لوحات

إبداع عالمي : بورتريه الشاعرة آنا أخماتوفا

اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي

بورتريـه الشـاعـرة آنـّا أخمـاتـوفـا
للفنان الـروسي ناثـان آلتـمـان

ولد ناثان آلتمان في اوكرانيا سنة 1889 ودرس الفن في اوديسا قبل أن يغادر إلى باريس في العام 1910.
في باريس اتّصل آلتمان بشاغال وبيكاسو وشتيرينبيرغ قبل أن يعود بعد ذلك بعامين إلى سينت بترسبيرغ.
لوحته عن الشاعرة الروسية الكبيرة آنا أخماتوفا تعتبر اشهر أعماله على الإطلاق، كما أن اللوحة تعتبر بلا شك أحد اشهر الأعمال الفنية العالمية.
في هذه اللوحة ثمّة مسحة من التأمّل والغموض، والشاعرة تبدو هنا جالسة على أريكة ومرتدية فستانا ازرق بينما لفّت حول ذراعيها وشاحا اصفر. هنا يلاحظ بوضوح غلبة اللونين الأزرق والأخضر وظلالهما على معظم مساحة اللوحة ومن الواضح أيضا أن الفنان استخدم في رسمه للوحة أسلوبا يقترب كثيرا من التكعيبية.
آنا اخماتوفا هي أحد الأسماء الكبيرة في الشعر الروسي المعاصر وقد اشتهرت بأشعارها التي يغلب عليها الطابع الذاتي والموسيقيّ أسوة بالشاعر الكبير بوشكين.
تزوّجت الشاعرة اخماتوفا من الشاعر نيكولاي غوميليف في العام 1910، وتصدّت بشجاعة لستالين وهاجمته بضراوة، الأمر الذي دفع النظام آنذاك إلى سجنها سبعة عشر عاما، بعد أن اتّهمها بـ “الترويج للانحلال البورجوازي والانشغال بالأمور التافهة كالحديث عن الله والحب”.
عالجت اخماتوفا في شعرها مواضيع متعدّدة مثل الزمن والذاكرة والحب المأساوي والأنوثة والمرأة المبدعة ومصاعب العيش والكتابة في ظل الستالينية.
وفي مراحل لاحقة أضافت إلى شعرها موتيفات دينية ووطنية.
في العام 1921 أعدمت السلطات زوجها بعد اتهامه بالضلوع في مؤامرة لقلب النظام. ولم تلبث السلطة أن اعتقلت ابنها الوحيد ونفته إلى سيبيريا. بعد تلك الأحداث أصبحت اخماتوفا أسيرة للحزن والعزلة والصمت، وعانت من إقصاء وتجاهل زملائها من الشعراء والأدباء الروس.
وفي 1946 هاجمها الحزب الشيوعي بعنف واتّهمها بتسخير شعرها للترويج للإباحية والتصوّف واللامبالاة السياسية، الأمر الذي أدّى إلى طردها من اتحاد الكتاب السوفيات.
في ما بعد، أنجزت اخماتوفا ترجمات لاشعار فيكتور هوغو و رابندرانات تاغور، ونالت جائزة إيطاليا للشعر العالمي كما حصلت على درجة دكتوراه فخرية من جامعة اكسفورد.
بعد وفاتها نمت شهرتها اكثر وُترجمت أشعارها إلى معظم اللغات الحية، واعتبرت إحدى اعظم الشاعرات في العالم. ومنذ سنوات أعيد لها الاعتبار في بلدها روسيا وُسمح بإعادة طبع ونشر أعمالها الشعرية الكاملة.
بالإضافة إلى بورتريه الشاعرة اخماتوفا، رسم ناثان آلتمان مناظر للطبيعة حاول فيها بعث تقاليد الانطباعيين كما أنجز رسوما توضيحية لبعض روايات غوغول.
عندما عاد إلى روسيا في العام 1935 وجد آلتمان نفسه يعيش في أجواء سياسية وأيديولوجية صارمة تتّسم بالضغوط والقهر. وأدرك أن رسوماته، الطليعية والتجديدية، بعيدة جدّا عن معايير الواقعية النقدية التي فرضها الحزب الشيوعي على الأدباء والفنانين، فشغل نفسه بالمسرح حيث اشرف على تصميم مشاهد وأزياء مسرحيات شكسبير وسواه من الكتاب المسرحيين.

لوحة حانة في فولي بيرجر للرسام الفرنسي مانيه

اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي

حانـة فـي الــ فولـي بيـرجيـر
للفنان الفـرنسـي ادوارد مـانـيــه

رسم ادوارد مانيه هذه اللوحة قبل سنة من وفاته. ورغم مرور أكثر من مائة عام على ظهورها، ما يزال يُنظر إليها باعتبارها واحدة من أكثر اللوحات إثارة وغموضا في تاريخ الفنّ التشكيلي العالمي.
كان مانيه معجبا كثيرا بأسلوب دييغو فيلاسكيز، ولطالما عبّر عن افتتانه بالألغاز البصرية المعقّدة التي ضمّنها الرسّام الاسباني الأشهر لوحته الذائعة الصيت وصيفات الشرف .
لكن يبدو النقاد منقسمين بشدّة حول مضمون هذه اللوحة وقيمتها الإبداعية. بعضهم يرى أنها خالية من أي معنى كما أنها لا تنطوي على أيّ إبداع حقيقي من وجهة النظر الأكاديمية البحتة.
لكنّ نقادا آخرين يرون أن اللوحة نتاج عقلية فذّة ومقدرة فنية فائقة على استخدام اللغة البصرية للمزاوجة بين الواقع الملموس والعالم المجرّد.
المكان الذي تقدّمه اللوحة هو الفولي بيرجير، وهو عبارة عن صالة باريسية شهيرة توفّر لروّادها ضروبا من اللهو والتسلية المختلفة وتقدّم فيها المشروبات وتعزف الموسيقى وتقام فيها العروض والألعاب البهلوانية.
في اللوحة نرى فتاة تقف وسط الحانة وأمامها صفّ من الفواكه والزهور وزجاجات النبيذ والشمبانيا.
لكن عنصر الغموض الأساسي في اللوحة يتمثل في الحاجز الزجاجي الكائن خلف الفتاة.
الزجاج يفترض أنه يعكس الأشياء والموجودات التي أمامه. غير أننا نرى فيه عالما آخر لا علاقة له بما هو موجود في مقدّمة اللوحة من عناصر وأشياء واقعية.
وأهمّ ما يمكن رؤيته منعكسا على الزجاج هو المرأة التي ترتدي القفّازات وتتبادل حديثا على الواقف مع رجل يبدو انه صديق أو زبون ما.
وقد عُرف عن هذا المكان تنوّع الخدمات التي من المفترض أن تقدّمها فتيات الحانة لبعض الزبائن من أصحاب الاحتياجات الخاصّة.
وما من شكّ في أن مانيه عندما رسم هذه اللوحة كان في ذهنه لوحة فيلاسكيز بأحاجيها البصرية وغموضها المثير. وربّما أراد مانيه هو الآخر التأكيد على فكرة أن بعض ما نراه في الواقع من أشياء وصور ومظاهر لا تعدو كونها أمورا تجريدية لا توجد إلا في المرايا. وهذا يستتبع أن يتحوّل المتلقي نفسه إلى حضور شبحي أو متخيّل لا يختلف عن الحشد الذي تنظر إليه الفتاة.
وفكرة مزج الواقعي بالمجرّد في الأدب والفنّ فكرة ليست بالجديدة، وهي تستند إلى افتراض مؤدّاه أن كلّ إنسان يرى الحياة بحسب فهمه وإدراكه، وأن عالم الواقع برغم غناه بالصور والرموز فإنه قاصر عن رؤية ما يختفي تحت سطح الأشياء والمظاهر.
كما تفترض الفكرة أن كلّ ما نعتقد انه واقع ملموس يخفي وراءه وجودا مجرّدا، وبذا يصبح من الضروري إعادة فحص الواقع وتمحيصه للتحرّر من قيوده ونواقصه ولاكتشاف امتداداته المجرّدة.
أحد التفسيرات الكثيرة التي أعطيت لهذه اللوحة هو أن الفتاة غير سعيدة بمهنتها لأنها تشعر أنها غريبة عن عالمها الصغير. وممّا يدعم هذه الفرضية حقيقة أن الفتاة هي الشخص الوحيد الذي لا تظهر صورته منعكسة في المرآة.
والزجاج يقوم هنا بدور الحاجز الذي يفصلها عن محيطها الذي هو عبارة عن غابة من المرايا التي تعكس صورا لأفراد منهمكين في تبادل الحديث والعناق وربّما الكذب والزيف.
قد يكون في ذهن مانيه عندما رسم هذه اللوحة أن الإنسان مهتم بطبعه بالتفاصيل الظاهرة والملموسة لان هذا يسهلّ عليه تفسيرها والبحث عن أسبابها من اجل فهمها والسيطرة عليها.
لذا فإن المزاوجة بين الواقع والمجرّد قد يكون أداة فعّالة تسمح للفنّان أو المبدع بتجاوز الإدراك النمطي والتفسير الحرفي والمباشر للأشياء والظواهر وتنقله إلى فضاء أوسع يستثار فيه العقل ويحفّز الشعور للنفاذ إلى كنه الأشياء وعوالمها الجوّانية.
وهذا لا يتأتّى إلا من خلال هذه المزاوجة التي تنحّي جانبا أية أفكار أو تصوّرات مسبقة وتمنح المجرّد وجودا ذاتيا وخاصّا.
وأيّا ما كانت التفسيرات التي أعطيت للوحة مانيه هذه، فإنها تظلّ إحدى العلامات الفارقة في تاريخ الرسم العالمي سواءً بغرابة مضمونها أو بالأسلوب الثوري الذي أنجزت به أو الجدل الذي أثارته وما زالت تثيره.

لوحة الراعي الأجير للرسام الإنجليزي وليام هانت

اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي

الراعـي الأجيـر
للفنان البريطاني وليام هولمان هانت

لا يمكن أن نفهم مغزى هذه اللوحة دون العودة إلى الوراء، وبالتحديد إلى منتصف القرن التاسع عشر، وهي الفترة التي شهدت انجلترا خلالها بعض التحوّلات على المستويين الديني والاجتماعي.
لكن لا بدّ في البداية من قراءة سريعة وأوّلية في المشهد الذي تقدّمه اللوحة.
هنا نرى منظرا نموذجيا للطبيعة الريفية هو عبارة عن مرعى يضمّ أعدادا من الماشية والأشجار. وعلى أرض المرعى يجلس شابّ وفتاة على العشب.
من الواضح من هيئة الشابّ أنه هو الراعي الذي أوكلت إليه مهمّة الاهتمام بالقطيع. لكنه يبدو غير مكترث كثيرا بالغنم لان هناك ما يشغله ويثير اهتمامه أكثر. إنها الفتاة الجميلة التي تبدو عليها علامات الدلال والتمنّع برغم ما يبديه الراعي نحوها من مشاعر الخضوع والتودّد.
التفاصيل في اللوحة واضح أنها رسمت بطريقة دقيقة جدّا تجعلها اقرب ما تكون إلى الصورة الفوتوغرافية. يكفي أن نتمعّن في الأسلوب المرهف الذي استخدمه الرسّام في تمثيل الأغصان وأوراق الشجر والأزهار لندرك مدى براعته وإتقانه.
في العديد من لوحات وليام هولمان هانت حضور دائم ومتكرّر للخرفان والقطيع. فبعد هذه اللوحة بسنة رسم الفنان لوحة أخرى أسماها الخراف الضالة ، وفيها تظهر مجموعة من الخراف وهي تخطو على أطراف منطقة جبلية وعرة فيما يوشك بعضها على السقوط من فوق الحافّة باتجاه الهاوية. ومن الملاحظ في هذه اللوحة الأخيرة أن القطيع ترك لوحده، إذ ليس هناك أثر للراعي الذي يفترض أنه يوجّه الغنم كي يجنّبها الوقوع في الأخطار ويوفّر لها الحماية.
التسلسل الزمني الذي رسمت به اللوحتان يشير إلى المعنى الرمزي الذي قصده الفنان. في اللوحة الأولى كان الراعي حاضرا بجسده لكنه أهمل واجباته الأصلية لأن عقله كان في مكان آخر. وفي الثانية اختفى الراعي تماما من اللوحة وأصبح القطيع وجها لوجه أمام خطر محدق.
في ذلك الوقت، أي زمن وليام هانت، كانت انجلترا تشهد نقاشا نظريا حاميا بين الكنيسة الانجليزية والجماعات الانغليكانية. وكان رجال الدين هدفا للوم والانتقاد لفشلهم في توجيه أتباعهم وتبصيرهم بأسس ومبادئ الأخلاق المسيحية.
كما ساد اعتقاد آنذاك بأن البلاد غير محصّنة ولا موحّدة بما يكفي لصدّ غزو كان يقال بأن نابليون بونابرت على وشك أن يقوم به لأراضي انجلترا.
إذن فاللوحتان تتحدّثان عن بشر لا عن خراف، وعن رعاة بالمعنى المجازي للكلمة، وهم القساوسة والرهبان الذين يرى الفنان أنهم تقاعسوا عن أداء واجباتهم وتركوا الرعيّة دون دليل أو مرشد.
وبالنتيجة فإن هذه اللوحة، واللوحة الأخرى، مكمّلتان لبعضهما البعض ويمكن أن تفسّرا على مستويين: الأوّل عاطفي يروق للناس العاديين. والثاني تأمّلي يناسب النخب الفكرية والطبقة المثقفة.
الجدير بالذكر أن الفكرة الرمزية للراعي ظهرت أوّل ما ظهرت في مقطع شعري من مسرحية الملك لير يصوّر فيه شكسبير راعيا أهمل واجباته تجاه الرعيّة وشغل نفسه بأمور ليست لها قيمة أو أهمّية من منظور المجتمع والدين.
كان وليام هانت إنسانا متديّنا وميّالا للفضيلة والأخلاق، تشهد على ذلك إحدى أشهر لوحاته المسمّاة يقظة الضمير .
وقد ُعرف عنه التزامه الصارم بتقاليد الرسم ما قبل الرافائيلي، وكان صديقا حميما لكل من جون ايفريت ميليه و دانتي غابرييل روزيتي .
وفي بعض مراحل حياته قاده حبّ المعرفة والاكتشاف إلى فلسطين التي زارها عدّة مرّات بحثا عن مواضيع دينية للوحاته. وعلى إثر إحدى زياراته إلى هناك، عاودت الخرفان الظهور في لوحة أخرى من لوحاته اسماها كبش الفداء استلهم موضوعها من إحدى الأساطير التوراتية.

اللوحة الفنية الشهيرة مدرسة أثينا للفنان الإيطالي العالمي روفائيل

اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي

مـدرسـة أثـيــنا
للفنّـان الإيطـالي رافـائيــل

لوحة أخرى يعتبرها الكثير من النقّاد واحدةً من التحف الفنّية العالمية.
وقد ولدت فكرة هذا العمل عندما أوعز البابا يوليوس الثاني إلى الفنّان رافائيل برسم لوحة تكون محفّزا للنقاش الفكري ورمزا لأهميّة الثقافة، لكي يعلّقها البابا في مكتبته الخاصة.
واللوحة تصوّر ما ُيفترض أنه ندوة فكرية جرت أحداثها في مدرسة أثينا باليونان القديمة حوالي سنة 380 قبل الميلاد.
رافائيل حاول أن يجعل اللوحة تجسيدا للحقيقة المكتسبة من خلال العقل، وهو لم يختر للوحة شخصيات مجازية أو أسطورية كما درج على ذلك الفنّانون في زمانه، بل فضّل أن تضمّ اللوحة شخصيات حقيقية لمفكّرين وفلاسفة مشهورين وضعهم داخل إطار معماري كلاسيكي تتّسم تفاصيله بالفخامة والمهابة والجلال.
وكل الشخصيات التي صوّرها رافائيل في “مدرسة أثينا” تشكّل اليوم ركائز ودعامات مهمّة في الفكر الغربي المعاصر.
وبفضل قدرته الوصفية الفائقة، عمد الفنان إلى توزيع الشخصيات على مساحة اللوحة بشكل متساو.
فليس هناك رمز معيّن يلتفّ حوله الباقون ويحيطونه بعلامات الاحترام والتبجيل.
بل الجميع هنا متساوون وهم منشغلون، بلا استثناء، بالحركة الدائبة والتفاعل وتبادل النقاش في ما بينهم.
في هذا العمل جمع رافائيل ممثّلين لكافّة فروع المعرفة من هندسة ورياضيات وفلك وأدب وموسيقى وفلسفة وخلافه.
واختار كلا من أفلاطون وأرسطو، اللذين يظهران في وسط المشهد وهما منهمكان في الحوار، ليكونا محكّمين للنقاشات في الندوة.
في مقدّمة اللوحة الى اليمين نرى اقليدس وهو يشرح نظريّته لتلاميذه، وفوقه مباشرة يظهر زرادشت ممسكا بكرة أرضيّة مجسّمة، بينما يبدو ديوجين في الوسط متمدّدا على الدرج.
وإلى اليسار وغير بعيد عن ديوجين يظهر هيراكليتوس الفيلسوف المتشائم مستندا إلى قالب من الرخام ومسجّلا ملاحظاته على الورق.
وهيراكليتوس هنا يأخذ ملامح مايكل انجيلو، وهي إشارة أراد رافائيل من ورائها تكريم انجيلو والإشادة بعمله الذي كان قد أنجزه للتوّ في سقف كنيسة سيستين.
ولم ينس رافائيل أن يرسم نفسه أيضا إذ يبدو واقفا في أقصى يمين اللوحة وقد اعتمر قبّعة سوداء.
وإلى اليسار يظهر فيثاغوراس وهو يدوّن ملاحظاته في كرّاس، وغير بعيد منه نرى بن رشد وهو ينصت باهتمام إلى ما يجري.
وفوق قليلا تظهر امرأة يقال إنها هيباشيا وهي أشهر شاعرة وخطيبة وفلكية وعالمة رياضيات من النساء، وقد برز اسمها وذاعت شهرتها زمن مكتبة الاسكندرية.
في اللوحة أيضا يظهر سقراط وزينوفون وابيكوروس “أو ابيقور بالعربية” وبطليموس وسواهم.
فور إتمام رافائيل “مدرسة أثينا” حقّقت اللوحة نجاحا مدوّيا وقوبلت بحماس بالغ. وأصبحت منذ ذلك الحين صورة مجازية ترمز لحرّية الفكر وتقديس العقل وأهمية الحوار.

اللوحة العالمية : منظر لقرية ديليفت للهولندي جوهان فيرمر

اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي

منظـر لـ ديـلـيـفـت
للفنان الهولنـدي يـوهـان فيـرميــر

لوحة أخرى لـ فيرمير يعتبرها الكثير من النقاد ومؤرّخي الفن احد أفضل الأعمال التشكيلية الغربية التي تصوّر طبيعة الحياة في مدينة بحرية.
بل أن الروائي الفرنسي مارسيل بروست يعتبرها أجمل لوحة وقعت عليها عيناه.
والمدينة التي اختارها فيرمير موضوعا لهذه اللوحة هي ديليفت ، مدينة الفنان التي ولد فيها وعاش وتوفّي.
وفي العصور اللاحقة أصبح اسم هذه المدينة مرادفا لاسم هذا الفنان العظيم الذي خلـّد في رسوماته الكثير من مظاهر الحياة اليومية فيها، ابتداءً من البيوت ذات الديكورات الزخرفية المتوهّجة وانتهاءً بالوجـوه التي طالما أحبّها وألفها.
رسم فيرمير هذه اللوحة حوالي منتصف القرن السابع عشر، وهي الفترة التي شهدت ذروة ازدهار الفنون والثقافة في هولندا.
في ذلك الوقت، كان فيرمير يعتبر ثاني أشهر رسّام هولندي بعد رمبراندت، وكان رسم المدن تقليدا شائعا لدى عدد غير قليل من الرسّامين الهولنديين.
ومن الواضح أن فيرمير بذل جهدا كبيرا في رسم اللوحة التي تشهد كل تفاصيلها بقوّة ملاحظة الفنان وبراعته في الإمساك بتأثيرات الضوء والظل.
وهذا واضح من خلال طريقة تمثيل الغيم والانعكاسات المائية التي تضفي على المشهد إحساسا بالفورية والحيوية والتلقائية.
واللوحة تزخر بالكثير من التفاصيل: بوّابتان إلى اليمين والوسط يتخللهما صفّ من البيوت. هناك أيضا برجا الكنيستين القديمة والحديثة وبعض سفن الصيد الراسية في مياه القنال. وفي الجزء الأمامي من اللوحة إلى اليسار، نرى عددا قليلا من الرجال والنساء واقفين على الشاطئ.
جوّ اللوحة يعطي انطباعا بأن فيرمير قد يكون رسم اللوحة في صباح يوم بارد. وتبدو الغيوم كما لو أنها تنقشع ببطء بعد ليلة ممطرة، فيما الشمس ترسل وهجها اللامع على صفحة الماء وأسطح البيوت الممتدّة على الشاطئ.
أكثر ما يلفت الانتباه في هذا المنظر الأثيري البديع هو الأسلوب الواقعي الذي وظّفه فيرمير في رسمه. وربّما لهذا السبب يعتبر بعض النقاد هذه اللوحة نموذجا ممتازا للوحة الوصفية التي يمكن للإنسان أن يستمتع بالنظر إليها والتمعّن في جمالياتها دونما حاجة إلى الكثير من الشرح أو التحليل.
وقد قيل في بعض الأوقات أن كثافة وعمق الألوان في اللوحة والتأثيرات البصرية المبهرة التي استخدمت في رسمها تجعل من عملية استنساخها أو تقليدها أمرا شبه مستحيل.
“منظر لـ ديليفت” ليست مجرّد لوحة عن الحياة في مدينة بحرية وإنما يمكن اعتبارها معلما يجسّد روح وشخصية هذه المدينة وسجّلا يؤرّخ لأسلوب وشكل الحياة الذي كان سائدا فيها قبل أربعة قرون.
ممّا يجدر ذكره أن فيرمير مات فقيرا معدما، وبعد وفاته ضاع اسمه في غياهب النسيان، وطوال مائتي عام لم يعد احد يتذكّره بشيء.
وقد اضطرّت أرملته بعد وفاته لبيع لوحاته كي تعتاش من ثمنها.
لكن مع حلول منتصف القرن التاسع عشر عاد اسمه إلى الواجهة مجدّدا. واليوم يُنظر إلى فيرمير باعتباره احد أعظم الرسّامين، ليس في بلده هولندا فحسب وإنما في العالم كله.

اللوحات

الملكة نور جيهان للرسام الباكتستاني وسيم سرود

اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي

اللوحة العبقرية : راهبة الإسكندرية للرسام العالمي روفائيل

اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي
Raphael, Saint Catherine of Alexandria, 1507

كاثـرين .. راهبـة الإسكنـدريــة
للفنّـان الإيطـالي رافـائيــل

كانت كاثرين تنحدر من عائلة من النبلاء، وقد رأت في المنام ذات ليلة أنها تزوجّت المسيح.
وكان الإمبراطور الروماني ماكسينتيوس يرغب في الزواج من المرأة، لكن كان عليه أوّلا أن يقنعها بترك المسيحية.
وعندما فشل في مساعيه أرسل إليها خمسين فيلسوفا وعالما ليحاولوا استمالتها وإقناعها بالنزول عند رأيه. غير أن المرأة تمكّنت من تحويل هؤلاء جميعا إلى المسيحية، بحسب ما تذكره المصادر الإنجيلية.
قبض الإمبراطور على العلماء وحكم عليهم بالإعدام حرقا ثم أمر بأن تعذّب المرأة وذلك بأن تربط إلى عجلة ذات أضلاع مسنّنة.
لكن العجلة سرعان ما تدمّرت بفعل صاعقة رعدية ولم تصَب المرأة نفسها بأذى. لكن كاثرين أعدمت بعد ذلك بقطع رأسها بالسيف.
ولم يمض وقت طويل حتى تحوّلت هذه المرأة إلى قدّيسة وأصبح لها أتباع ومريدون كما شيّد لها في القرن السادس الميلادي دير يحمل اسمها على قمّة جبل طور سيناء حيث يعتقد بأن الملائكة قامت بنقل رفاتها إلى هناك.
وقد امتدحها الوعّاظ وتغنّى بها الشعراء في قصائدهم كما سمّيت الكثير من الكنائس على اسمها، ولا تخلو كنيسة أو دير من تمثال أو أيقونة تصوّرها.
تم تمثيل كاثرين راهبة الاسكندرية في العديد من اللوحات والتماثيل الفنية وكان يظهر إلى جوارها عجلة أو سيف، أو خاتم يرمز إلى واقعة زواجها الغامض من المسيح.
وأحيانا ما تصوّر وهي تمسك بكتاب أو تضع على رأسها تاجا في إشارة إلى خلفيّتها الملوكية.
في اللوحة يتّضح مدى تأثّر رافائيل بأسلوب ليوناردو دافنشي الذي كان بارعا في تصوير وضعية الوقوف مع انثناء الجسد بطريقة لا تخلو من المهابة والجلال.
والمرأة تبدو هنا وهي تسند جنبها الأيسر إلى رمزها “العجلة” بينما أراحت يدها اليمنى على صدرها وأرسلت عينيها باتجاه السماء البعيدة المغمورة بالضياء.
ومن الواضح أن المنظر الطبيعي الذي يبدو في خلفية المشهد قد نفّذ بكثير من البراعة والإتقان وهو يذكّر إلى حدّ كبير بمناظر دافنشي ذات الطبيعة الحالمة والفانتازية.
ومن السّمات الأخرى في اللوحة غنى المشهد بالحركة المتناغمة للألوان. ويبدو أن رافائيل لم يكن يركّز كثيرا على إثارة الانفعالات حول الموضوع بل كان يحاول بلوغ أفضل توازن للألوان والتعابير والعناصر الجمالية الأخرى في اللوحة.
يقول بعض المؤرخين إن كاثرين (ومعنى الاسم: المرأة الطاهرة) قد تكون مجرّد شخصية خيالية اخترعتها مخيّلة الناس مدفوعين برغبتهم في أن يتمثلوا نموذجا بشريا يجسّد معاني التضحية والطهر والثبات على المبدأ.
وبعض الفلاسفة يعتبرون سينت كاثرين النموذج المناظر في العقلية القروسطية لـ “هيباشيا” الفيلسوفة والعالمة الوثنية الشهيرة التي عاشت هي أيضا في الاسكندرية في ذلك الوقت ولاقت نفس مصير كاثرين العاثر عندما قام بذبحها وتمزيق جسدها غوغاء مسيحيّون غاضبون بعد اتهامها بالهرطقة.
ومثل هيباشيا، يقال إن كاثرين كانت امرأة مثقّفة في الفلسفة واللاهوت وكانت تتمتّع بجمال أخّاذ وقد أعدمت بوحشية لأنها جاهرت بما تؤمن به.
في العام 1969 أزالت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية اسم كاثرين من قائمة القدّيسين على أساس عدم كفاية الأدلة التي تؤكّد وجودها.
لكن قبل خمس سنوات وإذعانا لضغوط واحتجاجات المؤمنين من أنصارها، اضطرّت سلطات الفاتيكان إلى إعادة إدراج اسمها في تلك القائمة.

اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي

إنعكـاس، بورتـريه شخـصـي
للفنان البريطاني لـوسيـان فـرويـد

بعض النقاد يعتبرون لوسيان فرويد أعظم الرسّامين البريطانيين الأحياء. وفرويد ينحدر من عائلة ألمانية يهودية عريقة. فجدّه هو الطبيب وعالم النفس الشهير سيغموند فرويد. ووالدته تنتمي إلى أسرة من التجّار وأرباب الأعمال.
ولد فرويد في برلين عام 1922م. وعندما جاء هتلر إلى الحكم أصبحت أوضاع اليهود في ألمانيا لا تطاق. فقرّرت العائلة الهجرة إلى بريطانيا والإقامة فيها نهائيا.
وأعمال لوسيان فرويد تكتسب أهمّية خاصّة لأنها مرتبطة بزمن الحرب وبتبعات الحقبة النازية. ولوحاته تمتليء بصور لرجال ونساء عراة في مواقف وأوضاع شتّى.
وقد قيل في إحدى المرّات أنه بقدر ما كان سيغموند فرويد مهتمّا بدراسة النفس وسبر أغوارها، بقدر ما أن حفيده مهجوس بالجسد. وهناك حضور شبه دائم للكراسي في لوحاته. ويبدو أن اهتمامه بالكراسي والأرائك يستمدّ مغزاه من قرب هذه الأشياء من اللحم الإنساني الذي يشكّل لفرويد مصدر قلق وتفكير دائمين.
وعندما نتمعّن في لوحاته التي تصوّر نساءً عاريات نكتشف أن لا علاقة لها بالجنس أو الإيروتيكية. فالجلد سميك متغضّن والعظام نافرة والأطراف منهكة والأعين جامدة والوجوه حزينة وباردة.
وحضور النساء في اللوحات يتسمّ بالغموض والتشظي، وملامحهن إجمالا لا تثير في النفس سوى شعور بالتوتّر الذي لا يوصف وبالعزلة المتعبة وبالاستلاب المضني.
في إحدى لوحاته القديمة، نرى امرأة شابّة بنظرات شاحبة وهي تمسك بقطّة صغيرة من رقبتها. ورغم خلوّ تعابير المرأة من أي أثر للعدوانية أو العنف، فإن المنظر يوحي كما لو أن المرأة توشك أن تقتل القطّة خنقا.
من أشهر لوحات لوسيان فرويد هذا البورتريه الذي رسمه لنفسه في سنّ الرابعة والستّين، أي عندما كان في ذروة نضجه الفنّي. واللوحة ليست “بورتريه” شخصّيا بالمعنى المتعارف عليه، وإنما هي صورة الفنان كما تبدو منعكسة في مرآة، بحسب ما يشير إليه العنوان.
تعابير الوجه هنا صارمة، والنظرات قاسية، قلقة، ومتوتّرة مثل نمر متحفّز. إنه نفس أسلوب فرويد الذي يتّسم بالعنف والوحشية والصدمة. ومن الملاحظ أنه استخدم في اللوحة ضربات فرشاة سميكة وسكب على القماش طبقات كثيفة من الطلاء. ومن بين كتل الألوان الخام والمشبعة نلمح في الوجه آثار رضوض وندوب، كأنما يعطي الإحساس بقسوة الحياة التي لا تني تعاقبنا وتجعلنا نبدو عراة، مكشوفين، ضعفاء ووحيدين.
وفرويد يفعل هذا بواقعية شديدة وبمزاج مشبع بالوحدة والانقباض.
يقول أحد أصدقائه إن من عادة فرويد أن يرتدي في محترفه ملابس تناسب مواضيع صوره، وهو يباشر عمله في الرسم بزيّ جزّار مسلّح بالمناشير والفوط والسكاكين.
ولا يبدو الفنان مهتمّا بإظهار الجمال في أعماله إلا بقدر ما يرى في القبح والدمامة ضربا من الجمال. كما لا يعنيه أن يصوّر الجوانب الإنسانية التي تعبّر عن السعادة والأمل والنبل والتفاؤل.
ويمكن القول أن السمة الغالبة على لوحات فرويد هي كونها ذات مضامين سيكولوجية ووجودية، وهو أمر يؤهله لأن يكون رسّاما “فرويديا” حتى النخاع.
فالكثير من لوحاته مزعجة وتعطي شعورا بجدب الحياة ووحشتها وهشاشتها. وكلّ شخصية لها فضاؤها الوجودي الخاص والمستقل. وليس هناك اتصال بين الشخصيات، إذ لا أحد ينظر إلى الآخر مباشرة، ونادرا ما يعترف أحد بوجود الآخر. وفي غالب الأحيان تظهر الشخصيات كما لو أنها مشدودة إلى أسفل بفعل قوّة خفيّة وغامضة.
ومن الواضح أن فرويد يتعمّد دائما تصوير الغرف بحيث تخلو من أي أثر للتكنولوجيا أو لوازم الحياة اليومية الأخرى، وكأنها – أي الغرف – فضاءات خاصّة ومنعزلة توفر للشخوص فيها ملاذا مريحا وآمنا يحميها من فظائع وتعاسات العالم الخارجي.
مما يجدر ذكره في الختام أن فرويد يقترب اليوم من عامه السادس والثمانين. وهو أب لأربعين طفلا أنجبهم من علاقاته العابرة مع عدد من النساء من بينهن بعض “موديلاته”. ومؤخّرا إبتاع مليونير روسي لوحته المسمّاة “مديرة المتجر النائمة Benefits SupervisorSleeping والتي تصوّر امرأة بدينة عارية بمبلغ 34 مليون دولار أمريكي. كما بيعت لوحتة الأخرى “على خُطى سيزان After Cézanne ” بمبلغ ثمانية ملايين دولار.

اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي

إنعكـاس، بورتـريه شخـصـي
للفنان البريطاني لـوسيـان فـرويـد

بعض النقاد يعتبرون لوسيان فرويد أعظم الرسّامين البريطانيين الأحياء. وفرويد ينحدر من عائلة ألمانية يهودية عريقة. فجدّه هو الطبيب وعالم النفس الشهير سيغموند فرويد. ووالدته تنتمي إلى أسرة من التجّار وأرباب الأعمال.
ولد فرويد في برلين عام 1922م. وعندما جاء هتلر إلى الحكم أصبحت أوضاع اليهود في ألمانيا لا تطاق. فقرّرت العائلة الهجرة إلى بريطانيا والإقامة فيها نهائيا.
وأعمال لوسيان فرويد تكتسب أهمّية خاصّة لأنها مرتبطة بزمن الحرب وبتبعات الحقبة النازية. ولوحاته تمتليء بصور لرجال ونساء عراة في مواقف وأوضاع شتّى.
وقد قيل في إحدى المرّات أنه بقدر ما كان سيغموند فرويد مهتمّا بدراسة النفس وسبر أغوارها، بقدر ما أن حفيده مهجوس بالجسد. وهناك حضور شبه دائم للكراسي في لوحاته. ويبدو أن اهتمامه بالكراسي والأرائك يستمدّ مغزاه من قرب هذه الأشياء من اللحم الإنساني الذي يشكّل لفرويد مصدر قلق وتفكير دائمين.
وعندما نتمعّن في لوحاته التي تصوّر نساءً عاريات نكتشف أن لا علاقة لها بالجنس أو الإيروتيكية. فالجلد سميك متغضّن والعظام نافرة والأطراف منهكة والأعين جامدة والوجوه حزينة وباردة.
وحضور النساء في اللوحات يتسمّ بالغموض والتشظي، وملامحهن إجمالا لا تثير في النفس سوى شعور بالتوتّر الذي لا يوصف وبالعزلة المتعبة وبالاستلاب المضني.
في إحدى لوحاته القديمة، نرى امرأة شابّة بنظرات شاحبة وهي تمسك بقطّة صغيرة من رقبتها. ورغم خلوّ تعابير المرأة من أي أثر للعدوانية أو العنف، فإن المنظر يوحي كما لو أن المرأة توشك أن تقتل القطّة خنقا.
من أشهر لوحات لوسيان فرويد هذا البورتريه الذي رسمه لنفسه في سنّ الرابعة والستّين، أي عندما كان في ذروة نضجه الفنّي. واللوحة ليست “بورتريه” شخصّيا بالمعنى المتعارف عليه، وإنما هي صورة الفنان كما تبدو منعكسة في مرآة، بحسب ما يشير إليه العنوان.
تعابير الوجه هنا صارمة، والنظرات قاسية، قلقة، ومتوتّرة مثل نمر متحفّز. إنه نفس أسلوب فرويد الذي يتّسم بالعنف والوحشية والصدمة. ومن الملاحظ أنه استخدم في اللوحة ضربات فرشاة سميكة وسكب على القماش طبقات كثيفة من الطلاء. ومن بين كتل الألوان الخام والمشبعة نلمح في الوجه آثار رضوض وندوب، كأنما يعطي الإحساس بقسوة الحياة التي لا تني تعاقبنا وتجعلنا نبدو عراة، مكشوفين، ضعفاء ووحيدين.
وفرويد يفعل هذا بواقعية شديدة وبمزاج مشبع بالوحدة والانقباض.
يقول أحد أصدقائه إن من عادة فرويد أن يرتدي في محترفه ملابس تناسب مواضيع صوره، وهو يباشر عمله في الرسم بزيّ جزّار مسلّح بالمناشير والفوط والسكاكين.
ولا يبدو الفنان مهتمّا بإظهار الجمال في أعماله إلا بقدر ما يرى في القبح والدمامة ضربا من الجمال. كما لا يعنيه أن يصوّر الجوانب الإنسانية التي تعبّر عن السعادة والأمل والنبل والتفاؤل.
ويمكن القول أن السمة الغالبة على لوحات فرويد هي كونها ذات مضامين سيكولوجية ووجودية، وهو أمر يؤهله لأن يكون رسّاما “فرويديا” حتى النخاع.
فالكثير من لوحاته مزعجة وتعطي شعورا بجدب الحياة ووحشتها وهشاشتها. وكلّ شخصية لها فضاؤها الوجودي الخاص والمستقل. وليس هناك اتصال بين الشخصيات، إذ لا أحد ينظر إلى الآخر مباشرة، ونادرا ما يعترف أحد بوجود الآخر. وفي غالب الأحيان تظهر الشخصيات كما لو أنها مشدودة إلى أسفل بفعل قوّة خفيّة وغامضة.
ومن الواضح أن فرويد يتعمّد دائما تصوير الغرف بحيث تخلو من أي أثر للتكنولوجيا أو لوازم الحياة اليومية الأخرى، وكأنها – أي الغرف – فضاءات خاصّة ومنعزلة توفر للشخوص فيها ملاذا مريحا وآمنا يحميها من فظائع وتعاسات العالم الخارجي.
مما يجدر ذكره في الختام أن فرويد يقترب اليوم من عامه السادس والثمانين. وهو أب لأربعين طفلا أنجبهم من علاقاته العابرة مع عدد من النساء من بينهن بعض “موديلاته”. ومؤخّرا إبتاع مليونير روسي لوحته المسمّاة “مديرة المتجر النائمة Benefits SupervisorSleeping والتي تصوّر امرأة بدينة عارية بمبلغ 34 مليون دولار أمريكي. كما بيعت لوحتة الأخرى “على خُطى سيزان After Cézanne ” بمبلغ ثمانية ملايين دولار.

اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي

منظـر لـ ديـلـيـفـت
للفنان الهولنـدي يـوهـان فيـرميــر

لوحة أخرى لـ فيرمير يعتبرها الكثير من النقاد ومؤرّخي الفن احد أفضل الأعمال التشكيلية الغربية التي تصوّر طبيعة الحياة في مدينة بحرية.
بل أن الروائي الفرنسي مارسيل بروست يعتبرها أجمل لوحة وقعت عليها عيناه.
والمدينة التي اختارها فيرمير موضوعا لهذه اللوحة هي ديليفت ، مدينة الفنان التي ولد فيها وعاش وتوفّي.
وفي العصور اللاحقة أصبح اسم هذه المدينة مرادفا لاسم هذا الفنان العظيم الذي خلـّد في رسوماته الكثير من مظاهر الحياة اليومية فيها، ابتداءً من البيوت ذات الديكورات الزخرفية المتوهّجة وانتهاءً بالوجـوه التي طالما أحبّها وألفها.
رسم فيرمير هذه اللوحة حوالي منتصف القرن السابع عشر، وهي الفترة التي شهدت ذروة ازدهار الفنون والثقافة في هولندا.
في ذلك الوقت، كان فيرمير يعتبر ثاني أشهر رسّام هولندي بعد رمبراندت، وكان رسم المدن تقليدا شائعا لدى عدد غير قليل من الرسّامين الهولنديين.
ومن الواضح أن فيرمير بذل جهدا كبيرا في رسم اللوحة التي تشهد كل تفاصيلها بقوّة ملاحظة الفنان وبراعته في الإمساك بتأثيرات الضوء والظل.
وهذا واضح من خلال طريقة تمثيل الغيم والانعكاسات المائية التي تضفي على المشهد إحساسا بالفورية والحيوية والتلقائية.
واللوحة تزخر بالكثير من التفاصيل: بوّابتان إلى اليمين والوسط يتخللهما صفّ من البيوت. هناك أيضا برجا الكنيستين القديمة والحديثة وبعض سفن الصيد الراسية في مياه القنال. وفي الجزء الأمامي من اللوحة إلى اليسار، نرى عددا قليلا من الرجال والنساء واقفين على الشاطئ.
جوّ اللوحة يعطي انطباعا بأن فيرمير قد يكون رسم اللوحة في صباح يوم بارد. وتبدو الغيوم كما لو أنها تنقشع ببطء بعد ليلة ممطرة، فيما الشمس ترسل وهجها اللامع على صفحة الماء وأسطح البيوت الممتدّة على الشاطئ.
أكثر ما يلفت الانتباه في هذا المنظر الأثيري البديع هو الأسلوب الواقعي الذي وظّفه فيرمير في رسمه. وربّما لهذا السبب يعتبر بعض النقاد هذه اللوحة نموذجا ممتازا للوحة الوصفية التي يمكن للإنسان أن يستمتع بالنظر إليها والتمعّن في جمالياتها دونما حاجة إلى الكثير من الشرح أو التحليل.
وقد قيل في بعض الأوقات أن كثافة وعمق الألوان في اللوحة والتأثيرات البصرية المبهرة التي استخدمت في رسمها تجعل من عملية استنساخها أو تقليدها أمرا شبه مستحيل.
“منظر لـ ديليفت” ليست مجرّد لوحة عن الحياة في مدينة بحرية وإنما يمكن اعتبارها معلما يجسّد روح وشخصية هذه المدينة وسجّلا يؤرّخ لأسلوب وشكل الحياة الذي كان سائدا فيها قبل أربعة قرون.
ممّا يجدر ذكره أن فيرمير مات فقيرا معدما، وبعد وفاته ضاع اسمه في غياهب النسيان، وطوال مائتي عام لم يعد احد يتذكّره بشيء.
وقد اضطرّت أرملته بعد وفاته لبيع لوحاته كي تعتاش من ثمنها.
لكن مع حلول منتصف القرن التاسع عشر عاد اسمه إلى الواجهة مجدّدا. واليوم يُنظر إلى فيرمير باعتباره احد أعظم الرسّامين، ليس في بلده هولندا فحسب وإنما في العالم كله.

افتراضي اللوحة الفنية : جمال روسي للرسام الروسي الكسي هارلاموف

اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي

جمـال روســي
للفنان الروسـي ألكسـي هـارلامــوف

قد لا يكون الكسي هارلاموف اسما متداولا كثيرا في أوساط الفن التشكيلي العالمي، لكن لوحاته تدلّ على انه كان رسّاما مبدعا ومتميّزا.
وكان الفنان قد حقّق نجاحا كبيرا في بلده روسيا حيث رسم بورتريهات للعديد من أفراد الطبقة الارستقراطية فيها. وكان الاتجاه السائد الذي غلب على أعمال الفنانين الروس في تلك الفترة هو رسم المواضيع الدينية وتصوير السفن والحياة البحرية بشكل عام.
لم يمكث هارلاموف طويلا في مدينته بيترسبيرغ، إذ دائما ما كانت تحدوه الرغبة في السفر والتعرّف على تجارب فنّية جديدة. لذا هاجر إلى فرنسا، وهناك اتّسعت تجربته ونمت موهبته الفنّية أكثر وحقّق المزيد من النجاح والشهرة.
ولوحات هذا الفنان تذكّرنا إلى حدّ ما بأسلوب رينوار من حيث طريقته في استخدام الألوان والظلال، وإن كان يغلب على أسلوبه الطابع النيوكلاسيكي والواقعي.
في هذه اللوحة الجميلة استخدم هارلاموف ابنته كموديل، وهو كثيرا ما رسم ابنته في العديد من البورتريهات بأوضاع مختلفة. وهي هنا تظهر في حالة تأمّل وعزلة.
ومن الواضح أن الفنان لم يكن يرسم اللوحة اعتمادا على ضربات الفرشاة فحسب، بل كان يرسمها بقلبه ومشاعره، لذا استطاع أن ينفذ إلى روح الشخصية وان يترجم مشاعرها بأعلى درجات الصدق والعفوية.
ومما يلفت الانتباه أيضا في اللوحة تعابير الطيبة والبراءة التي تنطق بها ملامح الفتاة وعيناها، وهي سمة نجدها في أعمال الفنان الأخرى التي تستمدّ أجواءها من الحياة الريفية وبيئة الفلاحين التي تتّسم بالبساطة والتلقائية.
أيضا هناك الألوان الحيّة والمتناغمة التي تمتلئ بها اللوحة، ثم هذا التباين الرائع بين غطاء الرأس الأحمر والفستان الأبيض والخلفية التي اختار لها اللون البنّي وتدرّجاته. وطبعا لا يمكن للناظر إلا أن يجذب اهتمامه ذلك العقد الجميل من اللؤلؤ الذي يزيّن جيد الفتاة بألوانه الناعمة الشفّافة والمتناغمة مع البناء التشكيلي العام للوحة.
في بداياته كان هارلاموف يقلد أعمال كبار الرسامين وقد تأثّر على نحو خاص بأسلوب رمبراندت.
وعندما قدم إلى فرنسا عرض بعض أعماله في صالون باريس وحصل على أكثر من جائزة. كما حظي بإعجاب الروائي إميل زولا الذي أثنى عليه وامتدح أسلوبه في رسم البورتريه.
رسم هارلاموف العديد من اللوحات لسيّدات وشابّات جميلات تظهر على وجوههن تعابير الدفء والحنين والبراءة والرّقة.
ومثل رينوار، كان يستخدم الزهور بكثرة في لوحاته للتأكيد على رقّة الموضوع وليرمز بها إلى مرحلة الشباب التي لا تدوم طويلا بل تذبل سريعا مثلما تذبل الأزهار.
جامعو التحف واللوحات الفنية من أثرياء أمريكا وأوربّا كانت تروق لهم لوحات هارلاموف وكانوا يهتّمون باقتناء وشراء أعماله التي تجسّد الروح العائلية وتعطي إحساسا بالبراءة والسلام الداخلي.
ويتوزّع العديد من لوحاته اليوم على متاحف العالم الكبيرة من لوس انجيليس إلى سانت بيترسبيرغ وحتى موسكو وتايوان.
وقد استمرّ هارلاموف يرسم إلى أن توفّي عام 1922 عن عمر جاوز الثمانين.

التوقيع

اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس,ياأرحم الراحمين, أنت رب المستضعفين,وأنت ربي,إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي,ولكن عافيتك هي أوسع لي,أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات,وصلُح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو يحل علي سخطك,لك العُتبى حتى ترضى ولاحول ولا قوة إلا بك

لوحات

اللوحة الفنية الساحرة : جان دارك للرسام الفرنسي جول باستيان ليباج

اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي

جــــــان دارك
للفنّان الفرنسي جول باستيان ليباج

كانت جان دارك فتاة ريفية بسيطة وغير متعلّمة. لكن لأنها تأثّرت بوالدتها فقد نشأت كاثوليكية متديّنة، وكانت تصرف الساعات الطوال في التجوال في الغابات والحقول لوحدها مصلّية متأمّلة.
وفجأة وقع حادث غيّر مسار حياتها رأسا على عقب، وتمثل في غزو انجلترا لأراضي فرنسا خلال ما عُرف بحرب المائة عام.
في ذلك الوقت كانت هناك نبوءة راجت بين الفرنسيين مفادها أن فرنسا ستُحتلّ بسبب امرأة وستتحرّر على يد امرأة.
تقول بعض المصادر التاريخية إن جان دارك كانت مستبصرة، أي أنها كانت تتوقّع الأحداث المستقبلية قبل وقوعها بفضل الأصوات التي كانت تسمعها والرؤى التي كانت تراها.
وفي أحد الأيام أخبرت والدها أنها رأت نورا آتيا من السماء مصحوبا بأصوات تخبرها بأن تحرير البلاد سيكون على يديها.
وتكرّرت الرؤيا مرارا وصارت جان دارك تتحدّث عن قدّيسين وقدّيسات يظهرن لها في الحقول والغابات.
ولما كان الناس آنذاك ميّالين لتصديق مثل هذه القصص، فقد اعتبروا ما روته لهم جان دارك معجزة إلهية.
في هذه اللوحة نرى جان دارك تتجوّل في حديقة منزلها حيث كانت تمارس الصلاة والتأمّل مصغية إلى الأصوات العلوية، فيما تظهر وراءها بين الأشجار أطياف وظلال لقدّيسين وملائكة ينقلون إليها تعاليم السماء وندبها لها بأن تتولّى تلك المهمّة الخطيرة.
مع مرور الأيام، تعلّمت جان دارك فنون القتال وفي مرحلة لاحقة تمكّنت من الاتصال بالملك شارل، فعهد إليها بقيادة الجند الذين استطاعت كسب ثقتهم وأقنعتهم بأن النصر قادم على يديها بمؤازرة الملائكة والقوى الغيبية.
لكن الانجليز لم يطمئنوا لتصرّفات المرأة وظنّوا أنها ساحرة، ومما زاد في انزعاجهم تزايد حظوظها عند الناس وتقديسهم لها وتصديقهم لدعاواها.
وفي ابريل من عام 1429 سيّرت جان دارك جيشا باتجاه اورلينز فحرّرتها وتمكّنت من طرد الانجليز منها.
وتكرّست أكثر فأكثر صورة المرأة في أذهان العامّة الذين أصبحوا ينظرون إليها باعتبارها منقذا ومخلصا أرسله الله إليهم.
لكن في السنة التالية وقعت جان دارك في اسر الانجليز ولم يفعل الملك شيئا من اجل إنقاذ حياتها بسبب ضعفه وتخاذله.
وقدّمت للمحاكمة في نفس العام بتهمة السحر والهرطقة وأعدمت حرقا عام 1431 بعد مصادقة الكنيسة الانجليزية على الحكم.
من بين ما يجذب العين في هذه اللوحة الجميلة تفاصيلها الكثيرة وتناغم الألوان فيها. ومن الواضح أن الرسّام قام بصهر الألوان وإذابتها في مقدّمة وخلفية المشهد من خلال استخدام طبقات متعدّدة من الألوان والظلال من اجل إعطاء الناظر إحساسا حقيقيا بسحر الطبيعة ولتكثيف الجوّ الواقعي للقصّة والتأكيد على حضور العناصر الدينية والروحية والميتافيزيقية في المشهد.
ثم هناك بساطة هيئة المرأة، فملابسها عادية جدا: تنّورة بنية طويلة وقميص ازرق غامق وياقة بيضاء. وهذه التفاصيل تشي ببيئتها الزراعية وبالطبقة الفقيرة التي أتت منها.
ومما يلفت الاهتمام أيضا في هذه اللوحة عينا المرأة اللتان تشعّان بالثقة الممزوجة بالحزن على ما آل إليه مصير بلدها.
بعد مرور ربع قرن على إعدام جان دارك، طالبت عائلتها بإعادة محاكمتها وثبتت براءتها من التهم التي نُسبت لها.
وفي القرون اللاحقة تحوّلت هذه المرأة إلى أسطورة وأصبحت سيرة حياتها موضوعا خصبا للفنّانين والشعراء والروائيين والموسيقيين. كما ظهرت العديد من الأفلام السينمائية التي تتحدّث عنها وعن بطولاتها.
أما باستيان ليباج فلا يُعرف عنه الكثير، باستثناء انه توفّي وعمره لا يتعدّى السابعة والثلاثين.
وفيما عدا هذه اللوحة لا يكاد يتذكّره اليوم أحد.

رقص في كولومبيا ..لوحة فنية للرسام العالمي فرناندو بوتيرو

اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي

رقـص فـي كولـومبــيا
للفنـّان الكولـومبـي فرنانـدو بوتيـرو

لوحات بوتيرو تذكّر إلى حدّ كبير بروايات مواطنه الأشهر غابرييل غارسيا ماركيز التي يمتزج فيها الواقع بالخيال وتحتشد بقصص السحر والأساطير الشائعة بكثرة في ثقافات أمريكا اللاتينية.
ويمكن بسهولة التعرّف على لوحات ومنحوتات بوتيرو بسبب المبالغة التي يستخدمها في تمثيل أعضاء شخوصه والطابع الكاريكاتيري الذي يغلب على لوحاته حيث الأشكال الدائرية والأعضاء المنتفخة.
ولد بوتيرو في العام 1932 في مدينة ميديين التي ما يزال طابع فنّ الباروك غالبا على كنائسها. وفي مرحلة تالية سافر إلى أوربّا ليدرس أعمال كبار الرسّامين. وقد تلقى في مدريد دروسا في أكاديمية الفن وأنجز أعمالا تترسّم خطى فاليسكيز وغويا. كما ذهب إلى إيطاليا ليدرس أساليب فنّانيها العظام.
في هذه اللوحة يصوّر بوتيرو مشهدا من مقهى ليلي تحتشد أجواؤه بالموسيقى والرقص.
وهناك سبعة موسيقيين ضخام بالإضافة إلى راقصين اصغر قليلا. وعلى الأرض تناثرت حبّات من الفاكهة.
وكما في معظم لوحات بوتيرو، يبدو الأشخاص هنا كما لو أنهم يتأهّبون لالتقاط الصور..
والكثير من مواضيع لوحات بوتيرو عبارة عن ترجمة لقصص وأساطير اختزنها عقله منذ الطفولة.
إن الفنان يحتفي بالحياة على طريقته الخاصة. لكن خلف روح الهزل والسخرية التي تطبع رسوماته، ثمّة دائما فكرة سياسية أو مضمون فلسفي أو اجتماعي ما.
في العديد من لوحات بوتيرو نرى صورا لرؤساء وجنود ورجال دين. وهو كثيرا ما ينتقد العسكر والبورجوازيين ورموز السلطة.
ويلاحظ حضور العناصر الكولومبية بقوة في لوحات بوتيرو، خاصة العلم وألوانه المتعددة.
وقد حوّل بوتيرو بعض لوحاته إلى أعمال نحتية ضخمة يمكن رؤية بعضها في ميادين العديد من عواصم العالم.
في بدايات عام 2004 تبرّع بوتيرو بمجموعة من عشرين لوحة صوّر فيها جوانب مختلفة من العنف الطويل الذي شهدته بلاده، وأهدى تلك الرسومات إلى متحف كولومبيا الوطني.
ومؤخّرا رسم بوتيرو خمسين لوحة أخرى كرّسها لأحداث سجن أبو غريب وقد عبّر الفنان في تلك الرسومات عن شعوره بالصدمة والغضب جرّاء تعذيب السجناء هناك وانتهاك حقوقهم.

آكلو البطاطس لوحة فنية عالمية للفنان الهولندي العالمي فان كوخ

اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي

Vincent van Gogh, The Potato Eaters, 1885

آكـلــو البطـاطـــــس
للفنان الهولندي فنسنـت فــان غــوخ
هذه اللوحة ربّما تنتمي إلى ذلك النوع من اللوحات التي لا تنجذب لها العين بسهولة، فجوّها يبعث على الكآبة وملامح شخوصها قاسية بل ودميمة إلى حدّ ما. وبالنسبة لفان غوخ نفسه، لم تكن الحياة جميلة ولا سهلة، إذ كان يرى الكثير من العيوب ومظاهر الدّمامة من حوله، وقد أظهر بعض تلك العيوب في لوحاته.
كان فان غوخ يشعر بالتعاطف مع أصحاب المهن الدنيا والبسيطة كالصُنّاع والفلاحين. وكان هو نفسه يعيش آنذاك حياة الكفاف إذ كان يسكن بيتا قديما وينام على سرير مهلهل ويجاهد في أن يعيش حياته يوما بيوم. في هذه اللوحة رسم فان غوخ عائلة من الفلاحين يجلس أفرادها حول مائدة ويأكلون البطاطس على ضوء مصباح شاحب.
وقد حرص الفنّان على أن يرسم ملامحهم بهذا الشكل ليعكس من خلاله طبيعة حياتهم وواقعهم البائس.
وأكثر ما يجذب الانتباه في تفاصيل هذه اللوحة مصباح الزيت المعلّق في السقف والطريقة البارعة التي وزّع بها الفنان الضوء في زوايا وأرجاء الغرفة.
ثم هناك المرأة التي تصبّ القهوة ومنظر الطاولة بأطرافها المهترئة والمتآكلة.
وهناك أيضا صحن البطاطس الكبير والأصابع الممتدّة نحوه والتي تبدو كالعظام لفرط هزالها وضعفها. إنها – من وجهة نظر فان غوخ – نفس الأصابع العارية التي يحفر بها هؤلاء الفلاحون البسطاء أرضهم ليكسبوا لقمة عيشهم بجدّ وتعب وأمانة.
في بدايات حياته، كان فان غوخ يتطلّع لان يرسم لوحة متفرّدة تدفع به إلى الواجهة وتكون شاهدا على موهبته في أعين النقّاد وعند عامّة الناس.
ولم يمضِ وقت طويل حتى ظهرت هذه اللوحة التي يعتبرها النقّاد اليوم واحدةً من أعظم لوحات فان غوخ، رغم أن اللوحة لم تحقّق ذلك النجاح الكبير خلال حياته.
اللوحة الفنية العالمية : إمرأة تقرأ كتاباً للرسام الفرنسي فراغونار

اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي

إمــرأة تقــرأ كتــابا
للفنان الفرنسي جان اونوريه فراغونار

يحدث أحيانا أن ينجذب أحدنا إلى لوحة ما ويشعر بمتعة النظر إليها والتمعّن في تفاصيلها مرّة بعد أخرى، دون أن يعرف على وجه التحديد ما الذي يشدّه إليها أو يعجبه فيها.
هذا الكلام ينطبق إلى حدّ كبير على هذه اللوحة الرائعة التي تنطق جميع تفاصيلها بالإبداع المبذول في إنجازها والرّقة التي تعامل بها الفنان وهو يرسم خيوطها الدقيقة وألوانها الناعمة والبديعة.
يصنّف جان اونوريه فراغونار باعتباره أشهر رسّام شاعري فرنسي خلال القرن الثامن عشر.
كان غزير الإنتاج إذ رسم أكثر من خمسمائة لوحة تناولت مواضيع عديدة ومتنوّعة.
وفي بدايات احترافه للرسم تتلمذ فراغونار على يد فرانسوا بوشير ثم سافر إلى ايطاليا ومكث فيها أربع سنوات قلّد أثناءها لوحات كبار فنّاني الباروك ورسم مناظر للطبيعة والريف الايطالي.
قضى الفنان الجزء الأكبر من حياته خلال ما عرف بالفترة النيو كلاسيكية، لكنه مع ذلك ظلّ يرسم بأسلوب الروكوكو إلى ما قبيل اندلاع الثورة الفرنسية.
وما لبث أن أبدى اهتماما خاصّا برسم المناظر المنزلية المستوحاة من فلسفة جان جاك روسو الأخلاقية ومن بعض الروايات العاطفية.
وقد كان فراغونار بارعا مثل أستاذه بوشيه في رسم وجوه وأجساد لنساء شابّات رغم انه كان يهتم أكثر بإظهار انفعالاتهن ومشاعرهن.
هذه اللوحة تعتبر واحدة من أشهر اعمال فراغونار، وبعض نقاد الفن يعتبرونها أفضل عمل تشكيلي يصوّر فكرة المرأة القارئة. وفيها نرى امرأة شابة وهي منهمكة بوقار في قراءة كتاب.
وأوّل ما يمكن ملاحظته في هذه اللوحة هو التوازن الجميل بين عناصرها الرئيسية: الكتاب ويد المرأة ووضعية رأسها وانبساط جسدها المستند إلى الأريكة.
وبالإمكان أيضا أن نلمح هنا شيئا من سحر رينـوار وأسلوبه المتفرّد، خاصة في توزيع الإضاءة واستخدام ضربات فرشاة سريعة وعريضة مع ألوان مذابة قوامها الليلكي والزعفراني والأبيض والزهري وتدرّجاتها المختلفة.
مما يلفت الانتباه أيضا في اللوحة الأسلوب البارع الذي اتبعه الفنان في رسم أصابع يد المرأة الممسكة بالكتاب وفي تمثيل الياقة العريضة والانثناءات والالتواءات التي تتخلل ثوب المرأة نزولا إلى الرداء الذي تجلس عليه.
كان فراغونار نفسه رجلا مثقفا ومحبّا للقراءة، وله العديد من اللوحات التي صوّر فيها قتيات ونساءا في لحظات عزلة وتأمّل صامت.
كما رسم سلسلة لوحات أخرى أطلق عليها اسم اللوحات الفانتازية ضمّنها رؤيته عن الموسيقى والفنون والشعر.
قضى فراغونار السنوات الأخيرة من حياته في حال من النسيان والفقر والعزلة ومات وحيدا عام 1806 دون أن تثير وفاته انتباه احد من زملائه أو مريديه. ويضمّ متحف اللوفر اليوم خمسا من أهم لوحاته فيما تستقرّ لوحته الشهيرة الأخرى الأرجوحة في متحف المتروبوليتان بنيويورك.

الأمــــل
للفنان البريطاني جـورج فريدريـك واتـس

اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي

قد لا تصنّف هذه اللوحة ضمن الأعمال الفنّية التي تثير الفرح أو تبعث على البهجة والارتياح، لكنها مع ذلك تحمل فكرة إنسانية عظيمة وتثير أجمل وأنبل ما في النفس الإنسانية من مشاعر وأحاسيس.
عندما أتمّ جورج واتس رسم اللوحة منذ أكثر من مائة عام، سرعان ما وجدت طريقها إلى كلّ بيت وأصبحت حديث الناس والنقاد، على السواء، في بريطانيا.
وبالنظر إلى مضمونها العاطفي والإنساني العميق، فقد انتشرت اللوحة حول العالم واستنسخت مرارا وتكرارا وظهرت العديد من قصائد الشعر التي تستمدّ من مضمون اللوحة موضوعا لها.
العنوان قد لا يدلّ على جوّ اللوحة، إذ نرى امرأة معصوبة العينين وحافية القدمين وهي تجلس في وضع انحناء فوق ما يبدو وكأنه مجسّم للأرض بينما راحت تعزف على آخر وتر تبقّى في قيثار مكسور.
تعابير وجه المرأة غامضة إلى حدّ ما، بينما يغرق المشهد كله في موجات مهتزّة من اللازوردي والأصفر بتدرّجاتهما المشعّة.
بعض النقاد يرون أن اللوحة تعبّر في الواقع عن اليأس وتثير إحساسا بالحزن، بينما يرى آخرون أنها تعبّر عن تمسّك الإنسان بالأمل ورفضه الاستسلام لليأس. فالمرأة مستمرّة في العزف حتى بعد أن لم يتبقّ في قيثارتها سوى وتر وحيد.
واتس كان احد أعظم الفنانين الذين ظهروا خلال العصر الفيكتوري، وكان للوحاته مضامين رمزية؛ أخلاقية وفلسفية وروحية.
في ذلك العصر كان الفنانون والأدباء والشعراء مفتونين بالموسيقى وعناصر الجمال المختلفة. ومثل معظم معاصريه، كان واتس منشدّا إلى فكرة الموت، إذ كان يرى فيه مفسّرا للحياة وامتدادا لها.
وربّما لهذا السبب، تروق لوحاته كثيرا للمتديّنين وللفئات الاجتماعية المحرومة، بالنظر إلى طبيعتها الروحية التي تضفي على مشاعر الحزن والألم واليأس طابعا من الجمال والنبل والقداسة.
كان واتس يرسم الأفكار لا الأشياء، وكثيرا ما كان يحيط شخوص لوحاته بأجواء ضبابية أو غائمة للإيحاء بأنها انعكاس لأفكار ورؤى معيّنة.
وكان يعتقد دائما أن باستطاعة الفن أن يعبّر عن قوّة الحياة وإرادة الإنسان.
وفي الوقت الذي كان معاصروه يميلون إلى تصوير الأمل والمعاناة والحزن والحياة والموت على هيئة نساء إغريقيات يرتدين ملابس طويلة وشفّافة، كان واتس يجد كل هذه المعاني والظواهر داخل نفسه ويعبّر عنها بمناظره التي يرسمها اعتمادا على معرفته وخبراته الذاتية وميله للتأمّل والنزوع الفلسفي.
والذي يتملّى البناء الفنّي لهذا اللوحة المتميّزة لا بدّ وأن ينصرف تفكيره إلى لوحة بيكاسو الشهيرة عازف الغيتار العجوز، التي تصوّر عجوزا أعمى يعزف على غيتاره بلا اهتمام.
وهناك من المؤرّخين والنقاد من ذهبوا إلى أن لوحة واتس، الموجودة اليوم في متحف تيت البريطاني، تتضمّن صورة سياسية مجازية، وأن المرأة ليست في الحقيقة سوى رمز لبريطانيا التي فتحت العالم وبلغت أوج مجدها وانتصاراتها خلال حكم الملكة فيكتوريا.
لكن ذلك كله لم يجلب السلام ولم يحقّق للناس السعادة وراحة البال التي كانوا يتطلعون إليها في ذلك الوقت.

إمرأة تقرأ كتاباً قرب النافذة : لوحة فنية للفنان التشكيلي الفرنسي ديلفن انجوراس

اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي

امـرأة تقـرأ كتاباً قـرب نافـذة
للفنان الفرنسي ديلفـن انجـوراس

كان ديلفن انجوراس رسّاما أكاديمياً وتلميذاً لـ جان ليون جيروم. ومع ذلك لا يكاد يتذكّره اليوم أحد. بل ربّما لم يسمع باسمه الكثيرون. غير أنه ما أن يُذكر اسمه حتى تتبادر إلى الذهن هذه اللوحة التي تعتبر، ليس فقط من أجمل لوحات انجوراس؛ وإنما أيضاً من أفضل الأعمال التشكيلية التي أنتجها الرسم الغربي عن فكرة “المرأة القارئة”.
في اللوحة نرى امرأة شابّة تجلس على كرسي وتقرأ كتاباً أمام نافذة مفتوحة بينما ارتدت فستاناً زهرياً بأكمام قصيرة يتخلله وشاح طويل منسدل على الأرض. وإلى جوار النافذة هناك مزهرية ضخمة وُضعت فوق طاولة.
المرأة تبدو في حالة استغراق داخلي وعزلة عن العالم الخارجي، وتركيزها منصبّ كليّة على قراءة الكتاب وتعابيرها الهادئة والمسترخية ربّما تشي بأنها تقرأ كتاباً خفيفاً.
هذا المشهد لا يخلو من نعومة ورقّة وهو يذكّرنا إلى حدّ كبير بمناظر رينوار المليئة بالألوان الزاهية والتفاصيل المبهجة والأضواء المتوهّجة.
انجوراس كانت له رؤيته الخاصّة عن الحياة وعن الأنوثة بشكل خاص. ولوحاته في معظمها تصوّر عالما من الجمال والسحر والجاذبية لكنها تخلو من الأفكار والانفعالات العميقة والمركّبة. وقد كان مهتمّاً في الأساس بتصوير أوضاع ومزاج الطبقة البورجوازية في زمانه. وكان يميل إلى رسم نساء أنيقات وهنّ منهمكات في القيام بأنشطة منزلية مختلفة مثل القراءة والخياطة وتنسيق الزهور. وغالباً ما تظهر نساؤه بالقرب من مصباح أو نافذة.
أكثر ما يلفت الانتباه في هذه اللوحة براعة انجوراس في استخدام لمسات الفرشاة الناعمة واختيار ألوان دافئة ومتناسقة لدرجة انه يُخيّل للناظر أن الشخصية تكاد تذوب في الألوان المشبعة وفي تفاصيل الديكور من سجاد وستائر وخلافه.
وبعض لوحات الفنان الأخرى تصوّر نساءً عاريات ضمن توليفات ديكورية تتسم بحيويتها وشاعريتها وبألوانها الباذخة والأنيقة.
“المرأة القارئة” ثيمة تتكرّر كثيراً في الرسم الأوربّي والغربي عامّة كرمز لقدرة المرأة على التفكير وتثقيف الذات والمشاركة في إعادة تشكيل الحياة والتأثير الفاعل في المجتمع. ومع ذلك، كثيرا ما قدّمت الفكرة في إطار رومانسي وأحيانا حسّي.
وبالإضافة إلى أن الفكرة توضّح أهميّة الكتاب ومكانته في التاريخ البصري إجمالاً، فإنه يمكن اعتبارها سجلاً أو تأريخاً يوثق جانباً من مسيرة المرأة ونضالها في كسر القيود الضيّقة للحياة المنزلية ومحاولة الخروج إلى العالم الأوسع من اجل اكتساب المعرفة وتحقيق الذات في مجتمع يخضع تقليديا لسيطرة الرجل.
وبما أن الحديث عن فكرة المرأة والقراءة، تحسن الإشارة في الختام إلى لوحتين أخريين عن نفس الموضوع لا تقلان أهمّيةً في جمالهما وقوّتهما التعبيرية؛ الأولى: في بستان البرتقال لـ تشارلز بيروجيني Charles Perugini’s In the Orangery، والثانية: امرأة تقرأ رسالة عند نافذة مفتوحة لـ يان فيرمير Jan Vermeer’s Girl Reading a Letter at an Open Window.
كما استهوت الفكرة رسّامين آخرين مثل فراغونار وبيكاسو ومانيه وميري كاسات وغيرهم.

عــربـة القــشّ The Haywain

اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي

للفنان البريطاني جـون كونستـابـل

رسم جون كونستابل “عربة القشّ” في العام 1821، وفيها يصوّر منظرا طبيعيا في مقاطعة

سافولك حيث ُولد ونشأ.
عند عرض اللوحة لاول مرة لم تلاق ِ كبير استحسان في بريطانيا. لكن بناءً على إلحاح صديقه
الفرنسي متعهّد الفنون، قام جون كونستابل بنقل اللوحة إلى فرنسا. وفي صالون باريس حظيت
بإعجاب ملك فرنسا الذي منح الفنان ميدالية ذهبية تقديرا لموهبته. أثناء حياته لم يحقق
جون كونستابل سوى القليل من الشهرة في بلده. ولم يلفت أسلوبه الكلاسيكي في رسم
مناظر الطبيعة انتباه الكثيرين. لكنه اليوم يعتبر أحد اكثر الفنانين البريطانيين تميّزا .

إعدام الليدي جين غراي , لوحة فنية عالمية للرسام بول دولاروش

اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي

إعـدام الليـدي جيـن غـراي
للفنان الفرنسـي بـول دولاروش

يحفل تاريخ انجلترا السياسي بالكثير من قصص العنف وسفك الدماء التي تقشعر لها الأبدان.
وقد شهدت القرون الوسطى، على وجه الخصوص، سلسلة من الأحداث العنيفة والدامية على خلفية ما كان يجري آنذاك من مؤامرات سياسية وصراعات مذهبية وتنافس محموم على السلطة. وكانت ظاهرة العنف التي اتّسم بها تاريخ انجلترا في تلك الفترة موضوعا للكثير من الكتب والدراسات.
هذه اللوحة تصوّر واحدة من أشهر عمليات الإعدام التي شهدتها انجلترا في العام 1554م. والمرأة التي تظهر في اللوحة هي الليدي جين غراي التي تولّت عرش بريطانيا لبضعة أيّام فقط قبل أن ُيزجّ بها في السجن وُيحكم عليها بالإعدام في ما بعد.
كانت الليدي غراي قد ترشّحت لمنصب الملكة بناءً على وصيّة ابن عمّها الملك ادوارد السادس، لتصبح الملكة البروتستانتية التالية لانجلترا.
وبعد موت ادوارد تمّ تنصيب الليدي غراي ملكة إنفاذا للوصيّة. لكنّ أخت ادوارد الكاثوليكية، ميري الأولى، لم تكن راضية عن قرار شقيقها، فأضمرت في نفسها خطة لإزاحة جين والجلوس مكانها.
ولم تلبث أن أعلنت مطالبتها بالعرش على اعتبار أنها الأحقّ بذلك، بحكم أنها تتمتّع بدعم الشعب والكنيسة.
وقد تنازلت جين غراي عن العرش فعلا بعد أن حكمت انجلترا لمدة تسعة أيّام فقط.
غير أن ميري بادرت بعد ذلك إلى سجن والد جين وزوجها في برج لندن بعد اتهامهما بالخيانة العظمى. ثم سارعت بإصدار أمرها بإعدام الليدي غراي التي كان عمرها في ذلك الوقت سبعة عشر عاما، بالإضافة إلى إعدام زوجها وذلك بقطع رأسيهما.
ثم أعدم والدها بعد ذلك بيومين وبنفس الطريقة.
الفنان بول دولاروش اشتهر برسوماته التي صوّر فيها أحداثا تاريخية مهمّة. وقد رسم حادثة إعدام الليدي غراي بعد مرور ثلاثمائة عام على وقوعها. واعتمد في رسم اللوحة على بعض المصادر التاريخية التي تحدّثت عن الحادثة.
واللوحة تصوّر اللحظات الأخيرة في حياة المرأة، أي وهي تساق إلى مكان الإعدام في إحدى غرف برج لندن. وهو نفس المكان الذي سبق وأن أعدمت فيه كل من آن بولين وكاثرين هاوارد زوجتي الملك هنري الثامن.
وتظهر الليدي في اللوحة وهي ترتدي فستانا من الساتان الأبيض بينما ُعصبت عيناها. وقد جرت العادة في ذلك الزمان أن تجري عمليات الإعدام بعيدا عن أعين العامّة وألا يشهدها سوى عدد قليل من الأشخاص.
في هذا المشهد لا نرى أكثر من أربعة أشخاص يراقبون ما يجري. الأوّل هو الجلاد الذي يقف إلى يمين اللوحة وقد أمسك بيده أداة الإعدام أي الفأس الضخم.
وهناك الرجل في الوسط، أي الذي يهمّ بمساعدة السيّدة على الجلوس، وهو المسئول عن البرج وقت الحادثة.
وإلى يسار اللوحة تظهر امرأتان: الأولى تعطي ظهرها للناظر بينما تسند رأسها ويديها إلى الجدار علامة اليأس والحزن الشديد. والثانية مرضعة الليدي غراي في طفولتها، وتبدو جالسة على الأرض وقد أمسكت بيدها مسبحة وبدا على وجهها الإعياء والكرب الشديد.
يقال إن الليدي غراي عندما أخبرت بأنها ستصبح ملكة سقطت مغشيا عليها من اثر المفاجأة وتردّدت كثيرا في قبول المنصب.
وأثناء فترة سجنها بعثت برسالة إلى ميري تطلب منها الصفح والغفران وتخبرها بأن رجال القصر خدعوها وغرّروا بها. وفعلا أمرت ميري بتجميد الحكم لبعض الوقت. غير أن والد زوج الليدي أفسد كلّ شيء عندما قاد تمرّدا ضد الملكة تحت تأثير تعطشّه للسلطة وطمعه في أن يكون لعائلته دور في حكم البلاد.
وما عقّد الأمور أكثر تدخّل ملك اسبانيا الكاثوليكي فيليب الثاني في القضيّة. إذ اشترط لإتمام زواجه من ميري أن تسارع إلى تصفية جميع البروتستانت الذين يثيرون المشاكل ويتحيّنون الفرص للانقضاض على حكمها.
إلى أسفل اللوحة، أي أمام الليدي، تظهر الخشبة التي يفترض أن يضع المحكوم رأسه عليها قبل التنفيذ، وحولها تناثرت قطع من القشّ الذي وضع هناك ليقوم بوظيفة امتصاص دم الضحيّة وتجفيف الأرضية.
وفي اللوحة بعض التفاصيل الفنية التي لا تخلو من دلالات إنسانية ودرامية: ملابس الليدي البيضاء التي يشعّ منها النور الساطع، ربّما للدلالة على طهرها وبراءتها. وغلبة اللون الأحمر على ملابس الجلاد الذي ينتظر بصبر إتمام المهمّة الدموية التي تنتظره. والمناطق المظلمة التي تتوزّع على مساحات اللوحة خاصة الأجزاء العلوية منها. والمرأتان اللتان لا تستطيعان النظر إلى ما يجري لكنهما غير قادرتين على مغادرة المكان. ثم هناك اليد العطوفة لممثّل السلطة، أي رئيس البرج، الذي يواسي الليدي بحنان أبوي ويطلب منها أن تغفر لهم قبل أن تأخذ الوضع المناسب للذبح.
في العصر الفيكتوري ُبعثت شخصية الليدي جين غراي باعتبارها شهيدة بروتستانتية. وكانت تصوّر دائما على أنها الفتاة الصغيرة البريئة التي قتلتها ملكة كاثوليكية متعصّبة.
وبعد مرور أكثر من 400 عام على إعدامها، ما تزال شخصية الليدي غراي حيّة في الضمير الانجليزي بما آلت إليه من نهاية مفجعة ومصير بائس. حيث يرى الكثيرون أنها قتلت غيلة وظلما بعد أن تنازلت عن السلطة عن طيب خاطر وبمحض إرادتها.
لقد كانت الليدي جين غراي – بحسب بعض المؤرّخين – شابّة ذكيّة وواعدة لكنها لم تكن تملك أمرها ومصيرها بيدها. ومن سوء حظها أنها كانت مجرّد حجر صغير في شطرنج السياسة ولعبة الصراعات والولاءات المتغيّرة في تلك الفترة المظلمة من تاريخ انجلترا.

اللوحة العالمية غشاشو الورق للفنان الإيطالي كارافاجيو

اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي

غــشّــاشــو الورق
للفنان الايطـالـي كـارافــاجـيــو

تعود هذه اللوحة إلى عصر النهضة الايطالي وتعتبر من بين أكثر الأعمال التشكيلية إتقانا وتميّزا.
وقد رسمها كارافاجيو في بدايات اشتغاله بالرسم، وحاول من خلالها ابتكار شكل جديد من الصور التي تتضمّن عناصر الغش والإخفاء والخداع.
ويقال انه يستحيل تقليد اللوحة أو استنساخها. ومع ذلك، فقد قلدها رسّامون كثر، لكنْ لا أحد تمكّن من مضاهاة الأصل.
في اللوحة نرى شابّين يلعبان الورق بحضور شخص ثالث يقوم بدور الضالع أو الشريك.
وفي الزاوية اليسرى من الطاولة تستقرّ كومة من العملات الذهبية التي يفترض أنها ستذهب إلى من سيفوز في النهاية.
الشابّ إلى اليسار يبدو ذا طبيعة رصينة وسمت وسيم. كما أن ملابسه الباذخة وهيئته الأنيقة تدلّ على خلفيته الاجتماعية الرفيعة.
والذي يتمعّن في ملامحه ونظراته سرعان ما يدرك أنه يلعب دور البريء أو الضحية في اللوحة.
أما الشابّ إلى اليمين فيجسّد دور الغشّاش، وهو يبدو على شيء من التوتّر واللهفة، فيما يخبئ بعض الورق وراء ظهره. وما يثير الانتباه في مظهره، بشكل خاص، هو أنه يرتدي خنجرا حول خصره.
غير أن الشخصية الأكثر درامية في اللوحة هي شخصية الرجل الجالس بين الشابين. فملامحه ونظراته وحركاته تختصر التأثير السيكولوجي والدراماتيكي للمشهد. إذ يبدو الرجل منهمكا في استراق النظر إلى أوراق الشاب الجالس إلى جواره، بينما يتابع شريكه إشاراته وإيماءاته بتلهّف وحرص.
نظرات الرجل متربّصة، مختلسة ومخاتلة. ومن الملاحظ أن كارافاجيو حرص على تغطية عينه اليمنى بطرف عمامة الشاب الجالس إلى جانبه لكي يكثف الإحساس بطبيعته المراوغة وليضفي على نظراته بعدا دراميا أعمق.
ومع ذلك تبدو عينه الوحيدة، الظاهرة في الصورة، مفتوحة على اتساعها، تراقب وتتابع وترسل الإشارات والتلميحات إلى الجانب الآخر من الطاولة.
وممّا يلفت الانتباه أيضا منظر يده التي خبّأها داخل قفاز بينما راح يؤشّر بإصبعيه لشريكه.
من الواضح أن كلّ شيء يتمّ على هذا المسرح المصغّر خلسة وعن طريق الإيهام ومحاولة صرف الأنظار.
والإخفاء هو سيّد الموقف هنا. فالشاب البريء واثق من أن أحدا لا يرى ما في يده من أوراق. والغشّاشان متأكّدان من أن الشاب غير واع بما يخطّطان له. وكلّ واحد من الثلاثة يلعب بطريقته الخاصّة ضمن لعبة اكبر يتنافس فيها الجميع للفوز بالجائزة.
والذي يمرّ على تفاصيل اللوحة بطريقة عابرة سوف لن يلمح فيها سوى خمس أيادٍ. لكن بشيء من التركيز سيكتشف مكان وجود اليد السادسة.
ويظهر أن كارافاجيو اختار أن يرسم اليد الثانية للرجل في ذلك المكان الذي لا يتوقّعه أحد، أي تحت ذراع شريكه وبالقرب من الخنجر، لكي يؤكّد مرّة أخرى على عنصر الإخفاء والتعمية، وربّما للإيحاء بأن اللعبة قد تنتهي بمشهد عنيف وغادر.
من المعروف أن لعبة الورق من الرياضات الذهنية القديمة جدّا، لكنْ لا يُعرف أين ولا متى نشأت. وقد جرت العادة أن يتنافس المتبارون فيها على مبلغ من المال، أي أنها في النهاية ضرب من القمار. وكثيرا ما يلجأ اللاعبون إلى الحيل والأحاجي السحرية للسيطرة على النظام الذي يجري من خلاله توزيع وتبادل الأوراق. ومن أهم المواصفات المطلوبة في اللاعب سرعة البديهة وخفّة اليد والقدرة على مراقبة الخصم وكشف إستراتيجيته في اللعب.
في هذه اللوحة، ثمّة ما يوحي بأن الخداع هو الذي سينتصر في النهاية على البراءة. لكن هناك من يرى بأن كارافاجيو إنما أراد أن يسرد قصّة أو حكاية، وهو لم يكن معنيا كثيرا بتضمين لوحاته دروسا أو مواعظ أخلاقية.
ومن الأمور الأخرى التي تشدّ الناظر إلى اللوحة واقعيّتها الشديدة وألوانها اللامعة بالإضافة إلى تأثيرات الضوء فيها. هناك أيضا أناقة الملابس: اللباس المخملي الذي يرتديه الشابّ إلى اليسار بطيّاته وحواشيه الموشّاة بأناقة، وأيضا النقوش الزهرية والأنماط البديعة التي تزيّن ملابس الشخصين الآخرين.
في ما بعد ظهرت لوحات كثيرة تتخذ من فكرة الغشّ أو الخداع موضوعا لها. ومن أشهرها لوحة بنفس الاسم للرسّام الفرنسي فالانتين دي بولون Valentin de Boulogne ولوحتان أخريان لـ جورج دي لا تور Georges de la Tour؛ الأولى بعنوان قارئة الحظ The Fortune Teller، والثانية The Cheater أو الغشّاش.
في القرون الوسطى، كان كلّ من تثبت عليه تهمة ممارسة لعب الورق يعاقب بالطرد من الكنيسة. في حين كان بعض الملوك والحكّام يحظرونها باعتبارها شكلا من أشكال القمار الذي يهدّد النظام الاجتماعي لأنه يتيح لبعض الفئات فرصة الإثراء بطريقة غير مشروعة تتنافى مع مبدأ أن يعيش الإنسان من عرق جبينه وأن يكسب رزقه بوسائل شريفة ونزيهة.
أما بالنسبة لـ كارافاجيو، فرغم أنه لم يعش أكثر من 39 عاما، فإن تأثيره وشهرته في زمانه وبعد وفاته كانا كبيرين وواسعين.
وقد عُرف عنه قربه من أكثر الشخصيات نفوذا في مجتمع روما آنذاك. كما كان مقرّبا من رجالات الكنيسة والكرادلة الذين كلفوه برسم مواضيع دينية.
لكنه أثار حنق هؤلاء بلوحته “موت العذراء” التي رسم فيها السيّدة بملامح وجسد امرأة مومس انطبعت صورتها في ذهنه بعد أن شاهد جثتها وهي تنتشل من مياه النهر بعد موتها غرقا.
ومن أغرب الحوادث التي تروى عن هذا الفنان واقعة قتله لأحد الأشخاص في روما بغير قصد إثر شجار نشب بينهما.
وقد تمكّن كارافاجيو بعد ذلك من الفرار بمساعدة احد أصدقائه القدامى من القساوسة. وبعد سنوات من هروبه، أصدر البابا حكما بالعفو عنه. وعندما عاد إلى روما، اعتقل عن طريق الخطأ لجريمة لم يرتكبها. لكنه توفي في السجن بعد ذلك بأيام بعد إصابته بمرض غامض لم يمهله طويلا.

اللوحة التشكيلية رجلان يتأملان القمر للفنان الألماني كاسبار فريدريش

اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي

رجـلان يتـأمّـلان القمــر
للفنان الألماني كاسبـار ديفيـد فريـدريش

يمكن اعتباره هذه اللوحة نموذجاً لعالم فريدريش المسكون بحبّ الطبيعة لدرجة التقديس وبالميل للروحانية والتأمّل. وفيها نرى رجلين يرتديان ملابس سكّان المدن ويقفان بمحاذاة الطريق ويحدّقان في ضوء القمر الذي يلقي بوهجه الأرجواني على المكان. بينما بدت إلى اليمين شجرة سنديان ضخمة بأفرع أشبه ما تكون بمخالب كائن خرافي متحفّز للانقضاض والإطباق على فريسة.
المشهد يصوّر رفقة غامضة بين شخصين “أحدهما هو الرسّام نفسه والآخر أحد تلاميذه” من جهة، وبين الطبيعة من جهة أخرى. لكنه أيضا ينطوي على دعوة ضمنية للناظر لكي يدخل في الحالة المزاجية والشعورية ويتأمّل الأفق اللامتناهي ويستمتع بمشاهدة الحضور المسيطر والطاغي للقمر. ويقال إن سامويل بيكيت، الروائي والمسرحي الايرلندي، وقف مبهوراً أمام هذه اللوحة وهو يشاهدها للمرّة الأولى وأنه استوحى من أجوائها فكرة مسرحيّته المشهورة “بانتظار غودو”.
فرديدريش، الذي يمثل مع غوته وبيتهوفن أضلاع مثلّث الرومانسية الألمانية، معروف بمناظره ذات القوّة الانفعالية الكبيرة والمضامين الصوفية والشاعرية التي تصوّر علاقة الإنسان بالطبيعة وقواها الروحية الغامضة.
وقد كان الفنان مفتوناً كثيراً بالقمر الذي ارتبط في عصر الرومانسية الأوربّي بالقصص الفولكلورية والأساطير وبالسحر والتوق والتأمّل الحزين وبحالات ما دون الوعي وبالخصوبة والأشباح، إلى غير ذلك من التصوّرات والانفعالات المختلفة والمتباينة.
وعندما حلّ عصر التنوير اكتسب القمر دلالات مغايرة فنُزع عنه الغموض نهائيا وفقدت صورته الرومانسية الكثير من سحرها وجاذبيتها مع ظهور الأفكار العقلانية والعلمية.
في ذلك العصر كان الرسّامون، ومنهم فريدريش، يركّزون على رسم الطبيعة باعتبارها عنصرا غامضاً ولا مبالياً ويتعذّر التنبؤ بما تفعل ناهيك عن استحالة السيطرة عليها أو ترويضها.
وسادت وقتها أفكار التصوّف وخواء الإنسان وعبثية الوجود وغير ذلك من التصوّرات النفسية المتشائمة والمظلمة. وكان الأدباء والرسّامون والشعراء يكثرون من الحديث عن القمر والليل والأحلام والعزلة والأرواح باعتبارها أكثر أهميّة من الشمس والنهار والنور وغيرها من الرموز التي تشير إلى الإدراك والتفكير الواعي والعقلاني.
ووجد الكثير من هؤلاء طريقهم إلى الغابات الواسعة وأحضان الجبال ومساقط الأنهار والشلالات يمارسون في رحابها التأمّل والعزلة والصلاة قرب أضرحة الرهبان والنسّاك والقدّيسين. وكانوا يرون أن ذلك يقرّبهم من الله أكثر من تعبّدهم في الكنائس والكاثدرائيات “التي لوّثها سخام المدن ونفاق رجال الدين”، على حدّ تعبير الفنان والفيلسوف وليام بليك الذي تجمعه بـ فريدريش نقاط شبه كثيرة.
لكن مع مجيء عصر التنوير تغيّرت الصورة وراجت الأفكار التي تتحدّث عن سيطرة الإنسان على الطبيعة وحتمية انتصار العقل على العاطفة والخرافة في النهاية.
ولـ فريدريش أكثر من لوحة يمكن اعتبارها تنويعاً على نفس فكرة هذه اللوحة. فالشخوص فيها لا يزيدون على اثنين في الغالب. وهما دائماً يعطيان ظهريهما للناظر ويبدوان كما لو أنهما يخطوان خارج الحيّز المكاني الذي يقفان فيه، أو كأنهما يبحثان عن شيء ناء لا يمكن بلوغه ويتبادلان حديثاً أشبه ما يكون بحديث الأرواح. هذا بالإضافة طبعاً إلى الحضور الدائم للقمر وأشجار السنديان وكذلك الأفق الذي يتعمّد الفنان جعله منخفضاً بشكل غير مألوف لإبراز قرب السماء وسيطرتها.
توفي فريدريش بعد عشر سنوات من رسمه هذه اللوحة، وقد مات فقيراً، وحيداً ومريضاً.
ولأنه لم يكن يملك مالا يسدّد به نفقات علاجه، فقد وهب هذه اللوحة لطبيبه الذي عالجه وقام على رعايته في الأيّام الأخيرة من حياته. وقد انتقلت اللوحة من مالك لآخر إلى أن استقرّت أخيرا في متحف المتروبوليتان بنيويورك.

اللوحة التشكيلية الطفل الباكي للفنان الإيطالي جيوفاني براغولين

اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي

الطـفــل البـاكــي
للفنان الإيطالي جيوفـاني براغوليـن

ربما تكون هذه اللوحة مألوفة للكثيرين..
وهي للفنان الإيطالي جيوفاني براغولين “واسمه الحقيقي برونو اماديو” الذي لا ُيعرف عنه سوى انه عاش في فلورنسا ورسم سلسلة من اللوحات الفنية الجميلة لأطفال دامعي العيون تتراوح أعمارهم ما بين سن الثانية والثامنة .. تحت عنوان “الطفل الباكي”.
هذه اللوحة بالذات هي اشهر لوحات المجموعة وتصوّر طفلا ذا عينين واسعتين والدموع تنساب من على وجنتيه.
من الواضح أن هيئة الطفل تشعر الناظر بالحزن والشفقة وتلعب على وتر المشاعر الإنسانية بعمق.
لكن لهذه اللوحة قصة أخرى غريبة بعض الشيء.
ففي العام 1985 نشرت جريدة الصن البريطانية سلسلة من التحقيقات عن حوادث اندلاع نار غامضة كان البطل فيها هذه اللوحة بالذات.
كانت اللوحة ذات شعبية كبيرة في بريطانيا حيث كانت ُتعلق في البيوت والمكاتب باعتبار مضمونها الإنساني العميق.
لكن الصحف ربطت بين اللوحة وبين بعض حوادث الحريق التي شهدتها بعض المنازل والتهمت فيها النيران كل شئ عدا تلك اللوحة.
وتواترت العديد من القصص التي تتحدث عن القوى الخارقة التي تتمتع بها اللوحة وعن الشؤم الذي تمثله، وكلما وقع حريق في مكان تشكل تلك اللوحة عنصرا فيه .. كلما أتت النيران على كل شئ واحالت المكان إلى رماد.
وحده الطفل الباكي كان ينجو من الحريق في كل مرة ودون أن يمسّه أذى!
ولم تلبث الجريدة أن نظمت حملة عامة أحرقت فيها آلاف النسخ من هذه اللوحة، واستغل الناس الفرصة ليخلصوا بيوتهم من ذلك الضيف الصغير والخطير!
لكن القصة لم تنته عند هذا الحد، فقد أصابت لعنة الطفل الباكي جريدة الصن نفسها، ليس بسبب حريق وانما بفعل الإضراب واسع النطاق الذي قام به عمالها ومحرروها وانتهى بطريقة عنيفة، مما دفع أصحاب الجريدة إلى التفكير جديا في إغلاقها في نهاية الثمانينات.
ومن يومها اصبح كل من يعتبر الطفل الباكي نذير شؤم وعلامة نحس .. عازفا عن شراء أي منظر لطفل حزين ذي عينين واسعتين!
لكن ذلك كله لم يؤثر في الكثيرين ممن اعتادوا على رؤية اللوحة والإعجاب بفكرتها ومحتواها الإنساني، وافضل دليل على ذلك أن اسم اللوحة تحول إلى عنوان لـ موقع اليكتروني جميل يضم نسخا مكبرة من كافة أعمال براغولين التي رسمها تحت نفس العنوان.

اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي

Jean-Honoré Fragonard, The swing, 1765

الأرجــوحـــة
للفنان الفرنسي جان اونوريه فراغونار

تعتبر مشاهد المجون والتخّلع والولع بالنساء تجسيدا لروح مدرسة الروكوكو في الفن الأوربي.
كان جان اونوريه فراغونار تلميذا لشاردان ومن ثم لبوشير، قبل أن يرحل إلى إيطاليا حيث تعلق هناك بفن الباروك .
وفي هذا الوقت تخصّص في رسم عدد كبير من اللوحات التي تعالج مواضيع وشخصيات تاريخية.
وعند عودته إلى باريس، سرعان ما غيّر فراغونار أسلوبه الفني واتجه إلى رسم مواضيع ايروتيكية ، والى هذه المواضيع بالتحديد تنتمي لوحته الأشهر الأرجوحة.
ما أن أنهى فراغونار رسم لوحته هذه حتى أصبحت حديث نقاد الفن في أوربا، ليس فقط بسبب تكنيكها الفني وانما أيضا بسبب الفضيحة التي خلفها.
ففي اللوحة يظهر نبيل شاب وهو يحدّق في تنّورة السيدة المتأرجحة على الشجرة، بينما يبدو في الخلفية الكاهن العاشق الذي اضطرّها بملاحقاته المتحرّشة إلى اللوذ بذلك المكان المرتفع.
وبنفس هذه الروح أنجز فراغونار عددا من لوحاته الأخرى الشهيرة مثل قبلات مسروقة، و خدعة الرجل الأعمى.
وبعد زواجه في 1769 ، بدأ فراغونار رسم لوحات تصوّر مشاهد عائلية وطفولية وحتى دينية.
بالنسبة للكثير من النقاد، تعتبر لوحة الأرجوحة تجسيدا لروح النظام الملكي عشية قيام الثورة الفرنسية.

اللوحة التشكيلية عناق للفنان البولندي بيشينيسكي

اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي
Zdzisław Beksiński, Embrace, 1971

عِنــاق
للفنان البولندي تجيسـلاف بيـشينيسكـي

عندما تنظر إلى إحدى لوحات بيشينيسكي، لا بدّ وأن تستوقفك طبيعتها الصادمة وتفاصيلها المخيفة.
في هذه اللوحة يرسم رجلا وامرأة على هيئة هيكلين عظميين وهما في حالة عناق حميم. الصورة مزعجة وربّما مرعبة. واللون البرتقالي الذي يغطّي المشهد بالكامل يكثّف حالة الشعور بالانقباض والسوداوية.
هل هي لوحة عن الموت؟ أم أنها تعبير عن الإحساس بخواء الحياة وخلوّها من أيّ معنى؟
الواقع أن جميع لوحات بيشينيسكي هي عبارة عن مشاهد متتالية من طبيعة كئيبة تمتلئ بالهياكل والصحاري والأشخاص المشوّهين. كما تظهر في بعضها صور لدُمى أطفال مهشّمة ولأشخاص بلا وجوه وأشخاص آخرين تغطّي الضِمادات وجوههم.
ومناظره بشكل عام تذكّر بأفلام الرعب وأحيانا بتفاصيل تلك الطبيعة الفانتازية التي تظهر في أفلام الفيديو الالكترونية عادة. وأجواء معظم لوحاته مظلمة ومسكونة بالكوابيس والرؤى المزعجة. مقابر، مخلوقات غريبة الشكل، ملامح لأشخاص تكشف عن قدر عظيم من الألم والمعاناة والقسوة. بعض اللوحات تذكّرنا بفنّ وأدب الحقبة القوطية. بعضها الآخر فيها تأثيرات سوريالية وتجريدية واضحة.
تتأمّل بعض لوحات بيشينيسكي فيخطر بذهنك انه يرسمها من العقل الباطن. قد تكون مشاهد لشياطين أو انعكاسات لحالات روحانية أو سيكولوجية أو تخيّلات لما سيحدث في يوم القيامة أو في نهاية الزمان.
في إحدى اللوحات نرى ما يشبه الجحيم. وجوه تصرخ بهلع في مكان موحش ومقبض. وفي أخرى نرى شخصين يرتديان ملابس خضراء وهما يقفان أمام حائط حجري بينما يمرّ القمر أمامهما بطيئا عبر نافذة مفتوحة. وبخلاف ما هو معتاد، فإن منظر القمر الذي يملأ النافذة يبعث القشعريرة والرهبة في النفس. وفي لوحة ثالثة يظهر مخلوق شبحي أعمى يمشي على عصا في جوّ ضبابي بينما يقوده حيوان أسود غريب الهيئة ودميم الملامح.
وفي لوحة أخرى يظهر إنسان على هيئة هيكل عظمي وهو يعزف على آلة موسيقية بعظام يديه وقفصه الصدري.
لوحات بيشينيسكي الفانتازية والمرعبة ليس من السهل فهمها بل يستعصي أكثرها على الشرح والتفسير. البعض يشبّه وجوه شخوصه المشوّهة بـ “غورنيكا” بيكاسو. والبعض الآخر يقارنه بالرسّام النمساوي ارنست فوكس. وهناك من يشبّهه بـ كافكا الذي يقال انه كان يضحك بشكل هستيري عندما يقرأ قصصه المخيفة بصوت عال. وربّما تكون مناظره تعبيرا عن وحشية العالم الحديث وافتقاده للمثل الإنسانية والأخلاقية.
ومن الواضح أن الفنان يرسم لوحاته بكثير من البراعة والإتقان. كما انه ماهر في استخدام تأثيرات الضوء والظل.
لكن يظلّ غموض أعماله من النوع الذي يشوّش العقل ويربك الحواسّ. هناك مثلا البُنى العملاقة التي تنهض من التراب أو من وسط الصحراء الشاسعة، والأشخاص الذين يمشون تحت سماء تنذر بالخطر، ومنظر البالونات الملوّنة التي تطفو فوق ناطحات سحاب توشك أن تنهار. وفي إحدى لوحاته المعروفة يبدو شخص ضئيل يمسك بمصباح في قاع هاوية سحيقة بين جبلين ضخمين. وفي أكثر من لوحة، تظهر كاثدرائيات عملاقة تغرق في الصمت والظلام.
العين المعمارية لـ بيشينيسكي واضحة في كلّ لوحاته، وأحد شواهدها هو تعامله المبدع مع النسيج والمنظور. ويبدو انه استفاد من دراسته للمعمار في بدايات حياته، أي قبل أن يتحوّل للرسم.
وبعض النقاد يقولون إن طبقة القبح التي تغطي لوحات الرسّام تكشف أحيانا عن قيم وأفكار ايجابية. والبعض القليل من مناظره لا تخلو من مسحة رومانسية، ما يذكّر ببعض أعمال الفنان الألماني كاسبار فريدريش.
مشاهد البحر والمحيط في لوحات بيشينيسكي وتصويره لجلال وعظمة الجبال قد يكون تذكيرا بضآلة البشر في هذا الكون الواسع الفسيح وكيف أن هذا العالم الغامض يمكن في أيّ لحظة أن يطبق على الإنسان ويسحقه.
وهناك احتمال أن تكون رسوماته ترجمة لما اختزنه لاوعيه من ذكريات الطفولة. فقد تربّى ونشأ قرب احد معسكرات الاعتقال في بولندا خلال الحرب العالمية الثانية وشاهد هناك الكثير من الفظائع التي لا يشاهدها الأطفال الصغار عادة. كما عاصر غزو واحتلال كلّ من ألمانيا والاتحاد السوفيتي للأراضي البولندية، ما أدّى إلى مقتل أكثر من خمسة ملايين مواطن بولندي.
ولد تجيسلاف بيشينيسكي في بولندا وكان يحبّ الرسم منذ سن مبكّرة. وقد أصبح بسرعة الشخصية الأكثر أهميّة في الفنّ البولندي المعاصر.
الغريب انه كان شخصا مرحا ومحبّا للدعابة على العكس مما توحي به لوحاته. كما كان على درجة كبيرة من التواضع والخجل، لدرجة انه كان يتجنّب حضور المناسبات العامّة بما فيها حفلات افتتاح معارضه الخاصّة.
وقد كان بيشينيسكي شغوفا كثيرا بالموسيقى. وكان دائما يتجنّب تحليل لوحاته ويرفض إطلاق تسميات عليها. وكثيرا ما كان يؤكّد أن أعماله تثير التفاؤل والأمل على عكس ما يتصوّره معظم الناس.
المفارقة الساخرة هي أن بيشينيسكي أصبح في ما بعد ضحيّة للعالم الذي طالما صوّر توحّشه وقسوته في لوحاته. ففي أواخر حياته توفّيت زوجته وبعد ذلك بسنة انتحر ابنه الوحيد، وهو الحادث الذي دمّره وشلّ حياته تماما.
غير أن آخر مشاهد القيامة الذي لم يرسمه في ايّ من لوحاته كان حادثة اغتياله هو شخصيا.
ففي أحد أيّام شهر نوفمبر من عام 2005 م عُثر على بيشينيسكي مقتولا في شقّته بـ وارسو بعد إصابته بعدّة طعنات في أنحاء متفرّقة من جسده.
وفي ما بعد تمّ الكشف عن أن القاتل كان ابن أحد اعزّ أصدقائه وأكثرهم قربا منه وأن الدافع وراء الجريمة كان السرقة.
وبعد وفاته اُنشيء متحف يحمل اسمه ويضمّ معظم أعماله.

Previous Older Entries

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 448 other followers