج إلى السَّاتر “حاجز المداراة” وراءه، ومن ثم إلى خاتمة القصة في اللوحة التالية من المجموعة.

وفي الخمسينات من القرن الثامن عشر توجّه عدد غفير من الفنانين الإنجليز إلى روما بما في ذلك المصوّر الشهير سير جوشوا رينولدز، لاقتناعهم بأن زيارة المواقع الأثرية وغيرها من المعالم الكلاسيكية ستعود عليهم بنفع كبير. كذلك استقر رأي الفنانين الإنجليز على ضرورة قيام المؤسسات المتخصّصة لتعليم الفنون بدورها في التعليم الفني الملتزم، كما صاحبت ذلك الموقف الدعوة إلى الاهتمام بتحصيل المعارف الفنية أكثر من الاهتمام بـ “الملاحظة”، والعناية بـ “المثالية” أكثر من العناية بـ “الطبيعة” التي تشوبها المعايب.

ولا يستطيع هوجارث أن يكبح جماح رغبته في الإفصاح عن نظرياته وآرائه من خلال لوحاته المصوّرة وصوره المطبوعة بطريقة الحفر فيما أسماه “براهين بصرية” Ocular Demonstrations مثل لوحة “كنيسة النيام” (لوحة 307) ولوحتي منصّـة القضاء (لوحة 308 أ، ب) اللتيْـن رسم فيهما قاضياً بديناً مغروراً منتفخ الأوداج يرأس جلسة قضاء بين زملائه الناعسين، تجلّت فيهما قدرته الفائقة على الجمع به السّمات الشخصية والكاريكاتير، كما أورد تحت الصورة المطبوعة بطريقة الحفر شرحاً مستفيضاً لما يدور فيها. كذلك اتخذ هوجارث من لوحته “رهان السيدة الأخير أو نهاية المقاومة” The lady’s last Stake وسيلة للعودة إلى تطبيق نظريته التي يناهض بها أذواق كبار المصوّرين القدامى (لوحة 309). ويدور موضوعها حول سيّدة متزوّجة فقدت كل ما تمتلكه على مائدة القمار أمام ضابط شاب، وإذا هي إزاء مغازلته حائرة بين الإقدام والإحجام، إما أن تمضي دون أن تستسلم إليه أو أن تُسْلم إليه نفسها لاسترداد ما فقدته من مال. واللوحة على الرغم مما كان يعانيه هوجارث آنذاك من إعياء وشعور بالبرم هي في الحق عمل متفرّد بارع حاذق التعبير عن سلوكيات الطبقة العليا على غرار مجموعة “الزواج وفق نهج العصر” ومجموعة “قبل… وبعد”.

وثمّة لوحة أخيرة لا تقل روعة هي لوحة الشاعر البائس الفقير الجالس إلى مكتبه في غرفته المنعزلة فوق سطح أحد البيوت إلى جوار النافذة (لوحة 310) وقد بسط أمامه أوراقه في انتظار هبوط لحظة الإلهام عليه، وإن كان من الواضح أنه كان يعاني وقتئذ من عجز قريحته المنهكة. ومن وراء الشاعر صُفّة فوقها كتب ثلاثة، وإلى جواره زوجته تخيط سرواله وعند قدميها أقعت هرّة، بينما تدخل عليهما جارة لهما تحمل إحدى الصحف. ومع أن فن هوجارث لم يتحوّل إلى نمط أو مدرسة تُحتذى بعده، إلا أنه كان ولا يزال عَلَماً خفّاقاً في سماء الفن، إذ كان فنه باكورة الإرهاص بفن الكاريكاتير بصفة عامة.


هوجارث: سيرة بغي. اللوحة السادسة. مشهد الوداع حول نعش مولي. صورة مطبوعة بطريقة الحفر على النحاس ( 1731)

هوجارث: سيرة ماجن. اللوحة الأولى. الوريث. متحف سون. لندن.

هوجارث: سيرة ماجن. اللوحة الأولى. الوريث. صورة مطبوعة بطريقة الحفر على النحاس.

هوجارث: سيرة ماجن. اللوحة الثانية. حفل الصباح اليومي بعد استيقاظ الوريث من النوم. متحف سون. لندن.

هوجارت

هوجارث: أوبرا الشحاذ لجون جاي (1728) . النسخة التانية.

هوجارث: أوبرا الشحاذ (1729). جامعة بيل بنيوهافن. النسخة الخامسة. وثمة نسخة أخرى منها في تيت جاليري بلندن.

لافينيا فنتون ( دوقة بولتون) التي أدت دور بولي في مسحرية أوبرا الشحاذ أداءً فوق الحسبان. ناشونال جاليري بلندن.

هوجارث: كابينة القبطان جراهام. إحدى صور اللقاءات الودية. المتحف البحري القومي. جرينتش.

هوجارث: أسرة سترود. إحدى صور اللقاءات الودية. تيت جاليري بلندن.

هوجارث: جاريك وقرينته. إحدى صور اللقاءات الودية. المجموعة الملكية. قصر وندسور.

هوجارث: أطفال أسرة جراهام. تيت جاليري بلندن.

هوجارث: الفنان نفسه يرسم ربة الملهاة. ناشونال جاليري بلندن.

هوجارث: الأطفال يمثلون مسرحية الإمبراطور الهندي ( أو غزو المكسيك) 1732. مجموعة جالواي الخاصة. دورست.

هوجارث: البيت المتهاوي 1 ( بيت أوراق الكوتشينة) . 1730 مجموعة خاصة.

هوجارث: البيت المتهاوي 2 ( بيت أوراق الكوتشينة) 1730.

Previous Older Entries Next Newer Entries

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 449 other followers